العقلانية الوحشية تؤيد الخرافة الهمجية

..

موقع المثقف الجديد

لا يخفى عن الراصد في المجتمعات العربية الآن ومنذ عقود ظهور أصوات تدعي العقلانية ومحاربة الخرافة، ولكنها في الوقت نفسه تتمادى في المطالبة بالقبضة الحديدية؛ من أجل فرض آرائها ونظرياتها التي تعدّها آخر ما توصّلت العقلانية المعاصرة.

إن هذا لا يعيدنا إلى الفلسفات الغربية التي تبنت الشمولية الفاشية في القرن العشرين فحسب، بل يعود بنا إلى فصل دموي من فصول تاريخنا الإسلامي، الذي مارس فيه أول تيار عقلاني أعتى أساليب الاستعداء والعنف والتصفية ضد خصومه، ونعني بذلك التيار الاعتزالي؛ الذي مارس التعذيب والقتل والصلب ضد مناوئيه في عراق العباسيين.

ومن هنا فإذا كانت الخرافة والعنف والوحشية سلوكاً دينياً لمجرد أنها كذلك، كما يميل إلى ذلك بعض مفكري العصر، فإن العقلانية تصبح ديناً أيضاً بناء على ذلك الأمر نفسه.

لقد كان التيار العقلاني الاعتزالي أول تيار يخرج من رحم همجية الخوارج، ويوظف أنظمة الدولة الإسلامية النقية من أجل خدمة الوجه الآخر لعُملة الفكر الخارجي، ولا تزال أدبيات الفرق والمذاهب تؤكد ذلك وتشهد عليه، بل إن أدبيات المعتزلة العقلانيين أنفسهم تشهد عليه، بل إن المعتزلة أخفقوا حتى على مستوى العقلانية نفسها، ونحن – على سبيل المثال – حين نقارن بين المعتزلة والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة ونرجع إلى أبسط قواعد المنطق، نجد أن الخوارج أشد عقلانية، على رغم أن المعتزلة مطابقون لهم في الحكم وناقلون عنهم.

ومن هنا نقرر أن نموذج تقليد العقلاني للخرافي الهمجي الخارجي وتبعيته له هو نموذج معتزلي بامتياز.

وإليك هذا الواقع فيما يتعلق بمسألة الإيمان وهي: الأسماء والأحكام.

  1. قلّدت المدرسة الاعتزالية العقلانية المدرسة الهمجية الخرافية الخارجية على أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن، بالكامل، نهائياً.
  2. وقلدت المدرسة الاعتزالية العقلانية المدرسة الهمجية الخرافية الخارجية، في أن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار مع إبليس وفرعون وأبي جهل، ولا يخرج منها أبد الآبدين.
  3. مدرسة الخوارج بناء على هذا الحكم (أي: نزع الإيمان والخلود في النار) سمت مرتكب الكبيرة كافراً.
  4. مدرسة المعتزلة نزعت من مرتكب الكبيرة الإيمان ولم تسمه كافراً، وأجرت عليه أحكام الكفار كاملة، من عذاب وخلود في النار!

 

وبهذه النتيجة يتبين لنا أن المدرسة الهمجية الخارجية من حيث المنطق العقلي أقرب؛ لأنها عندما أجرت على مرتكب الكبيرة أحكام الكفار سمّته كافراً.

أما المدرسة المعتزلية العقلانية التي ظلت تنادي بأن العقل أولاً، والقرآن والسنة ثانياً، فقد تناقضت؛ لأنها نزعت من مرتكب الكربيرة اسم الإيمان بالكامل، وألحقت به حكم الكافر بالكامل، ولم تعده لا مؤمناً ولا كافراً، واخترعت اسماً جديداً لذلك، سمّته: (المنزلة بين المنزلتين)، وجعلته من أصولها الخمسة! ومع أن قاعدة المنزلة بين المنزلتين هي اسمية فقط، وتؤول بصاحبها في الحكم إلى منزلة الكافر، ومع أنها قائمة على ما يسمى (ارتفاع النقيضين وخلق منزلة بينهما) وهي مستحيلة في بديهيات المنطق، إلا أن المدرسة الاعتزالية قعّدت لها عقليّاً!

إن الفكرة الخارجية (نسبة إلى الخوارج) رغم همجيتها وبساطتها، إلا أنها تظهر أمام العقل البشري المجرّد أشدّ قبولاً من حيث الشرط والحكم، حين نقارنها بهذا الشطح الاعتزالي.

من هنا؛ فالمعتزلة العقلانيون الذين يستثمر أطروحاتهم بعض الإنسانيين والليبراليين حالياً ويناصرونهم ويتبنون مسلكهم التاريخي، هم في الحقيقة ينزعون منهم اسم الإيمان تاريخياً؛ ويحكمون بخلودهم في النار مثل الكفار تماماً ومعهم، وهذا انتصار ذرائعي غير عقلاني منهم لمن يحكم عليهم بالكفر والخلود في النار.

 

ومِن ثم؛ فإن الحكم الذي توصلت إليه أول عقلانية ضاربة في تاريخ الإسلام هو حكم الخوارج، وإن كانت التسمية التي تقتضي رفع النقيضين حاضرة فيه لذر رماد سفسطائي في العيون؛ لأن العقل البشري البديهي يقرر أنك ما دمت إنسانا مكلفاً ووصلك البلاغ، فلا يمكن أن يُرفع عنك نقيضا الإيمان والكفر، وإلا لجاز أن يجتمعا فيك، لأنه في المنطق الابتدائي لا فرق فيه بين رفع النقيضين والجمع بينهما.

وبهذا يتبين أن الهمجي الخرافي الخارجي في مسألة الأسماء والأحكام كان أقرب إلى العقلانية من المعتزلي العقلاني.

التعليقات

2 تعليقان
  1. يحي السلمان says:

    العقلية الهمجية لاترتبط بفكر أو عرق أو دين انما هي نتاج عوامل متنوعة ساهمت في صناعة التخلف والهمجية فقد ظهرت أفكار متشابهة في كافة الأديان على مدى التاريخ لكن في وقتنا الحاضر مع الاسف بالتشدد الإسلامي دون غيرهم.

  2. مجاهد علي says:

    الهرطقات التي نشرها واصلها التشيع و الصوفية استفحلت و عملية الحد منها يجب ان يكون له حالة قانونية ذات صبغة شرعية للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة..اما العنف الذي يتبناه الخوارج فهو امر يحتاج لمعالجة فكرية و شرعية منطلقها مراكز التعليم الديني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *