تقنية إسقاط المشاهير

موقع المثقف الجديد

يذكر الكاتب وليم غاي كار في كتابه أحجار على رقعة الشطرنج أن بعض اللوبيات تعمد إلى تشويه سمعة شخصية اجتماعية مشهورة لدى الفئة التي ينتمي إليها، من أجل أن يصبح منبوذاً لدى مجتمعه، ومن ثمّ يستطيع ذلك اللوبي الذي شوّهه منذ البداية أن يجذبه إليه، وأن يغريه بمحاربة الفئة الأصلية التي كان ينتمي إليها؛ بدافع الانتقام منها، من أجل أنها تخلّت عنه وصدقت كلام المغرضين فيه.

ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك بما حصل للكونت ميرابو مع طبقة النبلاء في فرنسا، وأن لوبي النورانيين الماسونيين هم الذين رسموا الخطة التي أدت إلى تحطيمه اجتماعياً، وأداروها:

يقول كار:

(أقدم النورانيون على الخطوة التالية بشأن ميرابو، فكشفوا له بعض أسرار عالمهم وضموه إلى منظمتهم الخفية بعد أن أقسم يمين الولاء (…) ولكنهم عمدوا في الوقت نفسه إلى زجه في أحداث وفضائح مشينة لم تلبث أن عممت على الملأ بصورة غامضة، بحسب الأسلوب الذي كُشف فيما بعد لتحطيم حياة شخص ما وكيانه بواسطة التشهير والتلطيخ المنظّمين، وقد طُبق هذا الأسلوب ضد ميرابو مما أدى إلى تلطيخه بالفضائح وإقصائه عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها: طبقة النبلاء. وكانت النتيجة الحتمية لتنكر طبقة النبلاء له، امتلاءه بالشعور بالحقد عليها ورغبته بالانتقام، ما دفعه إلى العمل بحمية لتفجير الثورة).

ويؤكد كار أن من التقنيات التي يُتوصل بها إلى تحطيم شخصيات المجتمع المرموقة استحداث منتجات ومنشورات الفضائح المحرضة، ثم التركيز منها في فضح الشخصيات التي يراد قتلها اجتماعياً.

ويروي الكاتب أن كالبسترو – الذي قدم من مدينة بارما إلى فرنسا باسم مستعار- (حوّل أحد منازل الدوق أورليان – التي لا يطاولها القانون – إلى مركز للطباعة، أخذ يصدر منه المنشورات التي تحرض على الثورة وتنشر الفضائح بصورة مثيرة، كما قام بتنظيم من المحرضين المدربين اختصوا بإقامة الاجتماعات والحفلات المسرحية الأدبية والخطابية والمواجهات العامة الموجبة ضمن نطاق حركة عامة تكلف بإلهاب الهيجان وإثارة المشاعر).

ويضيف:

(وقام كالبسترو أيضا بتنظيم شبكة من الجواسيس والعيون الذين بثهم في كل مكان لكي يسترقوا ويتنسموا رائحة الفضائح، فيقوم بدوره بإبلاغها إلى القوى الخفية الموجهة، لكي تقوم هذه بتنظيم وتخطيط عمليات التشهير المنهجية التي تستهدف القضاء على سمعة ضحاياها أو تحكم عليهم – بتعبير آخر – بالموت الاجتماعي، هذا وإن الرجال والنساء الذين يقعون في شباك دي لاكلو وبالسامو كانوا لا يلبثون أن يصبحوا فريسة للابتزاز والتهديد بالفضائح والتشهير).

إن إسقاط المشاهير الاجتماعيين أمام جماهيرهم قد لا يُراد به تحطيم هؤلاء المشاهير معنوياً أمام جماهيرهم فحسب؛ بل ربّما ينتهي الأمر بهؤلاء المشاهير إلى أن يقلبوا ظهر المجنّ لأتباعهم والمعجبين بهم فيما بعد، من أجل أنهم لم يقفوا معهم في أزمتهم، ولم يثقوا فيهم عندما عرضهم خصومهم للتشهير، وتلك تقنية قادرة على تجنيد المشاهير ضد أتباعهم، ودفعهم إلى الانخراط في صفوف خصوم الماضي، على الأقل في المدى الطويل، إن لم يكن على المدى القصير.

إن براءة الجماهير وطيبة قلوبهم تجعل نفوسهم قابلة لأن تتعرض للتضليل، بحيث إن العفوية التي يتلقون بها التشهير تجعلهم مهيئين لأن يكونوا حلفاء عفويين للقوى المتآمرة، ويعني كار بالشخص العفوي البريء: ذلك الإنسان العادي الذي يؤمن بالله وينعم بالأمن والخير، ومن أجل ذلك فهو لا يستطيع الاقتناع بأن ثمة مخططاً للشر والحقد والانتقام تضعه مخلوقات بشرية مثله وتعمل عليه، لكن الحقيقة أن إسقاط الرموز في قلوب محبيهم من خلال الحملات المفاجئة قد لا يكون سوى ظاهرة من ظواهر ذلك الشر الباطنيّ المستحكم.

 

التعليقات

6 تعليقات
  1. فواز ماجد says:

    للاسف عوام الناس عم من يسقطون حطبا للصراعات بين النخب بغض النظر عن نوعية تلك النخب

  2. عامر العلي says:

    تقنية اسقاط الرموز ان كانت تلك الرموز تؤثر على مصالح طبقات المجتمع المخملية ..وهذا ما حدث مع بعض رموز الثورة السورية

  3. مرعي طاهر says:

    هناك نوعان من المشاهير و تأثيرهم يختلف لكن الماسونية دائما هي من يصنع الرموز و الحديث هنا عن مشاهير افساد المجتمعات وليس العكس

  4. حمد الدريويش says:

    تعددت وسائل تشويه المشاهير عبر التاريخ لكن لم ينجح دائما ذلك التشويه الا مع اؤلئك الذين في سيرتهم ومسيرتهم نقاط ضعف يمكن استغلالها في حملات التشويه السلبية.

  5. خلف الشنيفي says:

    تقرير جيد ومن الملاحظ أن من اكثر الشعوب تقبلا لتشويه شخصيات المشاهير او الشخصيات العامة هم العرب لانهم عاطفيون جدا ويصدقون أغلب مايقال وينقل لهم عبر الاعلام او من خلال نشر الاشاعات المضللة .

  6. ابو ناصر says:

    اكثر الناس تعرضا للاساءات والتشويه هم الانبياء والرسل ومن ثم أهل الدين من الصالحين فقد كانوا هدفا لكل مناهض لدعوتهم ولكل من ينشر التوحيد و الحقيقة،ومن بعدهم استهدف الاشرار اهل الخير والانسانية ودائما وراء كل حملة تشويه صراع بين حق وباطل يؤججه الحسد والحقد

اترك رداً على حمد الدريويش إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *