زلزال كرمانشاه ينشر غسيل إيران

موقع المثقف الجديد - فاضل سعيدي

الزلزال الأخير الذي ضرب كرمانشاه غرب إيران وقضى على المئات وخلّف آلاف المنكوبين، أكد مرة أخرى صحة مقولة (عند الامتحان يكرم المرء أو يهان)، حيث فضح أمام مشاهد العالم هشاشة أكبر مشروع سكني في البلاد، وهو المسمى (مسكن مهر) بمعنى (سكن المحبة)، الذي أنشأته الحكومة الإيرانية بعد ثورة 1979م لإسكان 12 مليون مواطن حسب مستشار المرشد الإيراني، والذي هو بمثابة ذراعه اليمنى، وحيد حقانيان.

كانت هذه الكارثة الطبيعية أول اختبار لهذا المشروع الضخم، الذي تم تخصيص 50 مليار دولار لإنجازه، وحتى الآن لم يكتمل بعد، بحسب نائب وزير الطرق وبناء المدن محسن نريمان في حواره مع وكالة (مهر) الرسمية للأنباء قبل سنة.

الوحدات السكنية في مشروع (مسكن مهر) تصل إلى أكثر من 1.8 مليون شقة -بحسب وكالة الأنباء إيسنا الرسمية- إضافة إلى 478 مدرسة و442 مسجداً، ولا توجد أي مدينة في إيران إلا ولها نصيب من إنشاءات وبنايات هذا المشروع.

الفضيحة الثانية كانت أن الشعب الإيراني وبعض رموزه رفضوا رفضاً باتاً أن يتولى النظام الإيراني توزيع أيّ من معوناتهم للمتضررين من الزلزال، وأصروا على أن يباشروا تقديم المعونات بأنفسهم، ولهذا اضطر كثير من نجوم الرياضة والسينما مثل: علي دائي قائد وهداف منتخب إيران لكرة القدم وأفضل لاعب في آسيا خلال التسعينات، ورخشان بني اعتماد المخرجة السينمائية، والدكتور صادق زيبا كلام، وغيرهم، اضطر هؤلاء إلى إعلان حساباتهم البنكية لجمع تبرعات الشعب وتوزيعها مباشرة على المنكوبين، كما قامت الجمعيات الخيرية الأهلية بجمع وتوزيع تبرعات عينية كملاءات وغذاء ومياه معدنية وخيام بأنفسهم مباشرة.

هذه الظاهرة سماها الخبراء الإيرانيون: عدم الثقة بين الشعب والنظام، واعتبروها أخطر من الفضيحة الأولى، بل أخطر من الزلزال نفسه؛ لأن نجاح السياسات والإجراءات الاقتصادية وقدرة الحكومة على تحقيق أهدافها يتأثر بشكل كبير بمستوى الثقة السياسية بين المواطنين من جهة، والحكومة ومؤسساتها وممثليها من جهة أخرى. وتُسهم الثقة بين المواطن والحكومة في تجاوز العقبات والعثرات التي يمر بها الاقتصاد عموماً، وفي تحقيق التنمية خصوصاً.

وعلى حين يدعي الملالي وإعلامهم الهائل بأنهم هم النظام الوحيد المنبثق عن إرادة الشعب ويحظى بدعمهم واحترامهم ويحتجون بمشاركة المواطنين في الانتخابات، فإن هناك موشرات عديدة ومتتالية تنفي هذا الادعاء، منها هجرة 300 ألف سنوياً من أصحاب الكفاءات والنخب وحاملي شهادة الدكتواره من إيران، حيث تعد من أكبر الدول الطاردة بحسب وكالة (مهر) المشار إليها.

إن علاقة الشعب بالنظام الإيراني، وعدم ثقته فيه التي تم كشفها في الكارثة الأخيرة ليست أمراً جديداً؟ فعلى سبيل المثال: صرح الدكتور محسن صفائي، وهو نائب سابق لوزير الاقتصاد ورئيس اتحاد كرة القدم في زمن حكومة خاتمي، وأحد الشخصيات القريبة من حكومة روحاني عبر حواره مع جريدة (اعتماد) بتاريخ ديسمبر 2015 بأن: (الأزمة العميقة في إيران اليوم ليست اقتصادية بل اجتماعية، لأن الثقة – بحسب التقرير الأخير لمركز الدراسات الإستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية – انخفضت نسبة بين أراد المجتمع إلى 10 في المئة، وإن من ملامح تأخر التنمية السياسية في إيران أزمة غياب مشاركة الشعب في إدارة الدولة).

وفيما يأتي من هذه المقالة نشير إلى بعض ما تم الإدلاء به من تصريحات حول هذه الأزمة الاجتماعية في الآونة الأخيرة – بعد الزلزال – من شخصيات موثوقة لدى النظام، وفي صحف معترف بها عنده.

الدكتور على أصغر سعيدي أستاذ في علم الاجتماع في (جامعة طهران) التي تعد الأفضل والأكبر من نوعها في إيران، كتب في صحيفة (إيران) الرسمية التابعة لحكومة روحاني عن (ضعف أداء السلطات في مساعدة مصابين الزلزالين في مدينتي (بم) و(روبار) في التسعينات ومطلع الألفية الثانية، حيث مات إثرهما أكثر من مائة ألف شخص، وذلك ترك أثراً سلبياً في أذهان الشعب، وجعلهم يقومون عند الزلزال الأخير بإسعاف المصابين في الزلزال الأخير بشكل فردي أو غير رسمي).

أما عالم الاجتماع الآخر أحمد صالح صفار، فقد كتب مقالاً بعنوان (الزلزال الأخير كان إنذاراً بعدم الثقة في الموسسات الرسمية)، وقال فيه:

(إن الحادثة الحزينة في كرمانشاه قبل أن تكون هزة طبيعية فيزيائية، كانت زلزالا اجتماعياً في مكان بحجم إيران).

من منظور علم الاجتماع: عندما تنخفض الثقة العامة للمواطنين في شخصيات الدولة ومؤسساتها يجب أن نتوقع زلزالا اجتماعيا، هذا ما عبر عنه رضا بابائي، وهو كاتب وأستاذ للحوزات الدينية في محافظة كرمانشاة، إذ قال: (إني رأيت بعيني مجموعات كبيرة من الناس جاءوا إلى هنا ومعهم حجم هائل من التبرعات،  لكنهم كانوا يرفضون أن يقدموها إلى الموسسات الرسمية، لا إلى جمعية هلال أحمر ولا غيرها بل راحوا يوزعونها بأنفسهم).

كذلك، قال دكتور القانون وأستاذ كلية الحقوق في (جامعة طهران) نعمت أحمدي، في حواره مع موقع (عصر إيران): (لقد شاهدنا تكاتف الشعب لدعم أهاليهم المصابين وعدم ثقتهم في مؤسسات الدولة في آن واحد، وهذا يجعلنا ندرك ضرورة تدشين مركز لمساعدة المنكوبين من الزلزال لابد من تأسيس مركز آخر من أجل دراسة أزمة عدم ثقة الناس في المسؤولين).

وأما الدكتور إبراهيم أحمديان الذي يعيش في مدينة قم ولكن ولد في كرمانشاه، فإنه ترك بيته وقضى أسبوعاً كاملاً في مساعدة المصابين، وأشار إلى جانب آخر من عدم الثقة، وصرح بأنه (قضى حوالي 3 آلاف شخص في الزلزال، في حين أن الحكومة أعلنت أن عددهم 434 شخصاً فقط)!

كما قال نائب مدينة رشت، عاصمة محافظة جيلان في البرلمان غلامعلي جعفرزادة، الذي شارك في الحرب مع العراق في صفوف الحرس الثوري وأصيب خلالها، ما نصه: (بعد 39 سنة من الثورة وصلنا إلى حد أنه لا يثق أحد في النظام والشعب بادروا بأنفسهم لمساعدة المصابين). كما وجه الناشط اليساري أمير معماريان تساؤلا لـموالي روحاني المشهورين بالإصلاحيين: (لماذا تثقون في الحكومة التي انتخبتموها ولا تعلنون أرقام حسابات مؤسساتها لجلب التبرعات)؟

كما جعلت الأزمة الدكتور محمد دادكان الذي كان لاعب منتخب كرة القدم ورئيس اتحادها في السابق وأستاذ التربية الرياضة في (جامعة طهران) يقول: (إن لنا بترولا وغازا وذهبا وكل شيء، لكن الشعب لهم مشاكل ولا نستطيع أن نرفع معاناتهم. أنتم عاجزون عن إدارة الاقتصاد ومشروع (مسكن مهر) هو دليل على هذا، وقد فشلتم في بناء الثقافة، بدليل أن 65% من الزيجات تنتهي إلى الطلاق بحسب إعلانكم الرسمي، وأقسم بالله بأنكم لم تنجزوا شيئا  بل أصبحنا متخلفين).

وأيضاً: نشرت صحيفة (بهار) القريبة من الدكتور محمد رضا عارف النائب الأول لمحمد خاتمي في زمن حكومته والذي حصل على أكثر أصوات في انتخابات مجلس الشورى الماضية تقريراً طويلاً تحت عنوان (أخطر من زلزال)، جاء فيه: (شاهدنا في الزلزال الأخير عدم الثقة في النظام، وترجع هذه الأزمة إلى تسييس مؤسسات ومراكز ممنوع دستوريا ولوجها في السياسة والشؤون السياسية ومنافساتها)، وهو يقصد الحرس الثوري وغير ذلك من المؤسسات التابعة للولي الفقيه.

وفي تحليل هذه الأزمة قال الدكتور صادق زيبا كلام أستاذ العلوم السياسية في (جامعة طهران) وصاحب العديد من الكتب، وهو الذي أعلن رقم حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، وحصد 500 ألف دولار من تبرعات محبيه في حواره مع صحيفة (إيران):

(إن الفساد الاقتصادي سلب ثقة الشعب في الحكومة ويجب أن نقبل هذه الحقيقة وألا نمسح صورة المسألة).

وأخيراً: اعترف المحلل المشهور عباس عبدي رغم أنه يتبنى دائما سياسة النظام في سوريا واليمن وضد السعودية، في مجلة (صدا) الأسبوعية بأنه (إضافة إلى بالغ الأسى على موت مواطنينا يجب أن نخجل من المصابين؛ لأن ما حدث لم يكن انهياراً للتراب والطين والأحجار، بل كان سقوطا لجهلنا وعدم كفاءتنا على رأس سياستنا وإدارتنا وحتى الحضارة الإيرانية).

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. محمد عبد الرحمن says:

    ايران دولة فاسدة والفساد موجود في كل دول العالم الثالث ولايجب ان ننسى ان درجة قوة الزلزال الذي حدث والذي تجاوز درجة السبعة بمقياس ريختر كفيل بان يدمر ان منطقة قد يحدث فيها ..وكفانا الله شر الزلال والمحن ماظهر منها وما بطن

  2. علي الس says:

    رغم الادعاءات الايرانية بعد مايسمى بثورة الخميني بأنها قامت لمحاربة فساد الانظمة السابقة الا ان المشاهد ان البلاد هي افسد بكثير اليوم وهي في ظل حكم الولي الفقية من زمن الشاه

  3. علي السليمان says:

    رغم الادعاءات الايرانية بعد مايسمى بثورة الخميني بأنها قامت لمحاربة فساد الانظمة السابقة الا ان المشاهد ان البلاد هي افسد بكثير اليوم وهي في ظل حكم الولي الفقية من زمن الشاه

  4. فايز علي says:

    إيران تلتهمها دوامة فساد عميقة لا تختلف عن العالم الثالث لكنها تحاول اخفاء ذلك من خلال تصدير ازماتها الى الخارج

  5. نزار says:

    للاسف نسبة الفقر في ايران عالية جدا لان منظومة خامنئي تسرق اموال الدولة و الفقراء بحجة الخمس و ترسلها للحوثي و المليشيات التي تقاتل لصالح هرطقاتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *