خلل كبير في الدراسات الإيرانية

..

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

ظل الصراع يتصاعد بين إيران والعالم العربي منذ بداية العقد الأخير، لا سيما بعد تدخلها السافر في سورية والعراق ولبنان واليمن ومبادرتها بأفعال عدوانية طائفية في تلك البلدان.
وبالتزامن مع ذلك بدأ عدد من الكتاب والمثقفين مناقشة تلك الحالة بعيداً عن المنطقية التي تخدم المشروع السياسي العربي في مجابهة المشروع الإيراني، في حين نجد على الجانب الآخر أن إيران نجحت في إنشاء فضاء إعلامي ضخم للترويج للنظرية الدينية التي تعداً معبراً لها إلى عاطفة الملايين من الشيعة في المنطقة العربية، وعززته بملاحق ثقافية وجماعات ورموز دينية تقوم بصناعتها ورعايتها، وبعد أن تنضج مشاريعها الدينية تبدأ تسليح مليشيات تأسست بفضل تراكمية بناء الهوية الفكرية الشيعية واستعدائها ضد المحيط السني والعربي الذي تعيش فيه.

وعلى حين تستمر إيران في مشروعها الهادف للإخلال بالتركيبة الدينية والديمغرافية في المجتمع واستهداف أمنه السياسي والاقتصادي مثلما حدث في العراق، فإنها تحافظ – في الوقت نفسه – على نقل صورة إعلامية مثالية لها في الغرب، تلعب فيها دور الضحية والتنظير لهويتها الفارسية، عبر سلسلة أدوات إعلامية مثل قناة (press tv) التي تُبث من لندن، الإضافة إلى شراء كثير من المؤسسات الفكرية والثقافية أو إنشائها، واستمالة عدد من الباحثين والصحفيين، وسط خيبة أمل كبيرة يعيشها العالم العربي بسبب ضعف أداء نخبه الفكرية والإعلامية ومحاولاتها الفاشلة في التصدي لهذا المشروع.
ومع ذلك فثمة نماذج متواضعة، بادرت منذ زمن بمتابعة دراسة الحالة الإيرانية وتتبع محاولات تأثيرها في العالم الإسلامي، وتنوعت هذه النماذج بين الهوية العلمية والهوية السياسية والهوية الفكرية الدينية، لكن غايتها واحدة، وهي: التصدي للتغول الفارسي في العالم العربي.

ومن بين تلك النماذج مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، الذي يصدر نشره شهرية بعنوان (مختارات إيرانية)، وعلى رغم أنها تحوي قائمة من المقالات والتقارير الثرية حول الشأن الإيراني، وهي مترجمة من الصحافة الإيرانية، إلا أن تلك التقارير لا تقدم معلومة مؤثرة في صناعة القرار السياسي العربي للتصدي لهذا التغول، وإنما تركز فقط على نقل معلومات تناقش قضايا إعلامية تطفو على السطح في المجتمع الإيراني، مثل: أزمة إيران مع الغرب.

أما مركز الخليج العربي للدراسات الإيراني فهو نموذج جيد لنشر مزيد من التفاصيل عن حالة الأمن والاقتصاد والصراع الديني، وتعد دراساته بمثابة تمثل جرعات مفيدة للباحثين في سياقها التثقيفي والتوعوي بطبيعة المجتمع الإيراني.
إلى ذلك، أصدرت مجلة البيان أصدرت عام 1437هـ تقريراً إستراتيجياً بعنوان (الأمة في مواجهة الصعود الإيراني) وركز في تغطية مسألة الأقليات وملفات إيران في المنطقة مثل دعم الحوثيين والملف السوري والعراقي، إضافة إلى البنية الديمغرافية للمجتمع الإيراني.

 

أما المركز العربي للدراسات الإيرانية فهو مشروع إيراني خالص، أنشئ للدفاع عن إيران، وهو متخصص في نقل تغطية للأحداث، وفق السياسيات الإيرانية وما يخدم رؤيتها للمنطقة.
ثمة بضع نقاط مهمة يجب التشديد عليها فيما يخص إعداد دراسات بمثل هذا النوع، ومنها:

غياب التوجيه والبوصلة عن مثل هذه الدراسات، فمعظمها تركز في ظواهر عامة لها طابع إعلامي، وهي بعيدة عن مبدأ التخصص في التصدي للظاهرة. ثم إن معظم المشاركين في هذه الدراسات يعيشون في بيئات عربية أو حتى في أوربا والغرب، أي أن ممارستهم للتنظير الإعلامي تكون مستندة إلى مصادر شبكة الإنترنت وبعيدة عن الواقع الميداني ومصادر المعلومة الأصلية.
كذلك؛ لا يوجد احتضان رسمي قويّ للدراسات العربية عن المشروع الإيراني، أو أنه احتضان محدود، ومِن ثَمّ فأكثرها تُباع بهدف تحقيق الربح، ولا تُستثمر نتائجها في سبيل إيجاد طرق للتصدي لهذا المشروع الصفوي ووضع حلول لوقف تمدده، إضافة إلى التركيز في إيران بوصفها مشكلة، مع عدم التطرق إلى العوامل التي ساعدتها على إيجاد تربة خصبة في العالم العربي لإنجاح مشروعها السياسي، إضافة إلى أن هذه الدراسات تعتمد على الصحافة الإيرانية والغربية مصدراً للمعلومة وتكتفي بما يوجد من معلومات قد يكون عمرها 10 سنوات أو أكثر.

 

وإذا أردنا أن نقارن هذه النماذج بدراسات مشابهة فإن لديناً –مثلاً- تقرير راند السنوي الصادر عن مؤسسة راند للأبحاث، وهو يقدم سنوياً تصوراً عام يساعد الإدارة الأمريكية على التعاطي مع أزمات المنطقة، سواءٌ أكان ذلك على الصعيد الديني أم السياسي أم الأمني.

إقرأ أيضاً

مسيحية بلا مسيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *