كيف خدع الخميني مثقفي الغرب؟!

موقع المثقف الجديد

يفترض في مثقفي الغرب أن يكونوا ذوي وعي واستشراف للمستقبل، لكن التاريخ الموثق كشف أن المثقفين اليساريين في فرنسا وأمريكا وقعوا في واحد من أشهر مزالقهم تجاه الخميني وثورته التي كرّست ولاية الفقيه والمذهب الاثني عشري، ومهّدت لعصر جديد من الخرافة والتطرف والإرهاب.

الوثائق التي لا تكذب تؤكد أن الخميني – عندما كان في فرنسا، قُبيل اندلاع الثورة الخمينية وسقوط عرش الشاه- لم يكن معبوداً لجماهير العوام الشيعيين فحسب؛ بل كان معبوداً لأساطين وعتاة المثقفين اليساريين في الغرب، وهذا ما يؤكد الباحث الإيراني الدكتور هوشنك نهاوندي في كتاب (الخميني في فرنسا) الذي ألفه توثيقاً لتلك المدة التي قضاها الخميني في الغرب، في فصل منه بعنوان: (معبود اليساريين والسّذّج).

ويروي نهاوندي هذه القصة قائلاً:

(بعد ظهور آية الله الموسوي الخميني على المسرح ووضعه على طريق الوصول إلى السلطة، وحتى قبل أن يصل على مرتبة “الإمامة” في فرنسا، وقبل أن يُستخدم هذا اللقب المصطنع تقريباً في كل مكان، ويكتسب بُعداً رسميا في إيران، انضم كثير من “مفكري” الغرب، بخاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، إلى قافلة مادحي الخميني بلا قيود، خصوصاً اليساريين الفرنسيين الذين صنعوا منه صنماً).

ويضيف:

(وفي فرنسا شُكل عدد من “لجان الدعم” لآية الله، تولى رئاستها جان بول سارتر والسيدة سيمون دي بوفوار وميشيل فوكو).

ويتابع:

(أجرى ميشيل فوكو زيارتين لإيران لإظهار دعمه للخميني وللحركة الإسلامية المتطرفة، الأولى في سمبتمبر 1978، والثانية في نوفمبر من نفس العام، عندها كان الخميني قد استقرّ في نوفل لوشاتو، كما ذهب للقاء الخميني وكتب مقالات في مدحه، نشرها في الصحف الأوروبية المهمة، وكان يتصرف بطريقة توحي بأنه من المتخصصين في الإسلام، بخاصة التشيع)!

ويواصل نهاوندي:

كان لفوكو تأثير كبير بين مفكري فرنسا اليساريين، كان عنوان المقال الذي نشره في أسبوعية “لونوفل أوبسرفاتور” الباريسية معبرا: “إيران: كيف يمكن إضفاء صبغة دينية على حركة سياسية؟” ولاقت دراسته حول التشيع آنذاك تأييد جميع أعضاء هيئة تحرير هذه الأسبوعية اليسارية الرصينة التي كان لها نفوذ وتأثير واضح على مفكري هذا التيار، وما زالت تحتفظ به تقريباً.

في هذه الأسبوعية جرى الحديث عن “العاصفة الأسطورية التي هزت إيران” وعن حرب داوود مع جالوت”، وعن “الدرويش صاحب الوجنتين الذابلتين والعينين الحزينتين، الرجل المقدس، وفي الوقت نفسه القوي، ولكن المعرّض للخطر”، وعن “السلطان الظالم في مقابل الرجل الأعزل”. وفي ردها على الذين أبدوا تعجبهم من تأييد أسبوعية للإسلام المتطرف كتبت: “الخميني رجعي؟! إذاً كيف يمكن تبرير تأييد جميع مفكّري وجموع الشعب له؟”

وأخذ ميشيل فوكو – والكلام لا يزال لنهاوندي – الذي لم يعُدْ لِحماسه حدود، يعرّف بالمذهب الشيعي:

“مذهب لا يحتوي على أي تسلسل في الرُّتَب، مذهب يؤيد الشعب”.

ولم يكن لإعجاب فوكو بالخميني وفهمه للإسلام والتشيع حدود، بخاصة أنه لم يقرأ كلمة واحدة من “مؤلفات” الخميني، ولم يكن يعلم شيئاً عن معتقداته، وعندما ظهرت مجازر “الحكومة الإسلامية” والتعذيب، وسلب الحريات، وتقييد حدود المرأة للعلن وتأكدت للجميع، وتجرأ على انتقاده مفكرون بارزون مثل مكسيم ردونسون، الذي كان هو أيضاً يسارياً، عندئذ كتب ميشيل فوكو:

“ما المبدأ العالمي الذي يمكننا بالاستناد إليه أن نسمح لأنفسنا بمنع المسلمين من إظهار وإبراز معتقداتهم ولا نسمح لهم بالبحث عن نجاتهم ومستقبلهم في الإسلام؟!”

لكن ماذا عن رفيقة درب جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار؟

يوضح نهاوندي أن دي بوفوار من أجل إظهار دعمها الثورة الخمينية زارت إيران، وأما رفيق دربها سارتر فاكتفى بنشر مقالة مثيرة في صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية.

وبعدما تولى الخميني السلطة، وتغوّل في تصفية خصومه، ومارس نظام القمع والقبضة الحديدية في إيران، عندئذ فقط أبدت السيدة دي بوفوار تأسفها، وأما رفيقها سارتر فاختار السكوت، في حين اكتفى ميشيل فوكو بترداد الكلام الذي كان يقوله سابقاً.

ولقد أظهر كثير من المفكرين اليساريين البارزين، تبعاً لرموز اليسار “العظام” دعمهم الأعمى لما سمي “الثورة الإسلامية”، ولآية الله، أو “الإمام” شخصياً، وهذا الأمر جرى في زمن كان يقال فيه في فرنسا: “أن نتّبع سارتر على باطل، خير من أن نتبع آرون على حق”، والمقصود بآرون هنا – كما توضح حاشية نهاوندي أيضاً – هو عالم الاجتماع الفيلسوف الفرنسي، وأحد منظري الحزب الشيوعي الكبار.

ليس هذا فحسب، بل ينقل إلينا الكِتاب أن أندريه فونتين، مدير صحيفة “لوموند” الباريسية الذين كان دائم الانتقاد للنظام الملكي في إيران، كان لمدة طويلة يدعم آية الله الخميني والثورة الإسلامية بحماس شديد، وكتب افتتاحية لهذه الصحيفة أثارت ضجّة، وكان عنوانها: “عودة المظهر الإلهي”! وقارن فيها بين آية الله الخميني والبابا جون بول الثاني، وكتب أن نهضة الخميني دليل على حاجة الإنسان الأساسية إلى البحث عن أصله وهُويّته، وأبدى أمله في أن يجتمع ممثّلو الأديان العالم العظمى، وأن يبدؤوا التفكير في حل لمستقبل البشرية الذي عجز السياسيون عن إنقاذه، وقد تُرجم هذا المقال إلى الفارسية، ولقي أصداء واسعة بين المفكرين.

وبعد سقوط الشاه نشرت صحيفة “لوموند” الباريسية سيرة جديدة ملفقة للخميني، مبنية على معلومات كاذبة جديدة! وأضيفت معلومات جديدة مختلقة إلى سيرته، منها أن جدّه الذي هو في الحقيقة من عوامّ الهنود، وهو شخص أمّيّ، فزعمت “لوموند” أنه قد لُقِّب بـ”الإمام”، وأن والد الخميني لُقّب بـ”آية الله”.

يقول نهاوندي:

(بالتزامن مع الضجة التي أثارتها الصحافة آنذاك وحالة الهيمنة التي كانت تسيطر على الجو السياسي والمحيط الفكري في فرنسا، لم يجرؤ ولم يسمح أحد لنفسيه أن يسأل عن وثائق ومصادر هذه المعلومات، ولو كان مثل هذا السؤال قد طُرح لما لقي جواباً، وعلى أي حال لم يكن أحد ليهتمّ بالإجابة عن هذا السؤال؛ كان الإعجاب بالخميني والثورة الإسلامية إجبارياً على اليساريين والسذّج).

ويذكر الكتاب أن الصحيفة الفرنسية بعد خمس سنوات بدأت تصحح موقفها تدريجياً، لكنها لم تُبد أسفها إطلاقاً ولم تعترف بأخطائها التي ارتكبتها في الماضي في شأن تلك القضايا.

وعلى الجانب السياسي أعلن الحزب الفرنسي الاشتراكي بزعامة فرانسوا ميتيران في قرار له دعمه لما وصفه بالنهضة التي كانت تحدث في إيران، وأقام تجمعاً لدعم “الثورة “الإسلامية” وفي الثاني عشر من فبراير عام 1979 أبدى المكتب التنفيذي للحزب الفرنسي الاشتراكي سعادته بانتصار “الثورة الإسلامية”، وصفت بأنها “النهضة الشعبية غير المسبوقة في تاريخ العالم المعاصر”.

يعلق نهاوندي على هذا بقوله:

(على ما يبدو أن فرانسوا ميتيران نفسه لم يكن يؤمن بهذه الأوهام، لكنه كان مجبراً على تحمّل الأفكار المهيمنة على الفضاء السياسي آنذاك).

 

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. فهد محمد الشارخ says:

    لم يخدعهم وإنما أحبوه لعلمهم بانه أفضل من يشوه صورة الاسلام الصحيح لكرههم للإسلام.

  2. فواز سعد says:

    اعتبر الخميني حالة ثورية لذلك دعمه اليسار واعتبر في سياق التمرد على الخط الامريكي الموجود لكن العامل الدينيلم يكن ظاهر لهم بهذه الصورة

  3. عمر فاضل says:

    لماذ تنقبون في التاريخ عن حماقات اليسار؟! اليوم في العالم العربي كل قوى اليسار تدعم مشروع ايران وتعتبره ثورة ضد المشروع الامبريالي الامريكي….قبل فترة زار وفد تونسي بشار الاسد وكانت تلك الزيارة في نفس السياق

  4. محمد السيد says:

    الخميني ومن بعده الحكومات الايرانية المتعاقبة لاتزال تخدع الغرب وتوهمه بانها دولة اسلامية حضارية لاتصدر الارهاب ولا الانتحاريين ولاشك بان الغرب وخاصة فرنسا انخدع بما سمي بالثورة الاسلامية في ايران واعتقد انها سلمية وتهدف للتغيير الاجتماعي لكن سرعان ما انكشف زيفها وخداعها لكل من حولها

  5. فهد النويصر says:

    لايمكنني تصديق ان الغرب كان اويمكنه الوثوق بالثورة الايرانية ومخرجاتها وبشخص الخميني وما قام به مع اعتقادي انه صنيعة غربية ، واما عن الاعلام الغربي فبلمال يمكنهم شراء الذمم الاعلامية وشراء اعلام كامل ، مع الاسف الاعلام لمن يدفع له اكثر الا ماشاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *