إيران: الاحتجاجات تهدأ لتثور

..

موقع المثقف الجديد - مصطفى حسين

لم يعد خافياً على أي مراقب استمرار الاحتجاجات الشعبية في إيران، التي هزت جذور النظام الفارسي في طهران، وانتشرت كالنار في الهشيم، وأصبح الجميع يدركون أن هذه الاحتجاجات المستمرة، التي لا تنقطع إلا من حين إلى حين، ترجع إلى أسباب بنيوية وأساسية لا يمكن أن تنطفئ نارها بالوعود والأكاذيب التي يطلقها بين مدة أخرى رجال السلطة؛ إذ تبنت هذه الاحتجاجات شعارات مزجت بين العدالة الاجتماعية ومناهَضة النظام؛ ثم ارتقت أخيراً، وطالبت بإسقاط النظام.

وعلى حين تتأرجح احتجاجات الشعوب في جغرافية إيران بين حين آخر؛ فتارة تهدأ، وتارة تتعالى أصواتها، وتوالت الأحداث وكثرت التحليلات، ومنذ وقت يسير كان ثمة من لا يزال يظن أنها هبة رياح ثم تنتهي، وكان الذين يخالفونهم يدركون أنها نار لها وميض تحت الرماد، حتى تبين أخيراً أن هذه الاحتجاجات مستمرة، وحتى أصبحت تجوب الشوارع في المدن الإيرانية مئات الاحتجاجات شهرياً، لا سيما في أوساط الطبقة العمالية.
في ظل هذا التصعيد الشعبي يحاول النظام احتواء الاحتجاجات والسيطرة عليها بقبضة حديدية، لكن الواضح أنه أخفق في ذلك، وأن الاحتجاجات لم تنته، بل تنوعت في وتحولت الى احتجاجات عمالية وثقافية، وتارة طلابية ونسائية.

ليس من الصواب أن نتسرع في الحكم على ما ستؤول إليه هذه الاحتجاجات، حيث إن المعركة مستمرة، وشرارتها ما زالت مشتعلة؛ ولهذا قد يصعب توقع النتائج. وبالرغم من أن النظام يسعى إلى استرضاء المحتجين بأساليب ودية، ووعود كاذبة من جهة، وبالتعامل بقسوة مع كل من لا يتجاوب مع دعوات النظام للتهدئة من جهة أخرى، إلا أن ملامح نجاح الاحتجاجات وانقلابها إلى ثورة تلوح في الأفق.

ويبدو أن ثمة عدة أسباب وراء استمرار الاحتجاجات، ويحصل ذلك بسبب الاستياء من البطالة وارتفاع الأسعار، والفساد، وسرقة المال العام، وتدهور الوضع الاقتصادي، مع الغلاء، وتخلف الوضع الصحي، وتدمير البيئة، وشح المياه، وتغول السلطة البوليسية، وانعدام حرية الرأي والحريات المدنية الأخرى؛ وأخيراً وليس آخراً: بسبب التمييز بين فئات الشعوب الفارسية وغير الفارسية من جهة، والشيعية وغير الشيعية من جهة أخرى، وهذا التمييز قسَم البلاد إلى طبقات يشعر فيها المواطنون بالتمييز والعنصرية، التي سوف تقصم ظهر النظام حالما تتدخل جهات خارجية وتساعد على نجاح الاحتجاجات، وقلبها إلى ثورة عارمة.

في ظل تداول الحكومات الفاشلة الراضخة لأوامر المرشد الإيراني والحرس الثوري الارهابي ارتفع معدل البطالة، كما بلغت نسبة التضخم السنوي نحو 8 %، وأدى ذلك نقص كبير في السلع الغذائية وارتفاع جنوني للأسعار، وبحسب مركز الإحصاءات الإيراني بوغت المتابعون بنسبة بطالة 12.4 % في السنة المالية الجارية، أي بارتفاع 1.4 نقطة مئوية عن العام الماضي. وكانت فئة الشباب من 24 الى 30 عاماً الأكثر بطالة بنسبة نحو 50%. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نصف الإيرانيين في أفضل الاحوال يعيشون على حافة الفقر، وأن نحو ثلثهم تحت خط الفقر المطلق.

إلى ذلك، تبنى الرئيس روحاني سياسات اقتصادية متقشفة طاولت الدعم المقدم للمواد الأساسية، وقام برفع أسعار الوقود، في حين لم يطبق السياسات نفسها مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وقد تفاخر قبيل أشهر بمضاعفة موازنة الحرس الثوري بنسبة 145% وزيادة دعمه الأجهزة الأمنية بنسب كبيرة. كما أطلق وعوداً كثيرة موجهة إلى الشعب، إلا أنه لم يحقق ولا 10% منها، وقد واصل التدخل في سورية والعراق ولبنان واليمن، وهذا هو ما ترفضه الشعوب الموجودة في جغرافية إيران تماماً.

ويرى كثيرون أن سبب إحباط آمال الشعوب في إيران يرجع إلى إعلان إدارة روحاني موازنتها السنوية المقبلة، التي خصصت عشرات أضعاف ما كانت تدفعه في السنوات الماضية للمؤسسات الشيعية السلطوية التي يديرها رجال النظام. كما أن من القضايا الأخرى التي كانت وراء انتفاض الشارع بروز طبقة مرفهة تسمى أبناء النخبة (آقازاده)، الذين يشغل كل واحد منهم عدة وظائف مربحة في آن؛ واحد بسبب نفوذ آبائهم في النظام.

وأما عن أسباب اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، فالذي يبدو أن هناك عدة عوامل وراء ذلك، أولها: أن الاقتصاد في إيران يعتمد على النفط (نفط الأحواز) بشكل شبه مطلق، وثانياً: ضعف البنية الاقتصادية، وأخيراً: إخفاق الاتفاق النووي في الوصول إلى حلحلة الأزمة الاقتصادية في إيران، إضافة إلى السلطة القمعية التي تعد من أهم اسباب هذه الاحتجاجات.
لقد أدى تراكم الضغوط الاقتصادية والنفسية -إضافة إلى مشكلات البطالة التي يعاني منها ما يزيد على 30% من الشباب من خريجي الجامعات، حسب الإحصاءات الرسمية- إلى انفجار مجتمعي وفردي دفع المواطنين إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج على أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

وأما ما يخص الوضع السياسي، فالسلطة الفارسية تواجه فيه عدة تحديات، منها: المعارضة الداخلية (أي صراع الاجنحة داخل النظام)، والمعارضة الخارجية الفارسية، والحركات الاستقلالية (الشعوب غير الفارسية المحتلة، التي تعد الخطر الأكبر على النظام في طهران)، وتتمثل في الحركات العربية (الأحوازية)، والكردية، والأذرية، والبلوشية، والتركمانية.
في المقابل، يحاول النظام أن يحافظ على الطبقة المتوسطة المرتبطة بالنظام السياسي اقتصادياً، لكنه على رغم ذلك بات بركائزه السياسية والاجتماعية والاقتصادية أمام خطر حقيقي؛ فالمراهنة على الطبقة الوسطى على مدار الأعوام الماضية أضحت غير مجدية لدعم النظام السلطوي البوليسي، ومن جهة أخرى فإن انهيار معدلات التدين في أوساط الشعوب في إيران -ولا سيما لدى الفرس- يشير إلى فشل الخطاب الشيعي في البلاد.

أخيراً، لقد أتت كلّ هذه التطورات نتيجة إحباط اجتماعي طالما كان عاملاً مهماً في إشعال فتيل الثورة واستمرارها، في ظل تزايد البطالة والفقر، واستيلاء الحرس الثوري الإرهابي على اقتصاد البلد، وصرف أموال الشعب على دعم الارهاب في الدول العربية؛ بهدف الاستحواذ عليها وتصدير الثورة إليها، إضافة الى حرص النظام الفارسي على الحصول على السلاح النووي، وكل ذلك يشكل العوامل التي سوف تفاقم الغضب المستمر، وتؤجج نار الاحتجاجات، لتوصل في النهاية إلى ثورة شاملة في المستقبل، وأعتقد أن الثورة الشاملة في إيران ليست سوى مسألة وقت فحسب.

التعليقات

2 تعليقان
  1. منذر جميل says:

    الجمهور الايراني امامه خيارات محدودة ابرزها سقوط الحكم الديني وصعود الفوضى و تمرد الاقليات او استمرار القمع و تشدد السلطة او تدخل خارجي

  2. فهد الخنين says:

    لن تهدأ الاحتجاجات الشعبية في ايران طالما هناك ظلم واستبداد وفقر في بلد يهيمن عليه نظام الملالي الذي يسرق قوت الشعب الايراني الفقير لينفقه على مشاريعه التوسعية والتخريبية في المنطقة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *