عالم اجتماع فرنسي: الإرهابيون مجرمون ولكنهم ليسوا متخلفين

موقع المثقف الجديد

يهتم الباحث الفرنسي جيرالد برونر في كتابه (التفكير المتشدد) بتسليط الضوء على الأسباب التي تبعث على شيوع نزعة التشدد لدى الأشخاص، وإلى أنهم يندفعون إلى التعصب لمعتقدات قد لا يصدق أحد للوهلة الأولى أن أي كائن يستطيع التعصب لها، مهما كانت مغرقة في المبالغة أو في الاستحالة أو الخرافة، ومهما مر عليها الزمن وعفا عليها.

ومن أجل تحليل التشدد يرفض المؤلف النظرة الشائعة لدى كثير من الناس، من أن المتشددين ليسوا أسوياء، أو أنهم يعانون من خلل عصابي، أو أمراض نفسية، أو أنه يتم تسخيرهم وتسييرهم ونزع إرادتهم حتى يتحولوا إلى كائنات آلية تتحرك بالريموت كونترول. كما يرفض الفكرة التي تسود عن أن المتشدد بالضرورة شخص لا يتمتع بالحنان أو العطف، أو لا يمتلك مقومات إنسانية، أو أنه منزوع الإرادة والفهم، أو أنه فاشل في دراسته، أو غير قادر على الاستيعاب، أو يعاني صعوبة التعلم، أو أنه غير قادر على الاختيار أو التمييز بين الأشياء.

كل هذه الإشاعات حول التشدد ومعتنقيه يرفضها الكاتب، ويؤسس كتابتها على تجاوزها، واعتبارها سرديات أو أساطير ثقافية أو اجتماعية يغذيها الشعور الجماعي أو مفعول الصدمة التي يخلفها التعصب أو الإرهاب لدى من يتعاطون معه من الأشخاص العاديين، وأحياناً من بعض الرسميين والأكاديميين والمتخصصين.

إن برونر يقرر أنه لا يمكن التوصل إلى حقيقة التطرف إلا بالتخلص من فكرة أن أصحابه أناس همجيون، ولا بد من أن نعدهم أشخاصاً أسوياء عاديين، لكنهم يتبنون معتقدات وأفكاراً بالطريقة نفسها التي يتقبل بها الأشخاص الآخرون آراءهم.

وعلى حين يظن المعتدلون أنهم لا يمتلكون اعتقادات مغالية، فإن المتشددين قد يرون أن هؤلاء المعتدلين متفانين في التضحية بأنفسهم لخدمة الظلم، أو أنهم ينتحرون باستسلامهم للحياة المادية، أو أنهم يستهلكون أعمارهم بعيداً عن الحريّة، وكما أنّ الحريّة تستحق التضحية لدى دعاتها، وهذه التضحية تنطلق من معتقد خالص بنزاهة القضية واستحقاقاتها، فكذلك ينظر الانتحاريون إلى قضاياهم التي يرون أنها تستحق ذلك، وكلا الفريقين ينطلقان  من الإيمان بقضية عادلة بحسبهم؛ فالذين يحاربون التطرف هم كذلك يضحون بأنفسهم ويبذلون ما يستطيعون في مواجهته، تماماً كما يفعل المتطرفون.

ومن أجل ذلك فإن السعي إلى معرفة أسباب التشدد والمؤسسات التي تحتضنه، والبيئات التي ينبعث منها، ثم بعد ذلك تجفيف هذه المنابع، ومحاولة تحصين الأجيال القادمة منها، هذا هو الأهم للمستقبل، ويأتي بعده في الأهمية الصراع المعرفي مع المتشددين، وهو صراع النفي والإثبات، وإيصال فكرتين رئيسيتين في المرحلة الأولى إلى دائرة القبول لدى المتشدد هما: إقناعه بأن وسائله غير أخلاقية، وإقناعه بأن القيم الرفيعة لا تسوغ الوسائل الدنيئة. ثم ننتقل معه إلى المرحلة الثانية، وهي: إيجاد مرجعية أخلاقية مشتركة نستطيع الانطلاق منها للوصول بطريقة منطقية إلى قضيّته ليست عادلة، وعندئذ ينهار جدار التشدد من أساسه دفعة واحدة.

من الوسائل التي يمكن أن يقتنع المتشدد بها – بحسب برونر –  أن يعود من يتعامل معه الأصل الأخلاقي المتفق عليه، وهو: رفض الزيف، ورفض الكذب، وعندئذ لا يكون من حق أحد أن ينصر قضيته بالتزوير ولا بالخديعة. لكن من الصعب إقناع شخص قرر نذر حياته لقضية بعينها بالتراخي أو التهاون أو التقاعس، لأنه إذا كان متعصباً حقاً فلن يتقبل ذلك نهائياً. كما أن أصحاب التشدد لا يمكن أن يقنعهم أحد بالتخلي عن قضايا عادلة، ولا يجدي السعي إلى ذلك معهم، لأنه يجعلهم يمعنون في الاعتقاد بصحة توجهاتهم، وإنما ينبغي أن تُطرح لهم حلول أخرى على أنها في حاجة أشد إلى التضحية، وعلى أنها طريق أصعب، ويحتاج إلى أناس أقوى، وأنها ستؤدي إلى دعم القضية العادلة دعماً أفضل من الوسائل العنيفة أو المغالية التي يتبعها هؤلاء. كما أن ضحايا التشدد اختاروا مسبقاً طريق الإصرار والنشاط والتضحية، وقد يكون من الضروري أن يوجد المجتمع لهم قضايا وأموراً يضحّون من أجلها، فهم أناس ذو نشاط حثيث، وهمم عالية، وقد يكون من المحتم أن يجد هؤلاء ميادين يستهلكون فيها هذه الطاقات وتلك النزعات، وبما أنهم يرفضون رفضاً جازماً التضحية بالأفكار من أجل الرفاهية، فإنه لا بد من أن يمكنهم شخص من نزعتهم الضاربة، أي: التضحية بالرفاهية من أجل الأفكار، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو إلحاق الأذى بالأفراد، وبعيداً عن العنف المجرّم عرفاً وقانوناً.

فالصراع إذن مع التشدد هو صراع تربوي اجتماعي فكري نفسي، وليس صراعاً مع أناس معوقين فكرياً ونفسياً، وهو لا يعدّ كائناً مسعوراً يبحث عما يطبق عليه فكّيه، ولا هو أفعى سامة تتربص بأقدام العابرين. واعتقاد هذه الفكرة في المتشددين هو اعتقاد خاطئ مائة في المئة – بحسب الكتاب – وإنما هم أناس أقوياء ذوو تضحية، يظنون أنهم في حملة مقدسة ضد عدو يريد القضاء على أخلاقهم وأعرافهم ومقدساتهم.

إن المتطرف كائن أخلاقي بامتياز، وتصوره من دون أخلاق إنما يعد من باب التخلي عن أقوى الأسلحة التي يستطيع من يقاوم المتشددين أن يواجهه بها.

إن هذا لا يعني أن التفكير المتشدد تفكير سليم، أو أنه خال من التناقضات، ليس هذا ما يتجه إليه كتاب جيرالد برونر ألبتة، ولكنه يريد أن يوصل إلينا فكرة أن هؤلاء بشر، عقلانيون، ولكن تفكيرهم المتناقض أدى بهم إلى عقلنة حماقة التعصب.

وينتهج المؤلف طريقة سبر الكينونة العقلية الغامضة لهؤلاء المتشددين، تلك تلك الكينونة المخيفة التي يسبب الخوف منها في اعتقاد أنها منغلقة وحيوانية ولا يمكن النفاذ إليها ومعالجتها أو معالجة أصحابها بوسائل عقلانية.

يستعين صاحب الكتاب بأحدث اشتغالات علم الاجتماع والعلوم السياسية وعلم النفس المعرفي، ويرسم صورة متكاملة عما يرى أنه الشر الذي يهدد استقرار العالم المعاصر، وهو الجنوح الذي تتبناه العقول، كما أنه يكتب وصفاً يعيد تركيب المراحل التي تؤدي إلى التعصب، ومن ثَم يسلك بقارئه الدروب والمسالك المؤدية إلى الحلول الناجحة لعلاج هذه الظاهرة التي تهدد العالم اليوم بأكمله.

ويرى برونر أن كون بعض المعتقدات التي يكافح من أجلها المتشددون تظهر لنا سخيفة للوهلة الأولى لا يعني أنها بسيطة أو بدائية، وإنما يعني أنها مركبة من هجين من المتغيرات الثقافية والقيمية والذهنية والاجتماعية، وإن هذه الأفكار التي تبدو سقيمة من زاوية نظرنا تحتاج إلى جهد لمعرفة الأسس والمكونات التي تشكلت منها، وينبغي أن يغوص من يواجه الفكر التشدد في فكر التشدد نفسه، ويفككه، ثم يعالجه لا أن يدعي أن المتطرفين لا يفكرون، ثم يحاول التفكير نيابة عنهم؛ لأن المتشددين لا يحتاجون إلى من يفكر لهم، لأن تفكيرهم لم يتوقف قط، بل إن هذا التفكير هو الذي يشحنهم بالطاقة الهائلة التدميرية التي يفرغونها في الكون.

جيرالد برونر هو أستاذ علم اجتماع فرنسي، وله عدد من الكتب عن المعتقدات والأفكار الجماعية.

 

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. حسن السعيد says:

    كلامه صحيح وربما ظروفهم الصعبه هي من جعلت منهم ارهابيين وقد تكون نتيجة تربية خاطئة او تعليم سلبي او نتاج ظروف اقتصادية واجتماعية ، فعلا من خلال ما نشاهده هناك ارهابيون او يمتلكون فكر متطرف اساتذة جامعات واطباء ومهندسون ومن فئات متعلمه وليس الكل جاهل وغير متعلم او من بيئة متخلفة كما يشاع دائما.

  2. فارس الهادي says:

    من هو الارهابي وعلى من يطلق وهو مصطلح مختلف عليه دوليا اولا وهذا يحتاج لتفصيل حسب نظرتهم في الغرب الارهابي غالبا هو كل مسلم يرتكب جريمة ما او عملا ضد مدنيين امنيين وهذا قد يقوم به اخرون ومن ديانات مختلفه ولكن مع الاسف دائما يصف من يقوم بهذالفعل على انه مريض نفسي او مختل عقليا
    ولايتهم بالارهاب الا كل مسلم سني تحديدا ،والفلسطيني في نظر الكثير من الغربيين ارهابيين ، اذا الارهاب هو مصطلح يحتاج لتفسير وتحديد ماهو الارهاب ومن هو الارهابي قبل ان نصنفهم على انهم متخلفين او غير متخلفين

  3. فهد عميرة says:

    التطرف لا يتعلق بالسلوك النفسي للشخصية فغالبا اصحاب الميول السادية و الاضطرابات النفسية يستخدمون الايدولوجيا و المعتقد لتبرير استهدافهم لمخالفيهم او ابراز انفسهم..والا كيف يتم تبرير جرائم القتل في المدارس الأمريكا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *