لغز العلاقة بين الشيرازية والخمينية

موقع المثقف الجديد - مصطفى حسين

تعد الشيرازية أبرز الفرق الشيعية التي ما زالت – رغم مظاهر الاختلاف بينها وبين النظام الإيراني – تحتفظ بمعسكراتها التدريبية في إيران ومكاتبها في قم، وتنتمي إليها قيادات عسكرية في الجيش والحرس الثوري، ولها قيادات دينية في حوزات ايران، إضافة إلى سيطرتها على الأسواق والتجارة؛ ولهذا يشبه كثير من المحللين هذه العلاقة باللغز، كما يعتقد كثيرون أن الشيرازية والخمينية وجهان لعملة واحدة يكمل أحدهما الآخر.
لقد برز التيار الشيرازي الشيعي في السنوات الأربعين الماضية، وانطلقت حركته من أرض العراق، ثم بسبب تسامح الحكومات العربية تمدد نحو عدد من الدول العربية، مثل: الكويت، والسعودية، ولبنان، والبحرين وسورية. وحظي الشيرازيون، خصوصاً (منظمة العمل الإسلامي) التابعة لهم، بدعم كبير من النظام الخميني، لاسيما خلال الحرب العراقية– الإيرانية، وكان العمل يجري من خلال ما يسمى (مكتب دعم حركات التحرير)، الذي تأسس بدعم الحرس الثوري الإيراني؛ بهدف الاستيلاء على نظام الحكم في العراق وإخضاعه للتيار الشيرازي.

امتازت الحركة الشيرازية بقدرتها على الحصول على إمكانات مالية وإعلامية وعسكرية ضخمة، وكان لها دور كبير في عدد من النشاطات العسكرية في بعض الدول العربية، وكان من أبرز نجاحات هذا التيار في الأعوام الماضية امتلاكه 15 قناة فضائية؛ لترويج أفكاره في أوساط الشارع العربي، كقناتي: الأنوار، والزهراء، وتركيزه في نشاطاته التعبوية ومجالس العزاء، ولاسيما في العراق (كربلاء)، والكويت، ولبنان، والبحرين، التي عدّها المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله (حسينيات فضائية)، تستحوذ على المحيط الشيعي وتحتويه في مجال عاطفي على مدى شهرين كاملين، هما: محرم، وصفر.

 

من النظرية إلى الميدان
لم يكن هذا التيار يتبع أي نظرية سياسية حتى منتصف الستينيات، حين أحدث محمد الشيرازي تَطوُّراً أساسياً وفكرياً في منهج التيار، وأجرى تغييراً في أيديولوجيا الحركة في الكويت، ثم انتقل إلى موطنه إيران لتوسيع رقعة تابعيه، وكما كان متوقعاً: ازدهرت الحركة ودخلت مرحلة النموّ والانتشار، ودعمت ثورة 1979م في جغرافية إيران، وتمددت بعد ذلك في جميع أضلع النظام.
بعد ذلك، اتخذ هذا التيار طهران وأصفهان – بوصفهما أهم محافظات الفارسية – مقرين لنشاطاته، وسيطرت الحركة على أسواق المدن الإيرانية، وعلى عدد كبير من المساجد والحسينيات، حتى أصبح لها وجود ملحوظ في الشارع الفارسي.

ويُعد الشيرازيّ أسبق من الخُميني نظريًّا إلى تأسيس نظرية ولاية الفقيه؛ حيث انتشرت آراؤه في الستينيات في كتاب يسمى (الحكومة الإسلامية)، في حين أن الخميني لم تتبلور النظرية لديه إلا بعد عام 1963م، ويعتقد كثيرون أن الخميني نفسه تأثر بالشيرازي بعد ما استقر في العراق، وأن هذا التقارب الفكري جعلهما يعملان في منهج واحد، وفي أثناء نجاح الثورة تعاوَنَا بشكل قوي، وكان الشيرازيّون هم المخولين بتصدير الثورة وتدريب المستقدمين في معسكرات إيران. لكن الشيرازي وجد بعد مدة وجيزة أن طموحاته الكبيرة لا تتواءم مع أن يكون جندياً ينفذ أوامر حليفه، وصُدم بعدم حصوله على منصب نائبه، وأصيب بالإحباط، وعندما عرض عليه الخميني إمامة الجمعة في إحدى محافظات الأحواز عام 1981م أدرك اللعبة، وهي أن رفيقه كان يريد القضاء على المد العربي في الأهواز مستغلاًّ هذا التيار المنافس، إلا أن الشيرازي أدرك اللعبة، ورفض طلب الخميني، وازدادت خيبة أمله.

أخفق التيار الشيرازي في التغلغل إلى الحكم في جغرافية إيران، وأسهم في تبني الشيرازيين خطاباً يخالف سلطة الخميني، وانتقدوا انفراده بالسلطة، وابتدعوا نظرية شورى الفقهاء للمرة الأولى؛ بهدف مواجهة نظرية (ولاية الفقيه)، وتقوم نظريتهم الجديدة على أن تختار الأُمَّة عدداً من الفقهاء بدلاً من الفقيه الواحد؛ ليديروا الحكم بالشورى في ما بينهم، ويأخذوا برأي الأغلبية.

 

التيار الشيرازي وتنظيمه الراديكالي
تبنّتْ فرقة الشيرازي مشروعاً طائفياً يحاول السيطرة على البلاد المسلمين؛ بهدف تنفيذ مشروع عقائدي، ومن الأسس العقدية لدى أتباع المذهب الشيعي: السعي إلى نشر التشيع، مستندين إلى فهمهم النص القرآني: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا).

ومن أهم ما يميز الشيرازيين عن غيرهم أن اهتمامهم ينصب على النشاط الاجتماعي وتربية الفرد، إيماناً منهم بأن الفرد هو وحدة بناء المجتمع، وهم يرون أن الفرد المتربي بمثابة (دعوة تمشى على قدمين)؛ ولذلك اهتموا بجلسات الشباب الحسينية، والمدارس الشيعية، كما نشطوا في المجال الثقافي والتوعوي من طريق إصدار النشرات الإعلامية والثقافية، وإنشاء المؤسسات الثقافية والدينية، وافتتاح فروع الحوزات العلمية، كما بثوا عدداً من القنوات الفضائية لنشر الفكر الشيرازي على مستوى العالم، ولقد حرصوا هم وأتباعهم على التركيز في إحياء مجالس العزاء والمواكب الحسينية.

 

الشيرازيون والتطرف
يرى كثير من المحللين في هذا الشأن أن التيار الشيرازي رائد في تأصيل الخطاب الثوري، ويعد أبرز من صاغ خطاباً شيعياً ثورياً، وأول من نقل (العقيدة الصامتة) إلى مستوى (العقيدة الثورية) متأثراً باليسار الشيعي الإيراني؛ متمثلاً في المفكّرين الثوريين من أمثال علي شريعتي.

اعتمد هذا التيار أسلوب المبالغة في تبني نشر التشيع، وهو يختلف بعض الشيء عن نظيراته من الفرق الشيعية الأخرى. كما عمل على (طقسنة) التشيع أضعاف ما كان عليه، وقد لعبت (الطقسنة) دوراً محورياً في استغلال الوضع لمصلحة السلطات الخمينية في طهران، لا سيما بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988م، ثم ما لبثت أن انفجرت ثورة طقوسية أخرى بعد سقوط النظام العراقي في عام 2003م؛ فاستغل التيار الشيرازي الموقف لتدمير البيئة التعليمية والمؤسسات الثقافية لمصلحة النظام الخميني في طهران، وشهد العالم انفجاراً طقوسياً هائلاً في العراق، وعهداً (خمينياً) جديداً بهندسة الأيادي الشيرازية وتنفيذها؛ ولذلك دعمت الخمينية التيار الشيرازي في العراق بمزيد من الأموال، وفتحت الحدود مع العراق للعابرين إليها على الأقدام، وظل الشيرازيون يوغلون في استدراج الشيعة نحو مزيد من (الممارسات الطقسية) أو ما يسمى: (إحياء الشعائر)، وهي ممارسات طقسية عجيبة لا تتوقف عند عند التطبير والمشي على الجمر، أو حتى الزحف على البطن وتمريغ وجنات الخد على الأرض الملساء، ولكن جرى استحداث طقوس عجيبة أخرى، مثل: المشي على الزجاج، وحمل أخشاب تعلوها أضواء وشموع بأشكال مثيرة، واستخدام الدفوف، والرقص بضرب الأرجل على الأرض، واستخدام الموسيقى في العزاء، وتجسيد شخصية علي رضي الله عنه في هيئة أسد، وعشرات الاستحداثات غير المسبوقة المستمدة من تراث فرق الغلو، التي يخرجها حتى فقهاء الشيعة من دائرة التشيّع.

 

الاستنتاج
وأخيراً: لا شك أن ثمة شداً وجذباً بين الخمينيين والشيرازيين في جغرافية إيران، بيد أن كلا الطرفين يدركان الاحتياج المتبادل فيما بينهما، وهما يتفقان على التقاطعات المصلحية المشتركة بينهما خارج جغرافية إيران وليس في داخلها، إذ إن ثمة خطوطاً في الداخل حمراءَ لا يمكن للتيار الشيرازي أن يتجاوزها.

أما النظام الإيراني فلديه مصلحة في البلدان العربية المجاورة تلتقي مع أهداف التيار الشيرازي الطويلة المدى، التي تطمح إلى الوصول إلى سدة الحكم في الدول العربية، خصوصاً في الخليج العربي، من خلال دعم النظام في طهران، ومن هنا فإنه لا يمكن لأي منهما أن يغامر بخسارة الجهة الأخرى، أو يتبنى أي خطاب صدامي أو مواجه لها، كما أنه لا يمكن أن يسعى أي من الطرفين إلى استئصال الآخر كلياً؛ لأن منافعهما تنبني على القضاء على العروبة والاسلام معاً، وليس على أن يقضي أحدهما على الآخر.
من أجل ذلك نستطيع أن نعدّ الخمينية والشيرازية وجهين لعملة واحدة.

 

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. منير عامر says:

    الدرس المستفاد هو انهم رغم اظهار بعض الخلاف الا انهم متوحدون حول استهداف المنطقة مع وحدة المشروع و الهدف

  2. فريح الاغا says:

    الشيرازية تشبه الى حد كبير الشيوعية من حيث نموذج الانتشار فرغم تركيزها على نطاق جغرافي معين الا انها تنتمي الى الثورة الايرانية وترتدي عباءتها

  3. صالح الميموني says:

    مهما تحدثنا عن اختلافاتهم وخلافاتهم هم في المحصلة يعملون بطريقة أو بأخرى لتحقيق حلم الدولة الصفوية الجديدة والفارسي التاريخي يختلفون في المنهج ويتفقون في الاهداف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *