من يحاسب الجنرال ميشال عون؟!

موقع المثقف الجديد - ثائر الزعزوع

ربما يكون الرئيس اللبناني ميشيل عون واحداً من أكثر الشخصيات السياسية اللبنانية استفادة من كل ما يحدث حوله، فهو يبذل مساعيه كي يكون قريباً من الجميع، وكي تمر سنوات رئاسته التي تولاها بعد طول انتظار هادئة دون منغصات، دون أن يكترث بما قد يجلبه ذلك الهدوء الشكلي من ويلات على البلد الذي لا يكاد يخرج من أزمة حتى يقع في أزمة لاحقة.

ويمكن بالمقابل وصف الجنرال عون بأنه شخصية إشكالية أثارت في وقت من الأوقات الكثير من التساؤلات بسبب عناده من جهة، وقدرته على التجاوب مع التغيرات المحيطة من جهة أخرى، فهو الرجل الذي قاوم الدخول الإسرائيلي إلى لبنان، ومع ذلك فثمة من يتهمه بأنه هو تحديداً من سهل سقوط بيروت بيد قوات الاحتلال الإسرائيلي، هو أيضاً قاوم التدخل السوري، واعتُبر عدواً مباشراً للنظام السوري منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنه هو نفسه الرجل الذي يبدو الآن الأكثر قرباً إلى نظام دمشق، إلا أن المفارقة الأشد غرابة في شخصيته هي تلك العلاقة التي لا يمكن فهمها، والتي تجمعه بحزب الله، أشد خصوم الأمس، وألد أعداء ثورة الأرز اللبنانية عام 2005م، التي كان عون أحد رموزها البارزين!

 

العسكري الأخير

ولد ميشيل عون عام 1933م في (حارة حريك) في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، المكان الذي سوف يصبح لاحقاً معقل حزب الله اللبناني. وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة “الأخوة” عام 1955م، وانضم إلى الأكاديمية العسكرية كضابط متمرن، وتخرج فيها بعد ثلاث سنوات كضابط مدفعية في الجيش اللبناني.

كرس عون حياته المهنية للسلك العسكري؛ فتم إيفاده ضمن بعثات خارجية، خاصة إلى فرنسا والولايات المتحدة، لاستكمال تدريبه. ومع اشتداد وتيرة الحرب الأهلية اللبنانية، عُيِّن ميشال عون عام 1983م قائدا للواء الثامن في الجيش اللبناني. وقام مع مجموعته بصد هجوم ميليشيا كان يتزعمها وقتذاك النائب وليد جنبلاط وميليشيات أخرى موالية للنظام السوري في منطقة سوق الغرب المطلة على كامل بيروت الجنوبية.

هذا الإنجاز العسكري دفع بعون ليصبح قائداً للجيش اللبناني وهو في سن الـ49؛ ليكون بذلك أصغر ضابط يتولى هذا المنصب في تاريخ الجمهورية اللبنانية. ودفعته ظروف الحرب الصعبة المرافقة لتوليه هذا المنصب إلى تعزيز ما تبقى من مواقع للجيش اللبناني في المناطق المحايدة. كل ذلك، في بلد يعيش تحت رحمة الميليشيات وتحت احتلال جيشين أجنبيين (إسرائيل الصهيونية وسوريا البعثية).

في 22 أيلول/سبتمبر عام 1988م تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل؛ وخشية حدوث فراغ رئاسي قام الجميل بحل حكومة سليم الحص، وعيَّن حكومة عسكرية برئاسة ميشال عون من ستة وزراء، ثلاثة منهم مسيحيون وثلاثة مسلمون. لكن سليم الحص، الذي كان وقتها محسوباً على سوريا، اعتبر تلك هذه القرارات غير شرعية، وواصل عمله رئيساً للحكومة ومِن ثَمّ أصبح للبنان حكومتان، واحدة مدنية مكونة من غالبية مسلمة في غرب بيروت، والأخرى مكونة من غالبية مسيحية في شرق بيروت.

عَدّ عون ومن خلفه مؤيدوه أنفسهم ممثلين للشرعية اللبنانية وتعهدوا بإنقاذ لبنان وإخراج القوات السورية منه. كما أنه رفض انتخاب رئيس للجمهورية معتبراً أن بلاده محتلة من قوات أجنبية. وقد أكسبته هذه المواقف الرافضة للوجود السوري في لبنان شعبية كبيرة في صفوف المسيحيين، وحتى في مناطق سيطرة القوات السورية.

خاض الجنرال عون من مقره في قصر بعبدا، معركتين يمكن تصنيفهما بمثابة الانتحار من وجهة النظر العسكرية. الأولى عام 1989م وقد سُميت (حرب التحرير) ضد القوات السورية المتواجدة على الأراضي اللبنانية.  استمرت تلك الحرب 6 أشهر وانتهت عندما قامت القوات السورية في 14 آذار/مارس 1989م بالهجوم على قصر بعبدا ووزارة الدفاع، وقد تمكنت القوات المهاجمة من إضعاف قوة الجنرال عون التي كان قوامها ما تبقى من الجيش اللبناني، إضافة إلى دعم ميليشيا القوات اللبنانية، التي كان يرأسها سمير جعجع، وحزب الوطنيين الأحرار، الذي كان يرأسه داني شمعون. وكان الجنرال عون يعوّل كثيراً على الدعم العسكري الذي كان يتلقاه من الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.

 

الحرب الثانية بدأت عام 1990م، وسميت (حرب الإلغاء)، ووقعت بين المسيحيين، حيث اصطدم الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون بميليشيا القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، بعد أن قرر عون نزع سلاح الميليشيات داخل ما كان يسميها (المناطق المحررة) ويقصد بها المناطق التي لم تعد خاضعة لسيطرة القوات السورية، وقد أدى هذا الاقتتال إلى نزوح جماعي كثيف للمسيحيين اللبنانيين.

وفيما كانت العملية السياسية تدار في الخارج ويجري ترتيب البيت اللبناني عبر اتفاق الطائف، كان عون مختبئاً في ملجأ قصر بعبدا، وقد أصر على رفض الاتفاق الذي وقع في مدينة الطائف السعودية عام 1989م، الذي يعد بمثابة اتفاق سلام بين الأطراف المتحاربة في لبنان، وقد وضع الاتفاق فصل الختام للحرب الأهلية اللبنانية.

واتهم عون وقتها كل من وافق على اتفاق الطائف بالخيانة والخضوع للإملاءات السورية، مع أنه هو الاتفاق نفسه الذي سوف يوصل عون إلى سدة الرئاسة اللبنانية فيما بعد.

وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990م شن الجيش السوري البعثي هجوماً عنيفاً على قصر بعبدا الرئاسي. واضطر الجنرال عون إلى التفاوض على شروط الاستسلام بعد أن بات محاصراً ووحيداً في مواجهة القوات السورية، ليلجأ بعدها إلى السفارة الفرنسية في لبنان. حيث مكث 11 شهراً، قبل أن يتوجه إلى المنفى في فرنسا، وهناك بقي مدة 15 سنة.

 

التيار الوطني الحر

خلال مدة وجود الجنرال عون في منفاه الفرنسي ظل على تواصل مع القوى المسيحية الموالية له، وقام بتأسيس (التيار الوطني الحر)، الذي وضع أول أهدافه تخليص لبنان من الوصاية السورية المفروضة عليه، وقد حاول النظام السوري جاهداً تشويه سمعته وتضييق حركة أتباعه، لكنه لم ينجح على الإطلاق. ففي عام 2003م كان الجنرال يقف أمام الكونغرس الأميركي شاهداً على قيام النظام السوري بدعم الإرهاب، وقد كان عون أحد أسباب قيام الكونغرس الأميركي بإقرار قانون محاسبة سوريا، وفُرضت عقوبات طاولت عدداً من رموز النظام السوري. ثم كان له دور كبير في تبني مجلس الأمن الدولي في عام 2004م القرار 1559 الذي يقضي بانسحاب القوات السورية من لبنان، وقد تحقق للبنانيين ما أرادوه عام 2005م بفعل المظاهرات الضخمة التي شهدتها العاصمة اللبنانية بيروت بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

ونتيجة للضغوط الشعبية الكبيرة أصدر القضاء اللبناني عفواً عن الجنرال المنفي عون ليعود في أيار/مايو 2005م؛ فاستقبلته الجماهير استقبال الأبطال، وبدا أنه سيكون اللاعب الأوفر حظاً على الساحة اللبنانية.

في شباط/فبراير عام 2006م بدأ الجنرال عون رحلة التقلب في المواقف السياسية، فوقّع (ورقة تفاهم) مع أعداء الأمس (حزب الله)، الحليف القوي لدمشق. وبدا أنه يمهّد الطريق للتقارب مع دمشق، وقد أدت ورق التفاهم تلك إلى حدوث صدمة كبيرة في الأوساط السياسية اللبنانية، والمسيحية منها على وجه الخصوص؛ فبعد أن كان عون من أول المطالبين بسحب سلاح (حزب الله)، بات الآن على جانب واحد مع الحزب الذي كان ينظر إليه على أنه سبب من أسباب فشل الدولة اللبنانية، وهو الحزب المتهم بالضلوع في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وعدد كبير من عمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية لبنانية.

 

التوبة.. من طهران إلى دمشق

لم يتأخر الجنرال عون كثيراً في توطيد علاقته بأعداء الأمس؛ فزار العاصمة الإيرانية طهران والتقى الرئيس الإيراني حينها محمود أحمدي نجاد. كما زار دمشق والتقى الرئيس السوري بشار الأسد، وكان يعلم في قرارة نفسه أن وصوله إلى سدة الرئاسة لا يمكن أن يتحقق إلى بموافقة مباشرة ودعم كامل من هذه الأطراف. ولكن، في ظل غياب اتفاق سياسي على اسم عون، جرى انتخاب قائد الجيش اللبناني الجنرال ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، بعد اتفاق حضرته الأطراف اللبنانية كافة في العاصمة القطرية الدوحة عام 2008م.

ومع وصول ولاية الجنرال سليمان إلى نهايتها عام 2014م، وبينما كان النظام السوري منشغلاً بقمع الثورة الشعبية التي قامت ضده عام 2011م، وبانخراط حزب الله في القتال إلى جانب النظام، عاد اسم الجنرال عون ليطرح من جديد رئيساً للجمهورية، لكن حلفاء الأمس الذين باتوا ينظرون إليه بوصفه أقرب إلى (حزب الله) ونظام دمشق   رفضوا انتخابه رئيساً.  وكيلا يتم انتخاب غيره عمد عون وحلفاؤه الجدد في (حزب الله) إلى عرقلة جلسات البرلمان اللبناني، وهذه العرقلة استمرت جلسة بعد أخرى، ورفض خلالها نواب عون وحلفاؤه الحضور والتصويت، وهذا أدى إلى تفاقم المأزق.

ولكيلا يستمر الفراغ الرئاسي الذي امتد قرابة عامين ونصف اضطر سمير جعجع زعيم القوات اللبنانية، وهو أحد الزعماء المسيحيين المرشحين أيضاً لرئاسة الجمهورية، إلى دعم ترشيح خصمه القديم ميشال عون إلى الرئاسة.

 

الجنرال الرئيس

بعد سنوات من الانتظار، وفي الحادية والثمانين من عمره، وصل ميشال عون أخيراً إلى قصر بعبدا رئيساً منتخباً، وحصل على 83 صوتاً من أصوات النواب اللبنانيين، وفي الحادي والثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2016م تحقق حلم الجنرال عون، بعد أن غير مواقفه وأقواله عشرات المرات ليحقق هذا الحلم! فمن ذا الذي يستطيع أن يحاسب الجنرال عون؟!

التعليقات

4 تعليقات
  1. ماهر سرايا says:

    للاسف موقف المسيحيين في لبنان و الشيعة واضحة ضد السنة وهذا جعلهم يتقاسمون السلطة فيما بينهم ….لذلك لن يحاسب عون وامثاله احد

  2. عبدالله says:

    عون شارك بقتل الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا ثم قاتل اهل السنة في لبنان و اليوم يقف لجانب النظام السوري وفي كلا الحالات فهو يلعب لمصلحة الموارنة بعكس جماعة الحريري الذين لا يعرفون سوى مصالحهم الشخصية

  3. خالد الشمراني says:

    ميشيل عون بتحالفه مع حزب الله ربط لبنان بشكل مباشر بمنظومة ايران فبعد ات كان حزب الله ذراع ايران في المنطقة بات لبنان المتمثل بميشيل عون وتياره وحكومة حزب الله تابع لايران بل ومشارك في تنفيذ مخططاتها في المنطقة

  4. محمد السيد says:

    القادم من الايام ستثبت لميشيل عون خطا ما يفلعه وسيكتشف بعد ان حين انه كان مجرد كوبري استخدم لعبور ايران للسيطرة على كامل مفاصل الدولة اللبنانية ولتمكين حزب الله من بسط المزيد من الفنوذ على لبنان حكومة وشعبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *