إسرائيل كوهين يروي قصة عَلمانية اليهود

موقع المثقف الجديد

ورد ذكر اليهود في القرآن الكريم كحالة متمردة على الأنبياء، رفضت الوحي القرآني الذي يعرفه علماؤها كما يعرفون أبناءهم، واستمرت على مسيرتها السالفة في مخالفة الشرائع السماوية ومعاداة القائمين بها.

تلك الصورة الذهنية يحاول الكاتب اليهودي إسرائيل كوهين قلبَها من خلال الحديث عن اليهود، كقومية عرقية تنوعت مشاربهم الاجتماعية والجغرافية، لكنهم حافظوا على التواصل العراقي والديني للنجاة بأنفسهم مما ذكره من سيول الكراهية التي تستهدفهم في هذا العالم.

 

الكتاب جاء بعنوان “الحياة اليهودية في العصر الحديث” وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1929م، وترجمه وعلق عليه في طبعته المترجمة محمد بن عودة المحيميد، وصدر عن مركز البحوث والتواصل المعرفي.

يحاول كوهين شرح تفاصيل الواقع اليهودي، ويتحدث عن حملات التهجير والاستهداف، ونحو ذلك مما تعرضوا له على يد الكنائس المسيحية، أو حملات الإبادة التي استهدفتهم في أوربا الشرقية وغيرها، أو الحالة الاقتصادية والفكرية والدينية والسياسية للمجتمع اليهودي.

 

من خلال قراءة  604 صفحات يتضمنها الكتاب، فإن ثمة حقيقة تظهر أمام القارئ وأشار إليها المؤلف إسرائيل كوهين، هي: أن الجهاز الديني في المجتمع اليهودي يعمل كسلطة كنسية، في حين يقوم الجهاز العلماني بدور الوصي على المصالح السياسية والمدنية للمجتمع اليهودي، وبذلك تظهر حقيقة مؤكدة حول المتدين والعلماني في إسرائيل مفادها أنهم يلعبون اللعبة نفسها.

وفي وصفه لأهمية التماسك الديني يقول المؤلف:

“عندما تكون الحياة اليهودية في أدنى مستوياتها، فإنه لا بد من إنشاء كنيس يوفر رباط اتحاد بين أولئك الذين لايزالون يرغبون في البقاء ضمن الجماعة، فحيثما لا يوجد كنيس… هناك يهود، لكن لا يوجد حياة يهودية”.

يكمل إسرائيل كوهين حديثه عن وصف بعض العادات الاجتماعية المبنية على الموروث الديني في المجتمع اليهودي بقوله:

“إن أعلى فضيلة لدى العريس هي تفوقه في الدراسة التلمودية، التي تفوق بالقيمة النسب الباهر أو الدخل اللامع الموشى بالجهل”.

 

ويضيف قائلاً:

ينظم التشريع والعادة كذلك تصفيف الشعر في الأوساط الأرثوذكسية، فالتحريم الموسوي للحلاقة في سفر لاويين، الإصحاح التاسع عشر، يقول:

“لا تقصروا رؤوسكم مستديراً، ولا تفسد عارضيك”.. يتم التمسك به بصرامة، وإزالة شعر اللحية بالكامل بأي وسيلة كانت يعده المتمسكون المخلصون الأرثوذكس مخالفة للتشريع الحاخامي، ويطالب التشريع الحاخامي النساء المتزوجات ألا يكشفن شعورهن لكي لا يحسبن من الخليعات”.

ويحاول الكاتب التفصيل بشأن تأثير التاريخ الديني لليهود على حياتهم العصرية من خلال شرح المناسبات والأحداث الدينية والاحتفالات السنوية لليهود، مثل عيد المظلة، وعيد العرش، وعيد النصيب أو المساخر، الذي أنقذت فيه إستير يهود فارس من بطش هامان، وفق رواياتهم التاريخية.

 

يحاول كوهين رسم صورة للحياة اليهودية في أوربا، مع بداية القرن التاسع عشر، ويرى أن الجرائم التي تنسب إلى اليهود تستهدف غالباً مؤسسات، ولا تستهدف أشخاصاً بعينهم، فمعظم الآثام اليهودية تأتي من ممارسات تجارية، وذلك نتيجة كثرتهم في تلك الوظائف، ففي روسيا كانوا يشكلون 4% من السكان، لكنهم أسهموا بــ27.12% من الإدانات الخاصة بالتجاوزات التجارية مقارنة بــ3.77 من بقية السكان!

لفتة أخرى من إسرائيل كوهين يكشف فيها عدم صدقية ما تروج له وصفها ـ”الصحف الهازلة” عن نسب اليهود للعرق السامي، يقول:

“إن الكتاب اليهود الذين يؤيدون الطموحات القومية اليهودية مثل الدكتور زولتشان، والدكتور جودت، قد نبذوا النظرية التقليدية الخاصة بأصل قومهم، وقالوا: إن المصطلح مثله مثل نظيره “آري”، يمكن إطلاقه على مجموعة أسر من اللغات، لكنه لا يقدم إشارة إلى القرابة العرقية لأولئك الذين يتداولون اللغة نفسها، ويقول زولتشان: إن اليهود في زمن دخولهم ميدان التاريخ كانوا نتاج امتزاج شعوب شمال إفريقية مع شعوب جنوب غرب آسيا.

 

بخلاف مملكة الخزر التي استمرت من القرن السابع وحتى القرن الحادي عشر فإن ثلاث حالات امتزاج مع العرق اليهودي جرت بحسب الكاتب إسرائيل كوهين، وهم يهود “الفلاشا” في أثيوبيا، ويهود الهند السود، واليهود الصينيون في “كايفنج – فو”.

وفي جزئية مهمة من الكتاب يتحدث إسرائيل كوهين واصفاً حياة اليهود تحت سوط الكنيسة قائلاً:

“عدو اليهود الذي لا يلين خلال العصور الوسطى كان الكنيسة، التي سيطرت على مصائر الدولة في كل بلد استقروا به تقريباً، حيث كانت تنظر إلى كل من يقف خارج حظيرتها على أنه فريسة ملائمة لقيود مذلة، وضريبة مدمرة”.

 

ثم يستطرد واصفاً حال اليهود في أوربا في العصور الوسطى:

“قُيدوا في السكن والعمل والممارسات الدينية، ومُنعوا من امتلاك الأرض والحصول على التعليم، وخضعوا لضريبة الرأس التي انتزعت منهم كلما عبروا من مقاطعة إلى أخرى”.

أسهم عاملان وفقاً لرواية المؤلف في تعزيز الوهم الشائع حول ثروات اليهود الضخمة، منها الملايين الخرافية التي تمتلكها أسرة روتشايلد، وورود الأثرياء اليهود المتواتر في مسرحيات وروايات كل الآداب الأوربية تقريبا، خصوصاً في الأدب الانجليزي، الذي غطى الذهب اليهودي صفحاته بإسراف، من شكسبير إلى جالسويرثي.

يقول كوهين في فصل كامل يتحدث فيه عن التعليم:

“حتى منتصف القرن الثامن عشر كان الهدف الوحيد للدراسة هو إيجاد يهودي صالح، أي: يهودي متدين، ومن هنا فإن خطة التعليم عند كل الشعوب اليهودية في أوربا كانت مصممة لنقل المعرفة الكاملة والجوهرية للتعاليم الدينية”.

 

يوضح الكاتب أن العلمانية فُرضت على اليهود بسبب اختلاطهم بالأغيار من غير اليهود، خصوصاً المسيحيين، بعد أن كانت اليديشية اللغة السائدة للتواصل بين اليهود، فأصبح من المهم أن يتعلم اليهودي اللغة الوطنية للبلد الذي يقيم فيه حتى يتجنب الإقصاء، كذلك توفر لهم العلمانية طوق نجاة للتواصل مع الآخرين ومنافستهم في مجالات الحياة المختلفة، ورغم أهمية هذا المنطق عند رواد حركة التنوير اليهود مثل موسى مندلسون، إلا أن الحاخامات كانوا يقاومون هذا المشروع بقوة.

يقول الكاتب: إن التنظيم لأغراض دينية هو القاعدة الأساسية لكل تجمع يهودي، لذلك حافظ اليهود في أوربا وأمريكا على تجمعات دينية أو مجالس تشكل من السفارديم والإشكناز، وتحافظ على تعزيز الروابط الدينية والعرقية بينهم، ويشير إلى أنه ليس هناك سلطة مركزية دينية لليهود كبابا الكاثوليك، فكل بلد مستقل عن الآخر، وفي الأغلب تقوم جماعات محلية مستقلة بهذا الدور، لكن الرابط الذي يربط الجميع هو سلطة الشريعة التقليدية.

 

تعمّقَ إسرائيل كوهين في الحديث عن الفكر الديني في المجتمع اليهودي، ووصف إحدى حالاته، وهي الطائفة الحسيدية، التي قال إنها فرع من الأرثوذكسية التي تؤدي العاطفة بين أتباعها دوراً كبيراً، حيث يؤمنون بأنه بالإثارة الجسدية العنيفة يمكنهم الدخول في صلة حميمية مباشرة مع الرب، ولذلك فإنهم في دور عبادتهم يجهدون أنفسهم حتى الانجذاب الصوفي بالصراخ والغناء والإيماء القوي، ويبجلون قائدهم كشخص قديس يحقق أمانيهم، ويتبركون بفتات الطعام الذي يقع من فمه!

يقسم الكتاب اليهودية في أوربا إلى أرثوذكسية وإصلاحية تقدمية، ويؤكد أن اليهودية الإصلاحية أقدمت على انحرافات كبيرة ألغت بموجبها الكثير من العادات التاريخية وفصلت اليهودية عن الأرض التي ولدت فيها، كما جردتها من الملامح القومية والرابط العرقية وسهلت انحراف أعضائها إلى الكنائس المسيحية، بخلاف الأرثوذكسية التي التزمت بتعاليمها وقوانينها المتشددة، لذلك يؤكد الكاتب أن الالتزام الديني هو الآن في انحدار لدى الجزء الأعظم من اليهود.

 

يضيف أيضاً أنه في العصور الوسطى أجبر اليهودي على حضور الدروس الدينية في الكنيسة المسيحية، كما أن الحملات الصليبية أسهمت بشكل كبير في رِدّة كثير من اليهود، وتبع حالة الملاحقة التي استهدفت اليهود على يد الكنيسة ظهور حالة نفاق في صفوف اليهود لإخفاء هويتهم الدينية؛ خوفاً من البطش المسيحي؛ ففي النمسا وبولندا كان اليهود يحرمون من الوظيفة العمومية ويصنفون على أنهم مواطنين من الطبقة الثانية، لذلك يمارسون “التقية” للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية.

ويشير الكتاب إلى وجود حالات ردة لدى اليهود في إنجلترا وعدد من الدول الأوربية كانت كما وصفها الكاتب إسرائيل كوهين متأثرة بشمس الحرية التي حلت الروابط الإيمانية بسرعة أكثر من نيران محاكم التفتيش، مشيراً إلى أن تلك الظاهرة تغولت داخل النخب المثقفة والغنية التي أرادت أن تواكب التمدن والحياة الاجتماعية في المجتمع الغربي المسيحي، وذهبت بعض الحكومات الأوروبية بعيداً في تشجيع اليهود على الردة، حتى إنها صرفت لهم مكافآت، ومنحتهم حق المواطنة الكاملة، وسمحت لهم بشغل الوظائف العامة مقابل اعتناق المسيحية.

 

يعرج الكاتب على جزئية تتعمق في الحديث عن تصدير اليهود من الغرب والتخلص من أزمتهم إلى منطقة يمكنهم التعايش فيها ككيان موحد، ويشير إلى ما أجمع عليه المؤتمر الصهيوني عام م1905م، ومقترح قدمته المنظمة اليهودية التي أسسها إسرائيل زانجويل وهو “الاستيطان”، فقد رفضت المنظمة مقترحاً للحكومة الانجليزية  لإقامة كيان لليهود في شرق إفريقيا، ونفذت كذلك رحلة بحثية إلى برقة في ليبيا، كما رُفض مقترح لاستيطان اليهود في أوغندا بسبب قلة مصادر المياه، في حين اتجهت أنظار المنظمة اليهودية إلى فلسطين، التي بحسب زعماء الاستيطان اليهودي كانت تجمع الإرث التاريخي لليهود والمزايا الاقتصادية والزراعية التي ستساعد على الاكتفاء الذاتي لدولة اليهود المستقبلية.

 

ويعرّف إسرائيل كوهين “الصهيونية” التي كان لها اليد الطولى في استيطان اليهود في فلسطين، على أنها حركة تهدف إلى استعادة القومية اليهودية في فلسطين، مبنية على قناعة بأن اليهود شعب وباستطاعتهم تحقيق مصيرهم بإحياء حياتهم المشتركة على أساس قومي في بلد أسلافهم، وتعتبر الصهيونية بحسب المؤلف الطريقة الوحيدة التي يمكن يمكنها صيانة الشعب اليهودي من قوى التحلل التي يتعرضون لها.

أسفرت جهود مؤتمر بازل الذي عقد عام 1897م  عن قيام تيودور هرتزل بخطة طموحة تضمنت تأسيس صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار ليكون أداة مصرفية بيده يخدم مشروع استيطان اليهود في فلسطين، من خلال الحصول على ميثاق من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بهذا الشأن لكن، وحتى وفاته عام 1904م، فشل هرتزل في تحقيق هدفه، لكن استمرت الحركة الصهيونية في سعيها إلى تحقيق هذا المشروع الذي زادت فرص تحققه عقب نهوض الحركة القومية التركية، وقد سمحت الدولة التركية للحركة الصهيونية بالاستثمار الزراعي والصناعي في فلسطين، على أمل أن تخفف من خسائرها في الحرب البلقان، لكن تلك الجهود لم تقدم شيئاً طموحاً لليهود في فلسطين بقدر ما حصلوا عليه من خلال تقربهم إلى أعضاء الحكومة البريطانية، خصوصاً وزير الخارجية اللورد بلفور، وقد أصدر وعده بالاعتراف بوطن قومي لليهود في فلسطين في 2 نوفمبر 1917م.

 

هناك جملة من الحقائق يمكن للقارئ تبينها من خلال التعمق في مطالعة الحقائق التي يستعرضها الكتاب، وأبرزها: أن الحركة الصهيونية التي دعمتها الحكومات الغربية وخصوصاً إنجلترا هي التي حولت المشروع اليهودي من مشروع ديني بحث إلى مشروع سياسي استيطاني، جاء بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى، وفي أوج حالة عداء دينية غربية لليهود ووسط رغبة شديدة للتخلص منهم.

كما تظهر الحقائق التي يوردها المؤلف إسرائيل كوهين أنه ورغم رفض السلطان العثماني لمنح اليهود الحق في الاستيطان بفلسطين، إلا أن المنظمات اليهودية كانت تضع لبنات هذا المشروع في فلسطين منذ بدايات القرن التاسع عشر، وتحت أنظار ولاة الدولة العثمانية، من خلال إنشاء الكيبوتسات الزراعية والمؤسسات التعليمية والمالية للهيمنة على الاقتصاد الفلسطيني، إضافة إلى الجزئية المتعلقة بشراء الأراضي، التي أشرفت عليها الوكالة اليهودية.

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. سلمان الغنامي says:

    الكتاب متميز بستعراضه لجملة من الحقائق لكن بصراحة هل يمكن الوثوق بمصدر معلوماته لا سيما فيما يتعلق باعداد اليهود في فلسطين!

  2. ابو عبيدة says:

    جميل ان يتم طرح مثل هذه الكتب لنرى عدة روايات للتاريخ ونفقه الكثير حول الصراع مع اعداء هذه الفئة التي خصها الله بالكثير من الغضب

  3. مجيد الصرفندي says:

    يتحدث الكاتب عن تكاملية العلاقة بين العلماني و المتدين فهل يعي ليبراليونا لطبيعة المؤامرة التي تحاكم لامتنا وشعوبنا ويتوقفوا عن محاولتهم للتجهيل بشعوبهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *