كتاب الرؤية الفكرية للملك سلمان

موقع المثقف الجديد

(الأمم والدول لا تنشأ من فراغ)
هذه عبارة تلخّص رؤية الملك سلمان بن عبدالعزيز في الكتاب الذي صدر عن دارة الملك عبدالعزيز بعنوان: (الأسس التاريخية والفكرية للدولة السعودية)، فيما يعدّ كتاباً يحمل الرؤية الفكرية لمفهوم الدولة ومجالاتها في عقل وقلب خادم الحرمين الشريفين.

وجاء في مقدمة الكتاب، الذي هو في الأصل محاضرة ألقاها الملك في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ما نصه:
(تكلم كثير من المفكرين على أسس مبادئ نشوء الأمم والدول، مثل اللغة والعقيدة، والآمال المشتركة، والتاريخ المجيد، وقد جمع نشوء المملكة العربية السعودية هذه المبادئ كلها، فكراً وعقيدة وتاريخاً مجيداً وآمالاً مشتركة، منذ البيعة التاريخية في الدرعية فكانت الدولة السعودية الأولى، وهذه المبادئ والأسس هي التي توضحها هذه المحاضرة القيمة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تؤكد أن الدولة السعودية منذ إنشائها أول مرة تقوم عليها، واستمرت عليها الدولة السعودية الثانية والمملكة العربية السعودية).

وينص الملك سلمان في كتابه على أن (هذه البلاد بنيت على الدين الإسلامي، ومادة نظامها الأساسي تؤكد على أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي المادتين السابعة والثامنة أن الحكم فيها يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة، وأن الحكم فيها يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية).

وينتقل الملك سلمان بعد ذلك إلى عرض تاريخي سريع وخاطف عن قصة قيام دولة المملكة العربية السعودية وفقاً لسياق التاريخ الإسلامي، قائلاً:
(في طيبة الطيبة بدأت نهضة الدولة الإسلامية الأولى على الكتاب والسنة النبوية والمبادئ الإسلامية، من العدل والأمن والمساواة. وفي هذه الأرض العربية التي هي منطلق العروبة والإسلام تأسست الدولة السعودية على المبادئ ذاتها، متأسية بتلك الدولة الإسلامية الأولى وأسسها العظيمة التي تقوم على راية التوحيد وتدعو إلى الدين الخالص من أي ابتداع أو ممارسات ليست في الكتاب أو السنة وأقوال السلف الصالح).

ويتابع: (في المدينة النبوية انطلقت الدولة الإسلامية الأولى تنشر الدين والتوحيد وتؤسس للاستقرار، وتؤصل العلم الصحيح، وتشجع الإبداع والتفكير السليم. وأصبحت الجزيرة العربية، ولأول مرة، تعيش في استقرار ووحدة متماسكة ذات دولة مركزية تقوم على الدين الصحيح، لا على آيديولوجية فكرية أو على عصبية، أو مصالح ضيقة لا تخدم الأمة. ومن الدروس المهمة التي تلفت النظر في بناء هذه الدولة الإسلامية ما قام به المصطفى عليه الصلاة والسلام من المؤاخاة المهمة بين الأوس والخزرج في المدينة المنورة، ليصبحوا أنصاراً متحابين في الله عز وجل متجاوزين اختلافاتهم الماضية، وكذلك ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من توحيد الأنصار، وهم من العرب القحطانيين مع إخوانهم المهاجرين من قريش، وهم من العرب العدنانيين ليشكلوا اندماجاً عربياً واضحاً مبنياً على الدين لا على العصبية، في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى، في العهد النبوي وعلى عهد الخلفاء الراشدين).

ويواصل: (بعد ظهور الدولة الأموية وانتقال العاصمة من المدينة إلى دمشق ثم إلى بغداد في الدولة العباسية، دخلت الجزيرة العربية عصراً مختلفاً عن عصرها الزاهي الأول؛ حيث انتشرت فيها الفوضى وغابت الدولة، وظهرت إمارات متعددة اشتغلت بقتال بعضها بعضاً، وأصبح الحاج لا يأمن على نفسه في طريقه لأداء ركن من أركان الإسلام. وعاشت الجزيرة العربية قروناً من قرون الظلام، أصبحت بعيدة عن الأحداث التاريخية في عصرها الحديث، ولم تعد مركزاً للاهتمام والعناية، سوى القدوم إليها للحج أو زيارة الأماكن المقدسة، مع المخاطر الشديدة. وأصبح قلب الجزيرة العربية منعزلاً عن العالم من حوله، منقسماً إلى إمارات متناحرة يعيش في غالبه حياة ملأى بالخرافات وانعدام الوحدة التي عاشتها الجزيرة العربية في أيام الدولة الإسلامية الأولى، وأصبحت كل بلدة يحكمها فرد ينازعه آخر، وأصبحت القبيلة في حروب ضد الأخرى، وغابت الولاية وانعدم الأمن، وأصبح في كل إقليم دولة، وفي كل قبيلة دولة، وداخل كل دولة من هذه دول متناحرة ومتنافرة، بسبب غياب الدولة المركزية القائمة على راية الدين، كما حدث في العهد النبوي وعلى عهد الخلفاء الراشدين).
وبعد أن يمر خادم الحرمين بقصة المعاهدة والعقد الديني والاجتماعي الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى والثانية ثم الثالثة، يؤكد منطلقات هذا التأسيس:

(من منطلق هذا التأسيس الواضح للدولة السعودية القائم على الكتاب والسنة ومنهج السلف، ومن منطلق الارتباط المميز بين الدولة والدعوة، الذي لم يتأت لدعوة تجديدية أخرى من قبل، ومن منطلق استمرار الدولة السعودية، على رغم المواجهات والمواقف، وعودتها إلى الظهور والاستمرار إلى يومنا هذا، ومن منطلق مضامين الحكم ومبادئه في المملكة العربية السعودية، القائمة على المصادر الإسلامية الصحيحة، ومن منطلق أن هذه البلاد واقعة في معقل الإسلام وداره الأولى، وأنها قصبة الديار الإسلامية وقبلة المسلمين في كل مكان على هذه الأرض ومهوى أفئدتهم، وليس لهم قبلة غيرها، من منطلق ذلك وغيره فالمملكة العربية السعودية لها خصوصيتها التي ترتبط بتأسيسها ومكانها ومكانتها ورسالتها).

مستشهداً برسالة وجهها الملك عبدالعزيز إلى علماء المملكة، يكشف الملك سلمان عن رؤيته للتوصل إلى تلافي مواطن الاختلاف والنزاع، إذ جاء في كلمة الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله، ما نصه:
(إن أسباب الشر كثيرة، ولا بد أن يحصل من الناس بعض اختلاف آراء، أحد يبحث عن المخالفة، وأحد يبحث عن الترؤس، وأحد جاهل يريد الحق ولكنه خفي عليه سبيله فاتبع هواه، وهذا كله أمر مخالف للشرع، والحمد لله لسنا في شك من أمر ديننا).

يعلق الملك سلمان على هذه العبارة، وكأنه يحدد بها وصفة العبور والتجاوز لمزالق الأخطاء والاختلافات، قائلاً:
(ندرك أن ما نحن فيه اليوم تحت ظلال هذه الدولة المباركة، والوحدة العظيمة، والمنهج السليم، ما كان إلا بفضل من المولى عز وجل أولاً، ثم بفضل جميع المواطنين في هذه البلاد، الذين قدموا الجهد والتضحية والالتزام الثابت بمبادئ الدولة الصحيحة. وإذا أمعنّا النظر في صفحات تاريخ الدولة منذ الدولة السعودية الأولى إلى يومنا هذا فسنلحظ وبكل جلاء ما قام به المواطنون في هذه الدولة على مر زمن تجاوز القرنين والنصف، من تعضيد وتأسيس وبناء وتضحية، من جميع الأسر والقبائل، حاضرة وبادية، في أنحاء هذا الوطن).

وفي خواتيم رؤيته الفكرية والعملية للحكم في المملكة العربية السعودية، يتمثل الملك سلمان بكلمة الملك عبدالعزيز في خطاب الوحدة الوطنية: (إنني أعتبر كبيركم بمنزلة الوالد، وأوسطكم أخاً، وصغيركم ابناً، فكونوا يداً واحدة، وألّفوا بين قلوبكم، لتساعدوني على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقنا، إنني خادم في هذه البلاد لنصرة هذا الدين، وخادم للرعية).

ويتطرق الملك سلمان بن عبدالعزيز في كتاب له بعنوان: (ملامح إنسانية من سيرة الملك عبدالعزيز) إلى التصور الإنساني لدى شخصية (الملك) في المملكة العربية السعودية، لافتاً، في مقدمة الكتاب الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز، إلى أن شهادته التاريخية على الملامح الإنسانية للملك عبدالعزيز، نابعة من (أنني واحد من أبنائه، تربيت على يديه رحمه الله، وحديثي سيكون معتمداً على ما وعيته وسمعته وقرأته واطلعت عليه من روايات الثقات من كبار الأسرة ورجال الملك عبدالعزيز).

ويشرع الملك سلمان مباشرة في سرد مجموعة من الملامح الإنسانية اللافتة للملك المؤسس، قائلاً: (عرف عن الملك عبدالعزيز تأدبه مع والده وتقديره له، فعندما تمكن من دخول الرياض استقبله قادماً من الكويت، وأعلن بكل أدب البيعة له في المسجد الجامع الكبير بالرياض، حاكماً على البلاد، إلا أن والده نهض معلناً البيعة لابنه، لثقته به، فقبل عبدالعزيز، مشترطاً جعل حق الرأي الأول في معالي الأمور المهمة لوالده الإمام).
ويتابع: (من شدة احترامه لوالده لم يكن الملك عبدالعزيز يمشي في غرفة علوية بينما والده في الغرفة التي أسفل منها، وقد أكد هذا محمد أسد في كتابه (الطريق إلى مكة)، إذ ذكر أن الملك عبدالعزيز لم يكن يسمح لنفسه ولا لغيره قط أن يضع قدمه في غرفة من القصر إذا كان أبوه في غرفة تحتها، ونقل عنه قوله: (كيف أسمح لنفسي أو لغيري أن يسير فوق رأس أبي)؟ وفي مضمار آخر يقول الملك متحدثاً عن والده المؤسس:
(ومن سمات شخصية عبدالعزيز أنه لا يقبل الممارسات المخالفة للشريعة الإسلامية. يروي عبد الحميد الخطيب أنه بينما كان الملك عبدالعزيز في استقبال الحجاج في منى سلم عليه أحد الحجاج الأفغان، وعندما اقترب من جلالته انحنى أمامه، فتألم الملك عبدالعزيز من ذلك، وظهر الغضب على وجهه وقال بصوت مرتفع: السجود لا يكون إلا لله، إنني لا أزيد عن أحدكم بشيء، فالإسلام ساوى بيننا جميعاً).

ولا تقتصر الجوانب الإنسانية التي يرويها الملك سلمان عن والده على الأتباع والموافقين، بل تتجاوزهم إلى الخصوم والمخالفين، إذ ينقل عن عبدالحميد الخطيب قوله:
(كنا من أشد الناس خصومة لجلالة الملك، ونشرنا الدعاية الواسعة ضده، وبذلنا الأموال الطائلة في سبيل مقاومته بمختلف الطرق والوسائل، إلى أن آمنا بخطئنا، ورجعنا إليه بطوعنا، وقد شملنا بعفوه، وأغدق علينا كرمه، بل لقد أحاطنا بمنتهى ثقته الغالية، حيث عينني أولاً عضواً في مجلس الشورى الذي يشرف على كل صغيرة وكبيرة من شؤون الدولة).

ويستطرد الملك سلمان في هذا السياق قائلاً:
(تنعكس إنسانية الملك عبدالعزيز أيضاً في قصة السيد طاهر الدباغ، رحمه الله، التي رواها الأخ الدكتور محمد عبده يماني، نقلاً عن عبدالله بلخير رحمه الله، الذي كتب إلى الملك راغباً في العودة إلى البلاد بعد أن ناوره ولجأ إلى العراق، فرحب الملك بذلك)… إلى أن يقول:

(استأذن الدباغ الملك ليسافر إلى أهله في الحجاز، فقال له الملك أمام الناس: مرحباً يا سيد، لكن سامحنا، لأنك عندما كنت في العراق وتكتب لأصدقائك ومعارفك في الحجاز كنا نفتح تلك الخطابات، وأنت تكتب فيها أنني ملك جاهل يحكم شعباً جاهلاً، واليوم أصدرت قراراً بتعيينك مديراً عاماً للمعارف في البلاد لتعلم الجميع)!

ويضيف الملك سلمان: (من عدل الملك عبدالعزيز أيضاً أنه استوقفه رجل في طريق البديعة، وقال له: وين عدلك يا عبدالعزيز؟ فسأله الملك عن مشكلته، فقال له: إن سيارة أحد الأمراء دهمت إبله ونفق منها ثلاثة، وطلب الملك إحضار الأمير إليه للنظر في الأمر، وعندما حضر جلس مع الرجل المشتكي أمام الملك للاستماع إلى ما حدث، وأمر الملك الأمير بدفع ثمن الجمال الثلاثة التي نفقت، وكان ثمن الجمل آنذاك لا يزيد على ثلاثمئة ريال، وطلب الرجل ألف ريال عن الجمل الواحد، فقال له الأمير: سأعوضك بثلاثة جمال إذن، ولكن البدوي رد عليه: هب أنك أعطيتني ثلاثة جمال، فليس علي أن أروضها حتى تأنس إلي وآنس إليها! ودفع الأمير المبلغ، فالتفت الرجل إلى الملك وقال: الآن تأكد لدي عدلك يا عبدالعزيز).

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. مشعل السرور says:

    لاغرابة على خادم الحرمينا لملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله فهو شخصية رائدة يشهد لها القاصي والداني بالحكمة والذكاء وهو شخصية قيادية محنكة تمتلك كل مقومات الحاكم الناجح .

  2. طارق الشهيلي says:

    دائما تثبت لنا المواقف الخبرة العظيمة التي يملكها قائد البلاد الملك سلمان حفظه الله وما ورد في تقريركم يذكر شيئا يسيرا من سيرته المليئة بالعطاءات فهو من دون شك رجل الدولة الذي يعمل على نهوض شعبه وبلده نحو التقدم والنجاح

  3. سفيان العولي says:

    المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وهي موحدة على نهج الاسلام وتعرف ما تريد بعكس الجمهوريات القومية التي تتقلب بحسب تقلب الدول الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *