البطاقة الشخصية للموظّف عزمي بشارة

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

(كلما كبرت الكذبة كان تصديقها أسهل)، تلك الحكمة كانت مقولة لوزير الإعلام الهتلري باول جوزيف غوبلز.

لكن تلك الكذبة اليوم التي تمثلت في ظاهرة الحراك القومي العربي كذبها الصراع العربي مع إيران، بعد تصدر عدد لا بأس به من النخب الفكرية القومية للدفاع عن مشاريع إيران في المنطقة وترديد دعوات للتصالح مع معها، وأبرز هذه النخب هو عزمي بشارة.

في كتاب (أن تكون عربياً في إسرائيل) للفرنسية لورينس لوير، الذي ترجمه إلى العربية الأستاذ عبد العزيز الحميد، جرى الحديث بشيء من التفصيل حول التنقلات الفكرية الأيديولوجية لعزمي بشارة الذي أصبح في العقد الأخير من منظري التحرر العربي.

فعلى سبيل المثال: بعد انطلاق الحركة الإسلامية برأسيها الشيخ الراحل عبد الله نمر درويش والشيخ رائد صلاح ومحاولتهما ربط النضال الفلسطيني داخل الخط الأخضر بهويته الإسلامية الفلسطينية ورفض الانصهار ضمن المشروع الإسرائيلي والحفاظ على هوية الفلسطينيين الإسلامية داخل المجتمع الإسرائيلي، خرج مشروع عزمي بشارة تحت عنوان (إسرائيل دولة لجميع مواطنيها)!

لكن قبل الدخول في تفاصيل مشروع (إسرائيل لجميع مواطنيها) وبقية الأطروحات المتناقضة التي تبنها بشارة يجب الإشارة إلى أنه من مواليد مدينة الناصرة عام 1956م ولد لعائلة مسيحية، وبدأ نشاطه السياسي مع حزب (راكاح) الشيوعي الإسرائيلي، ويضم الحزب مجموعة من اليساريين الذين كانوا ينادون بحل الدولتين.

نشاط بشارة في حزب (راكاح) جعله يتولى مناصب قيادية في حركة (بانكي) وهي حركة الشبيبة الشيوعية، وأنهى دراسته الجامعية في الجامعة العبرية في القدس، ثم ذهب إلى ألمانيا الشرقية حيث نال درجة الدكتوراه في الفلسفة، وعقب عودته بدأ بالانضمام إلى (ميثاق مساواة)، وهو مركز فكري كان هدفه التواصل مع النخب الفلسطينية في الداخل المحتل لصياغة رؤية سياسية ترسخ التبعية العربية للمشروع الإسرائيلي مقابل قبول تمثيل تلك النخب في الكنيست الإسرائيلي.

قدم بشارة وزميله سعيد زيداني رؤية مشتركة لحل الصراع القومي بين الإسرائيليين والفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وتلك الرؤية عبارة عن خطة للحصول على حكم ذاتي لعرب إسرائيل، وقد رفضت النخب العربية طرح عزمي بشارة وزيداني باعتبار أنه يريد تعريض التوازن بين اليهود والعرب للخطر في إطار الصراع الديمغرافي بين الطرفين.

فيما بعد حول بشارة تلك الوثيقة إلى هوية سياسية يقدم من خلالها أجندة سياسية تمثلت في الاجندة التي حملها التجمع العربي الديمقراطي، وكان هذا المسعى من بشارة وأقرانه لغاية التصدي لتيار موازي كان يظهر بقوة في تلك الفترة ويسعى للحفاظ على الهوية الفلسطينية الإسلامية للعرب داخل إسرائيل، وهذا التيار كان ممثلاً في الحركة الإسلامية برأسيها، الشيخ عبدالله نمر درويش، الذي كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعده ممثلاً للجناح المعتدل في الحركة الإسلامية، لأنه تقبل فكرة الاندماج مع الطبقة السياسية الاسرائيلية وشارك في الانتخابات البرلمانية وتقبل الواقع السياسي الموجود، في حين كان الشيخ رائد صلاح – الذي يتزعم الجناح الشمال للحركة الإسلامية – رافضاً لفكرة الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي، وينادي بتجاوب العرب في داخل الخط الأخضر مع حركة التحرر الوطني الفلسطيني وفق أسس أيديولوجية إسلامية.

أما عزمي بشارة فكان ينشط في سياق المنافسة على تمثيل العرب عند المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، ويحاول تغييب تأثير قوة الحركة الإسلامية بشقيها، فبالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التقدمية الشيوعية التي تربى عليها بشارة في الحزب الشيوعي الإسرائيلي يمكن ان تكون أكثر تصالحاً مع الدولة العبرية من المحافظين المسلمين الذين ينادون بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها.

كان عزمي بشارة يريد سحق الهوية الوطنية الفلسطينية لمصلحة مشروع (فرّق تسد)، الذي سعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى تطبيقه منذ احتلال فلسطين، من خلال تقسيم عرب الداخل إلى أقليات وتيارات ومذاهب متناقضة لا يمكن اجتماع كلمتها. وكان يريد صهر المجتمع العربي ضمن الأقليات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي المتعدد الثقافات والأعراق، تحت شعار (دولة لجميع مواطنيها)، وكان الهدف ألاّ تكون إسرائيل دولة على أساس المواطنة المجردة، بل أن تكون (مجتمع مواطنين) بغض النظر عن الانتماءات العرقية، وتكون (المواطنة) وليس (الجنسية) هي المعيار للانتماء للدولة.

كما نادى عزمي بشارة بمشروع سلام مبني على أساس إقامة دولة ثنائية القومية، تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين تحت مظلة واحدة، وهذا الأمر يتم وفق رؤيته السابقة التي تنهي خصوصية الهوية العربية لمصلحة مجتمع إسرائيلي يكون أساسه (المواطنة)، وكانت تلك استراتيجيته للوصول إلى السلطة في إسرائيل، بحسب الباحثة الفرنسية لوير.

كان تجمع عزمي بشارة يعتبر نفسه صاحب التوجه الأنقى الذي لا تشوبه مفاهيم (الأنظمة الأيديولوجية)، ورغم جهوده الكبيرة لمحاولة السيطرة والتأثير على الرأي العام الفلسطيني في الداخل، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً، حتى إنه أثار شبهات حول نشأة حزب التجمع الديمقراطي وعلاقته بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

لقد شارك بشارة في عام 2000 في جنازة الرئيس السوري حافظ الأسد، وخلال زيارته إلى سورية أشاد بحزب الله، وطالب العرب بدعمه، وتغنى بالقومية العربية حتى استطاع أن يحجز له مقعداً للتنظير على فضائية الجزيرة القطرية، والمدهش في الأمر أن عزمي بشارة الذي كان ينظّر للقومية العربية أصبح من النخب الحليفة لإيران ومليشياتها في الإعلام العربي من جهة، ومن جهة أخرى نجده ينظر لمصلحة الجماعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري ومليشيات إيران في سورية، كما لم يتوقف عن التنظير لتأجيج الثورات في جميع البلدان العربية، وكل ذلك يشير إلى أن عزمي بشارة يحمل بطاقة شخصية تعرفه بأنه (موظف بدرجة مثقف).

التعليقات

3 تعليقات
  1. تركي الفويس says:

    من المعيب والمخجل وقبل ذلك مرفوض دينيا واخلاقيا ان يتعامل صاحب الارض مع من احتل ارضه واذل شعبه ومن هذا المنطلق لايجب الوثوق بالصهاينة ومع كثير ممن يتعاملون معهم لانهم لا أمان لهم ومن طبعهم الغدر والخيانة .

  2. ساري العامري says:

    عزمي بشارة الآن جندي في سلاح قطر الاعلامي و يضع سياساتها الخارجية …يعرف جيدا كيف يقلب مصالحه لكن الاهم انه دائما يقف مع الجانب الخاطئ..

  3. مصعب النوري says:

    لدينا الكثير ممن هم على شاكلته في العالم العربي للاسف لا يوجد انتماء ..لذلك تجده مرة اسرائيلي ومرة قطري ومرة ايراني …فهؤلاء القوميين العرب منهم ترى العجب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *