فيلسوف ألماني يفسد فيلسوفاً عربياً

موقع المثقف الجديد

ليست هذه عبارة منقولة من كاهن كاثوليكي من العصور الوسطى، ولا من فقيه متزمّت – كما يُقال – وإنما هو كلام منقول من أحد مشاهير الكتاب المصريين المعروفين بأنهم أفنوا حياتهم في الفلسفة قراءة وكتابةً وتأثراً.

إنه سلامة موسى، الذي اعتنق العقلنة، والليبرالية، والتغريب، ونادى إليهما من دون أن يتملص منهما، ولكنه مع ذلك كان يعد بعض الفلاسفة وبعض الفلسفات من جنس ما يفسد العقول ويضر بها.

حتى إنه عقد في كتابه المعنون بـ(هؤلاء علموني) فصلاً خاصاً بفيلسوف غربي، ووصفه بأنه أفسد ذهنه، وأنه ظل فاسد الذهن والأخلاق مدة أربعين سنة، بسبب تأثره بهذا الفيلسوف.

يقول سلامة موسى عن الفليسوف فيسمان:

(أفسد ذهني نحو أربعين سنة، بل لعله أفسد أخلاقي أيضاً، من حيث إنه غرس في نفسي فلسفة اجتماعية خاطئة، فجفّت عندي ينابيع السخاء البشري، وتولدت عندي نظريات بشأن تنازع البقاء ما كنت لأومن بها لولا هذا المؤلف الألماني المدعو (فيسمان)، ذلك أني كنت في الأول من هذا القرن [أي: القرن العشرين] مشغول الذهن بنظرية داروين عن تنازع البقاء وبقاء الأصلح…).

إلى أن قال:

(وقع في يدي حوالي سنة 1909 كتاب يدعى (الجرثومة المنوية) للمؤلف الألماني فيسمان. وكان هذا المؤلف علمي الذهن، لا يسأل ما هو المعقول؟ وإنما يبحث عن الواقع الذي تثبته المشاهدة والتجربة. وقد وجد بالمشاهدة المكروسكوبية أن الجراثيم المنوية، أي التناسلية، في الحيوان مستقلة تمام الاستقلال عن الخلايا الجسمية. وهي تسكن في أجسامنا وتتغذى من دمائنا ولكنها لا تتأثر بحياتنا أقل التأثر. ونحن نتسلم هذه الجرثومة من آبائنا ونسلمها لأبنائنا. وهؤلاء يسلمونها للأحفاد دون أن تتأثر بالأجسام التي التصقت بها وعاشت عليها…).

إلى أن يقول:

(وقد ذكر فيسمان انه قطع أذناب الفئران لعدة أجيال فلم يستطع إيجاد سلالة منها خالية من الأذناب. ثم ضرب مثالا بالختان عند اليهود فقال: إنهم على الرغم من ممارسة هذه العادة أكثر من ثلاثة آلاف سنة لا يزال أطفالهم يولدون وهم غلف لم يتأثروا بالختان…).

إلى أن يقول:

(والوراثة في جمودها الذي اعتقده فيسمان تشبه القدر، لأننا نعجز عن تغييرها. والإيمان بها يدعو إلى التشاؤم وإلى اليأس من إصلاح الطبيعة البشرية بغير الوسائل الإنتاجية التي لا تتفق دوما وما نفهمه من العدالة والإنسانية. وقد كانت الوراثة هي المركب السيكلوجي السيئ الذي ختم على عقل لومبروزو وجعله يقول إن إصلاح المجرم غير ممكن؛ لأنه يرِث النزعة الإجرامية).

ويختتم:

(إني عندما أقلب صفحات ذاكرتي أجد مركبات ذهنية كبيرة انتفعت بها، ولكن المركبات التي نشأت في ذهني من الإيمان بالوراثة قد أفسدت تفكيري نحو أربعين سنة، بل أفسدت أخلاقي وجعلتني أتشاءم كثيراً. أما إيماني بالوسط فقد أعادني إلى اتزاني الذهني والأخلاقي وملأني تفاؤلاً بمستقبل البشر. هذه هي قصة الكتاب الذي أفسد ذهني، ولكن المناخ الذهني في بداية هاذ القرن كان يهيئ للإيمان بالوراثة ويؤيدها).

 

 

التعليقات

2 تعليقان
  1. صباح المصري says:

    جميل نموذج اليهود فهو يعكس سقوط نظرية داروين و يهدمها تماما امام ما ذكره القرآن

  2. منير عزام says:

    المثقف العربي اصبح يتقبل ثقافة الغير بحثا عن الحرية لكنه يقع في قفص التشتت مقارنة بأصله الفطري وهويته الاسلامية وهذا الامر لن يتوقف طالما غابت دولة الشريعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *