طفلي يسأل: أين الله؟

موقع المثقف الجديد - تقرير

الطفل كتلة من الدهشة والأسئلة والجرأة على تكوين علاقات على نحو منظم ومتعسف مع الموجودات التي تحيط به، يتوسل بالحواس والجوارح ونشاطه العقلي الغضّ لوعي محيطه، بوصفة طرفاً ومحوراً مهماً فيه. وهو حالما يطرح السؤال حول تفاصيل الغيب والشهادة، فهو يريد أيضاً أن يحدد هويته بدقة في هذا الخضمّ الممتدّ، مستشعراً قوته وضعفه بين أطراف قوية وضعيفة، تحيط به وتؤطره في قالبه الطبيعي الذي يرتضيه ويطمئن إليه؛ ليكون كائناً سويّاً له حقوق وعليه واجبات.

قد لا تكون الأسئلة التي تبدر من الطفل حول الغيب والوجود بذات بال لدى كثير من الآباء والأمهات، فهم اعتادوا هكذا أسئلة، ويتفاعلون معها على نحو سطحي وعميق، بحسب تعليمهم وتدينهم، أو لضرورة التجاوب وحتميته مع الاستفهامات الحيوية التي لا تقل –أحياناً – في صيغتها الطفولية عن السؤال عن الطعام والشراب، حال جوع الطفل أو عطشه.

المشهد برمته يتم اختزاله بمهارة في كتاب (أسئلة الأطفال الإيمانية) للباحث عبدالله الركف الذي أعاد ترتيب علاقة الطفل بأسئلته وأسرته، وأدخل قارئه في درس تربوي سلسل، تديره البساطة والفطرية في عرض السؤال، وتلقي الإجابة مُجسّراً الهوة بين التقليدي والفطري، وأنهما مترادفان في بعض سياقاتهما، حيث نال (التقليدي) تشويه من لدن أطراف متربصة بالعقائد على نحو متعسف، وها هو المشهد الأسري الطبيعي يعيد تعريف التقاليد الحميدة، ويصفها بـ(الفطرة) كما هو النقش في الحجر والأسلمة المبكرة للعقل والحس قبل أن تصادف الطفلَ شكوكٌ، تترسخ وتتمظهر في نضجه مع تقدمه في السن، لتبذل النواه الأولى دور المقاوم لأي دخيل أو متطفل شيطاني، يبعث باستفهامات تحلق في الهواء، ولا تستقر إلى مأوى مطمئن.

ويُحسن الكتابُ ساعة يعطي تفاصيل رقيقة لفروع أسئلة الغيب عن الله والإسلام والأنبياء والتوحيد ومدى صلتها بالقيم النبيلة والسلوك القويم؛ لأن الطفل – في غضاضته – يسأل كثيراً عن تعريف الاستقامة في الفكرة والتطبيق، وهذا اللون من الربط السببي يفعل فعله في سيكولوجيا الطفل، وقد أجاد الكاتب إذ قدم الفائدة الدنيوية والمصلحية التي تعقب الإجابة عن الأسئلة المتصلة بالغيب.

الطفل كائن زجاجي شفاف، ومن اليسير المحافظة عليه سليماً ألِقاً، بالتعامل التلقائي العفوي، والتثقيف البديهي، دونما اعتساف أو جنوح إلى تفاصيل، لا يسعه وعيها إلا أن يتجاهلها في وعيه، وتتسرب إلى اللاوعي، وتستيقظ دونما سابق تنبيه؛ لذا كان لزاماً أن يدرك المربون حدود الممكن والمتعذر في التلقين التربوي والعقدي، والكتاب يبعث برسائل توعية في هذا الصدد.

الكتاب يختار التلقين المدرسي داخل المنزل من الأبوين بانسيابية المنهج التعليمي للفصول الابتدائية الأولى، بصيغة التعريف العلمي والسلس المتناغم معرهافة الإدراكي الطفولي، لاسيما المتصل بالله والأنبياء والدين وأركانه، في بضع كلمات ناصعة الوضوح، يتلقاها الطفل ضمن المعارف والمنافع، بل والإثارة التي تستهويه، حيث يبادر بنفسه إلى إثاره الاستفهامات، وتلك فرصة المربي أن ينقش في الحجر الحقَّ الذي يجب أن يبقى.

يبدو لي أن الكتاب لم يتناول الجانب الحقوقي في تعليم الطفل في أصول الأيمان، ولو على نحو يسير، كأن يشعر الطفل أن العبادة تجلٍّ للإيمان والحق إلهي، ليرسّخ مفهوم الحقوق، والتوحيد كونه حق لله على العبيد، كما جاء في الحديث النبوي، ولكن لعل للباحث رأياً سديداً غفلتُ عنه.

 الكتاب مُبرّزٌ في بابه، واستجابةٌ ملحّة لتحولات جذرية تلمّ بكل المجتمعات وتبسيطها وتعقيدها وسهلها الممتنع. وموضوع الغيب يعبر هذه المنحنيات الحادة، ورغم عُقَده المحكمة كالأنشوطة، إلا أن حل العقدة أيسر مما يتصوره الهلوع أو المتربص، والكتاب الذي نحنبصدده تعامل بتلقائه وانسيابية حيال ما يُظَن أنه عصيّ شائك.

الكتاب باكورة إنتاج فكري تربوي، وسيتأثر به مربون ومفكرون، وسيعملون على مواصلة مسيرة التجاوب مع المستجد بشأن استفهامات الأطفال، وينشطون على تطوير محاور مهمة، يعوزها إشباع لأسئلة لاحقة، ستطرح على العقل الإيماني والتربوي، أسئلةً تمس: (عقل الطفل وتفاعله مع الرسوم المتحركة) و(الفطرة المقاومة) و(أسباب بعض حالات الإلحاد لعقول تلقّت تربية إسلامية سليمة)، و(الحب وعلاقته السببية بالثبات على الإيمان)، و(الفضيلة ومدى صلتها بأصل العقيدة)، و(التفريق بين الفطرة والتقليد)، و(التوحيد بوصفه حقاً إلهياً)، و(مدى نجاح التجربة التربوية ومخرجاتها)، وتفصيل عن(تحفيظ القرآن هو حفظ للعقيدة) و(أميّة الأبوين وأثرها العقدي على الطفل). ولعلنا هنا نحرّضكاتبنا الجليل والمثقف المربي على معالجة هذه القضايا في كتب مستقلة.

 

 

 

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. محمد عبد الرحمن says:

    من الطبيعي ان يوجه الطفل في بداية مرحلة ادراكه ونموه اسئلة مهمة مثل هذا السؤال وغيره من الاسئلة التي يعتقد الاهل انها محرجة وقد يرى الكثيرون انه يجب عدم الرد عليها بتمييع الحديث مع الطفل باحاديث اخرى جانبية ،وربما يسأل الطفل اين الله عز وجل وربما يزيد بسؤاله هل له عائلة واولاد(عز وجل)ومن المهم جدا ان يعرف الاهل كيف يجيبون على أطفالهم ولايتركوهم بدون اجابة شافية كافية.

  2. سرحان says:

    غياب الهوية الدينية الصحيحة داخل الاسرة هو الذي يصنع من الضبابية عن الاطفال…

  3. فايز الخالدي says:

    للاسف السوشل ميديا و اليوتيوب و المرئيات الموجهة تدفع بهذا الاتجاه والله المستعان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *