قصة التشيع في موريتانيا

موقع المثقف الجديد - محمد عبدالباقي

على رغم انتشار التشيع في محيطها الإقليمي إلا أن موريتانيا – أرض المليون شاعر-  ظلت بمنأى عن أي اختراق تحدثه إيران وحلفاؤها، حتى أعلن مواطن موريتاني يدعى بكار ولد بكار تشيعه في الإعلام عام 2006م، ومنذ ذلك الحين شهد التشيع هبوطاً ونزولاً، وتهويلاً وتهويناً؛ تبعاً لعلاقات نواكشوط بطهران التي شهدت تحسناً ملحوظاً بعد استحواذ ولد عبد العزيز على السلطة، بعد الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عام 2008م، قبل أن تتراجع تلك العلاقات مرة أخرى، بعد الثورة السورية وأحداث اليمن.

 

لمحة تاريخية

تعد السنغال – الجارة الجنوبية لموريتانيا – الدولة الأولى في المنطقة التي شهدت وجودا شيعياً، بعد زيارة الشيخ الشيعي اللبناني عبد المنعم الزين عام 1969م؛  وذلك بعد سنة واحدة من زيارة اتجه فيها المرجع الشيعي موسى الصدر (المختفي في ظروف غامضة) إلى السنغال، والتقى فيها قادة الحركات الصوفية، ومن أبرزهم كبير التجانيين الملونين إبراهيم انياس الكولخي.

ويتمتع الموريتانيون بعلاقات تاريخية بفعل التجارة مع اللبنانيين والسوريين العاملين في التجارة في السنغال المعروفين، ولذلك يمكن القول إن المعتنقين الأوائل للتشيع أو المقربين منهم هم من المجموعات المحسوبة على ولاية الترارزة في الجنوب الموريتاني؛ وذلك بسبب العلاقات الاقتصادية والثقافية مع السنغال، بحسب المدير الناشر لموقع (أخبار الساحل) الإعلامي محمد المختار آبكه.

ويضيف آبكه لموقع (المثقف الجديد) أن التشيع ظاهرة جديدة على المجتمع الموريتاني السني المالكي، ويقول: (صحيح أن هناك حبا لأهل البيت، خاصة عند الأوائل، دون أن يكون هناك تشيع حقيقي، إنهم يحبون علياً ويقرؤون قصصه، والسبب في ذلك أن أكثرية الكتب المطبوعة التي تأتي إلى موريتانيا إما من لبنان أو من السنغال، وهذه الأخيرة جميع المطابع الموجودة فيها تعود إلى لبنانيين وسوريين معظمهم من الشيعة، ويأتي الموريتانيون الذين يذهبون إلى السنغال من أجل التجارة بهذه الكتب).

وبسبب حب الموريتانيين المطالعة – والكلام لا يزال للإعلامي آبكه – تجدهم يقرؤون كتباً عن معارك علي، ويبالغ فيها الشيعة مبالغة شديدة، وكانت تلك ظاهرة عادية لا تصل إلى حد التشيع.

ويواصل آبكه: في الآونة الأخيرة ظهر رجل يسمى بكار ولد بكار، وقال إنه شيعي، وذهب إلى قم، والتقى قادة الشيعة، وزعم أنه لديه في موريتانيا أتباعاً يصلون إلى 15 ألفاً، وهذا كذب وبهتان؛ إذ ليس لديه أتباع في موريتانيا بهذا العدد ولا قريب منه، ولكن هناك بعض المرتزقة الذين يأخذون المال حتى من النصارى على أنهم تنصروا، فقط لغرض أخذ المال.

 

الوجود الشيعي بين النفي والإثبات

على حين يزعم بكار ولد بكار الذي يدور موضوع التشيع في موريتانيا عليه، في مقابلة مع موقع (الأمل الجديد) أن موريتانيا تحتل المرتبة الثانية بعد نيجيريا في عدد معتنقي الفكر الشيعي، ويزعم موقع (شبكة أهل البيت) أن نسبة الشيعة في موريتانيا تصل إلى 1,5%، في المقابل يؤكد معدو كتاب (التشيع في أفريقيا) الصادر عن مؤسسة الإسلام اليوم في عام 2010م أنه لا يُعرف للشيعة وجودٌ حقيقي في موريتانيا، وليس هناك ما يشير إلى توجه ملموس لنشر التشيع في البلاد، لكن ثمة تعاطف مجمل مع طرح إيران وحزب الله السياسي، وليس وراء هذا التعاطف تشيع مذهبي.

ويضيف الكتاب: هناك اسم يتكرر كثيراً بوصفه أحد الشخصيات البارزة في التشيع في موريتانيا، هو: بكار بن بكار، وقد أورد مركز الأبحاث العقائدية (موقع شيعي) له تسجيلاً صوتياً بعنوان: (الشيعة في موريتانيا)، إلا أنه بعد البحث والتتبع من الباحثين من أهل تلك البلاد نفسها تبين أنه شخصية غير معروفة في البلاد، وثمة موقع على الإنترنت يسمى (مؤسسة بكار للعلوم والثقافات) وتحت هذا الاسم مكتوب: (هذا الموقع لشيعة موريتانيا، بني بموافقة سماحة الشيخ بكار بن بكار محمد علي). ويشتمل هذا الموقع على مجموعة معلومات فيها مغالطات تاريخية وواقعية بالغة، ويتضح أنه مصمم بطريقة بدائية.

ويختم الباحثون في الكتاب المذكور: إذا تبين ذلك فليس ثمة هناك شخصيات بارزة متشيعة أو تدعو إلى التشيع في موريتانيا بشكل واضح. غير أن الإعلامي آبكه يفيد أن هناك جمعية تسمى جمعية آل البيت وأهلها في المنطقة الغربية في البلد وتمولهم إيران، ولكنهم لا يقومون بالطقوس الشيعية من الضرب وإحياء الشعائر، بل يمتازون بالعمامة السوداء.

 

إستراتيجية إيران

يعود آبكه ليقول: في السنوات الأخيرة – وبعد أن دخلت السياسة على الخط – أصبحت إيران تريد أن تكون لها يد في موريتانيا؛ ولذلك دعمت من يسمون هنا بالشرفاء وآل البيت، ويمكن فهم الاهتمام الإيراني بموريتانيا في ظل سعي طهران إلى إيجاد بديل عن المملكة المغربية، التي باتت رأس حربة في مواجهة المد الشيعي في المنطقة، وعن السنغال، التي توترت علاقاتها مع إيران أيضاً؛ بسبب شحنات السلاح الإيراني إلى متمردي كازاماس.

ويضيف أن أحد قادة أعضاء الحركات التي تتبنى العنصرية المضادة ذهب إلى قم والعراق وصوّر هناك مع بعض قادة الشيعة، وهو في موريتانيا يعد شخصاً جاهلاً؛ ولكنه كان يقود مجموعة تسمى: (إيرا)، وهي حركة عنصرية للحراطين، ويسمون هذا الشخص (فقيه إيرا).

إن ما يذكره آبكه يتفق مع وثيقة أعدتها جهات موريتانية لمؤسسة انقلاب الثقافية الشيعية تؤكد أنه توجد في موريتانيا أرضية خصبة لنشر التشيع الذي كان موجوداً في مرحلة سابقة من حقب تاريخ البلاد، قبل نشأة الدولة المرابطية.

ونصحت الوثيقة بالتركيز في شرائح معينة، مثل: الحراطين، والملوّنين، والفئات غير المتعلمة بطريقة المحظرة التقليدية، وجهات ومناطق الولايات الشمالية؛ لسهولة استقبالها المد الشيعي، بحسب موقع (إسلام أولاين).

يؤكد آبكه أن هناك تهويلاً في موريتانيا لموضوع التشيع من الإعلام الإيراني، إضافة إلى قوله (المرتزقة هنا يأخذون المال بأي طريقة).

بيد أن هذا (التهويل) لا يعني انعدام نشاط ملحوظ ومتواصل لمحاولة نشر التشيع في موريتانيا؛ إذ يفيد موقع (أخبار الساحل) الذي يشرف عليه آبكه نفسه بأن المد الشيعي في موريتانيا حقيقي ومتزايد بوتيرة حثيثة، لكنها قد لا تكون بالصورة نفسها التي يقدمها المشيعون؛ أملاً منهم في إقناع مرجعيات قم بجدوى ما يقومون به من جهد في تشييع سكان بلد بالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية، بحكم أنه معبر بين الشمال والغرب الأفريقي، بين الدول المغاربية ودول أفريقيا الغربية.

 

البعثات الموريتانية إلى إيران والمدارس الإيرانية

بحسب كتاب (التشيع في أفريقيا) لا يوجد ما يفيد أن هناك حالات ابتعاث إلى إيران إلا على سبيل الندرة، إذ بدأ ظهور بعض هذه الحالات بعد عام 2001م، ومع البحث والتقصي لم يُعرف إلا طالب واحد فقط ذهب إلى إيران في عام 2010م، وهو ابن إمام مسجد في نواكشوط، وهو ينتمي إلى الطريقة الصوفية التجانية، وأصوله ترجع إلى قبيلة (الفلان)، وليس ثمة ابتعاث رسمي حتى الآن.

غير أن موقع (موريتانيا الآن) يزعم في مقال بعنوان (أبعدوا المحاظر عن إيران) أنه منذ سنوات توجد شبكة تستقطب الطلاب للدراسة في إيران خارج أي إطار رسمي، وكان بعض الطلاب الموريتانيين يُشحنون في السابق إلى حوزة قُم خفية، ويُستقطبون من طريق وسطاء متشيعين أو مأجورين، وكانت الوفود وما زالت تزور طهران وقم ومشهد، من دون علم أو تنسيق مع السفارة الموريتانية هناك، بل إن بعض هذه الوفود يتجنبون أحياناً السفر المباشر من نواكشوط وينطلقون من عاصمة السنغال دكار. ويضيف المقال أن سفارة طهران أسهمت في تمويل أول قناة دينية تحمل اسم (المحظرة).

وأما المدير الناشر لموقع أخبار الساحل الإعلامي محمد المختار آبكه، فهو ينفي لـ(لمثقف الجديد) علمه بوجود أي مدارس شيعية، ويوضح: هناك مدرسة في نواكشوط نشرت إحدى الصحف الإيرانية قبل أيام فقط أنها تتبع إيران وأن السلطات تضايقها، وتوجد هذه المدرسة في حي أم القرى بالعاصم.

أما موقع (أخبار الساحل) فهو يذكر أن مصادره تقول: إن السفارة الإيرانية في نواكشوط وفرت منحاً لخمسة طلاب موريتانيين يدرسون في إيران؛ خصوصاً في تخصصات العلوم السياسية، مضيفاً أن السفارة الإيرانية في موريتانيا تنسق مع كلية الآداب في نواكشوط لافتتاح قسم للغة الفارسية، وقطعت السفارة الإيرانية في نواكشوط شوطاً متقدماً في سبيل افتتاح القسم المذكور، وتضيف المصادر نفسها أن للسفارة علاقة كبيرة بعدد من الأساتذة الجامعيين في نواكشوط، وأنها تستقبل دائماً عشرات الطلبات من جمعيات موريتانية تعمل في المجتمع المدني.

 

الحسينيات في موريتانيا

يقول الإعلامي محمد مختار آبكه لـ(المثقف الجديد): بالنسبة إلى الحسينيات، يوجد هنا في مقاطعة تسمى (دار النعيم) بالعاصمة نواكشوط مسجد يسمى مسجد علي بن أبي طالب، وبحسب بعض النشطاء في  موقع (الفيسبوك) فإن أهل هذا المسجد يلعنون الصحابة رضوان الله عليهم، ويقدسون علي بن أبي طالب، ولهم طقوس دينية شيعية محضة، ولم تتخذ السلطات ضدهم أي إجراء، ومنذ شهرين تقريباً ظهرت مجموعة على أنها شيعية بها شخصيات معروفة دينياً، منهم عبدالرحيم البح وإبراهيم البح، واتخذوا من بعض بيوتهم السكنية منطلقاً لطقوس ليلة عاشوراء، ولكن من دون الضرب والتطبير الذي يمارسه الشيعة، وإنما هو تجمع وأذكار وبكاء.

وعلى رغم هذه المعطيات فإن من الواضح أنه لا يوجد اتفاق على حجم التشيع في موريتانيا، وهل بلغ حد الظاهرة المقلقة أو أنه مجرد تهويل من الإعلام الإيراني وبعض عملائه؟ ومع ذلك فإن من المرجح أن التشيع موجود دون أن يصل إلى المستوى المقلق، وعلى هذا الأمر تنبني التحذيرات التي المنتشرة هنا وهناك.

فعلى سبيل المثال: طالب العلامة أحمد ولد لمرابط ولد حبيب الرحمن إمام الجامع الكبير في نواكشوط، في خطبة الجمعة 24 نوفمبر 2017م  السلطات الموريتانية بسن قانون يحارب نشر المذهب الشيعي داخل موريتانيا، وهذا بحسب موقع (الحرية نت)، مبرزاً أن مراجعة المادة 306 من القانون الجنائي الموريتاني التي أقرتها الحكومة أخيراً جاءت لتشديد العقوبة ضد كل من يسيء لله ورسوله وملائكته وكتبه أو أي أحد من أنبيائه.

 

وقال كبير أئمة موريتانيا: إن كتب الشيعة التي يجمعون على تقديسها والتي بدأت توزع داخل موريتانيا تتضمن تحريفاً لبعض الآيات القرآنية بحيث أضيف إليها ما يفيد بأن النبوة لم تكن حصراً على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يشترك فيها معه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ودعا ولد حبيب الرحمن إلى إضافة هذه الإساءة الموجهة إلى الله وكتابه ورسوله الكريم إلى جملة الجرائم المنصوص عليها في المادة المذكورة من القانون الجنائي الموريتاني؛ وإلى إيجاد قانون رادع جازر لمن ينشرون الفكر الصفوي في البلاد.

 

وحذر ولد حبيب الرحمن من خطر انتشار المذهب الشيعي في موريتانيا على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي؛ مبرزا أن البلد يتكون من شرائح وقوميات عدة يوحدها التمسك بالمذهب المالكي ونهج السنة والجماعة؛ وعليه فإن ظهور نشر الطائفية الدينية يشكل أخطر تهديد لوحدة البلد وتماسكه.

 

التعليقات

4 تعليقات
  1. فارس السلوم says:

    مع الاسف ايران تنشط كثيرا في نشر التشيع في افريقيا وجنوب شرق اسيا بين فقراء مسلمي السنة هناك ..وقد استغلت الحصار العالمي على الدعاة من اهل السنة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ونشطت بشكل مرعب في نشر التشيع بين مسلمي البلدان الفقيرة

  2. عبدالله الفهيد says:

    شعب موريتانا عظيم متمسك بمعتقداته ودينه وتراثه ولا اعتقد ان للتشيع مكان بين اهالي هذا البلد الذي يعتبر تاريخيا ولايزال حاضرة ومنارة للتنوير الفقهي السني

  3. معتز البدري says:

    اعتقد ان التشيع في العالم العربي واحد من اثنتين …يستهدف شخص جاهل ليس لديه هوية عقدية صحيحة…او فقير اعدمته الحاجة والا فمثل هذه الهرطقات لن يقبلها عاقل

  4. فايز هواري says:

    استهداف افريقيا في الفترة الاخيرة له بعد سياسي هدفه محاصرة العرب من على جانب الخليج …بالاضافة الى استهداف مصر و شمال افريقيا و اشغالهم بقضايا أمنية تعزلهم عن الخليج…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *