النزعة اللاساميّة في التوراة المحرّفة

موقع المثقف الجديد

يؤكد العلامة أحمد ديدات رحمه الله أن الانحلال المنتشر في الفنون والآداب الغربية ليس منشؤه الآداب الوثنية القديمة، ولا هو جاء من الانحراف عن تعاليم الكتاب المقدس.

ويرى ديدات وباحثون آخرون في علوم الكتاب المقدس أن قصص النصوص التوراتية تعد من النصوص المؤسسة التي مهّدت لانتشار الأدب الإباحي في العالم. بل أن التأريخ التوراتي للأنبياء وسلاسل نسبهم هو الأرذل في تاريخ الكون!

فعلى حين يُعتقد لدى الكثير، أن البعد عن الكتاب المقدس هو ما يوقع أهل الكتاب في الرذائل. إلا أن الحقيقة هي أن الرذائل الموجودة في الآداب الغربية والتي تتناولها السينما العالمية، لها جذور في الكتاب المقدّس، كما هو مثبت في بحوث أكاديمية حول جذور الانحراف الخلُقي في الآداب الغربية، تشهد بأنها تعود إلى الآداب التوراتية التي امتزجت بالأساطير اليونانية- الإغريقية.

وعلى أي حال، فإنه كما جرى في الأساطير الإغريقية تصوير الآلهة الوثنية بصور مشينة، فكذلك جرى الأمر في كتب التوراة، لكن الأمر مختلف هذه المرة: فآلهة الإغريق خرافيون نابعون من خيالات شعرية، أما نصوص التوراة القديمة فهي قصص أنبياء ورسل بعثهم الله إلى عباده بالنور والهدى والحق المبين، وجرى اختلاق قصص بذيئة عنهم تضمنت إلصاق التهم بهم وبأبنائهم، وبعد تصويرهم  بهذه الصورة البشعة وترسيخ تلك الأكاذيب في الكتب المقدسة لا يُتصور أن تكون هذه الكتب إلا رافداً من روافد الإلحاد والرذيلة، على عكس من يتوهم أن الرذيلة جاءت من طريق البعد والتنائي عن هذه الكتب.

والمراد هنا أن نعرّف ببعض الصور الرذيلة التي التصقت بالشخصيات القدوات، من أنبياء وعلماء في العهد القديم، وبهذا يتبين لنا مقام النبوة ودرجتها في الكتب المقدسة عندهم.

ولا ننسى أن الأنبياء لا يقترفون الفسق فحسب في هذه النصوص المحرفة، بل إن النبي عندهم قد يرتكب الشرك الأكبر، وكأنما فاتهم أن النبي إن ارتكب الشرك فقد وقع فيما يثبت بطلان نبوته بطريقة قطعية.

ومن أمثلة وصفهم الأنبياء بالوقوع في الشرك في الكتب المحرفة، ما ذكروه في قصة هارون عليه السلام، عندما أراد الله أن يواعد موسى، وذهب موسى إلى الموعد، فاستبطأه قومه، وعبدوا العجل (في القصة المشهورة مع السامري)، وفي هذه القصة نجد أن العهد القديم ينسب إلى هارون أنه استجاب لبني إسرائيل وصنع لهم عجلاً يعبدونه، كما في سفر الخروج! حيث جاء أن هارون عليه السلام صنع عجل الذهب، وبنى له مذبحاً ورضي لبني إسرائيل أن يعبدوه! بل إنه جمع الحلي والأقراط من النساء ليصنع العجل!

فهل يوجد أعظم في الكتب المقدسة من إلصاقها تهمة الشرك بأنبياء الله؟

إننا لا ننسى أن القصة تورد أن العقاب على هذه الجريمة النكراء أُلصق بالسامري، ونجا منه هارون، وكأن هذه النصوص تريد أن توحي إلى قلوب أوليائها أن من كان من العرق السامي فيحق له كل شيء، حتى الشرك، لأنه من أبناء الله وأحبائه! وأما السامري فيُعاقب؛ لأنه ليس منهم! وهؤلاء اليهود يحتقرون السامرة من أجل أنهم عبدوا العجل، ولا يحتقرون هارون عليه السلام – حاشاه من ذلك- مع أنهم نسبوا هذا الصنيع الشنيع إليه في كتابهم؟ فما الحل؟ لا حلّ يرفع الالتباس في هذا الموضع سوى أن الحقيقة هي أن أحبار اليهود كذبوا على هارون عليه الصلاة والسلام، فهم يعرفون أنه لم يقترف الشرك، ولكنهم مع ذلك يكذبون عليه ويسوونه في العمل مع السامري الذي يحتقرونه أشد احتقار!

تلك هي الصورة التي تنقلها إلينا التوراة: نبي من أنبياء الله، من أحفاد يعقوب، وإبراهيم، العائلة التي اختيرت لصيانة التوحيد، ويصنع صنماً!

والله تعالى يأتي في محكم كتابه بما يزهق هذا الباطل زهقاً، فيقول تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم يبعثون).

وقال: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيماً).

وقال تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلاً جسداً له خوار).

وقال: (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فُتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري* قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى).

وأما هؤلاء فيقولون ما معناه: ولقد قال لهم هارون: اجمعوا لي الحلي وأنا سأصنع العجل!

ويذكر الله في كتابه أنه عندما أخذ موسى عليه السلام برأس هارون قال له: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري). ويجيب هارون: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي). وكذلك يجيب: (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين)، والظالمون هنا هم المشركون، قال الله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم).

وهذا الموطن من المواطن التي ينبغي للأدباء العناية بها عندما يتناولون قصص التوراة؛ بأن يقارنوا بين الروايات التوراتية والقصص القرآني، ليروا كيف ينظر هؤلاء، وكيف ينظر القرآن إلى أعاظم الأنبياء.

إن القضية خطيرة ولها علاقة بالتحريف، فإذا كان يُنسب إلى الأنبياء صنع الأصنام والإقرار على عبادتها فماذا يقال فيمن حرّف التوراة من أحبار اليهود؟ أو زنى بامرأة لا يعرفها من فسّاقهم؟

وبهذا؛ فإن التوراة نفسها تؤسس لـ(اللاّسامية) وتؤيدها؛ إذ إن أي شخص يريد معاداة اليهود فما عليه إلا أن ينظر إلى سير أنبيائهم في كتبهم، وهذا أمر تسلسَلَ عندهم، فلما رأوه متفشّياً أرادوا أن يعمموا الصورة، ثم بعد ذلك تناقضوا عندما وقعوا في مناوأة بعض مؤلفيهم الذين نسبوا الزنى إلى بعض الأنبياء أو بعض أولادهم، مثل هجومهم على براون في (شفرة دافنشي)، أو حملتهم على ساراماغو في رواية (الإنجيل يرويه المسيح)!

وإن هذا ليحيلنا إلى سؤال مهم: كيف يتهم هؤلاء خصومهم بـ(اللاسامية) وهذه سير أنبيائهم فيهم؟ ماذا لو قيل الآن في صحيفة مشهورة إن المنظمات اليهودية ينتشر فيها الزنى؟ ألن يُقال إنه معاد للسامية!

لكن ماذا لو أن أحداً تحدثت عن زنى الأنبياء والأحبار وأبناء الأنبياء؟ لا شيء!

ومن الأمر العجيب: كيف استطاع هؤلاء التوراتيون أن يعادوا النبي محمداً عليه الصلاة والسلام وهو من جاء في الكتاب الذي أرسله الله به كل هذا الثناء والتعظيم لأنبيائهم وذرياتهم؟

إن السبب هو أن القرآن ذم عصاة اليهود ومجرميهم، وأثنى على أنبيائهم، ولو أنه أشرَكَ الأنبياء في تهمة الفسق مع أتباعهم فلربما لما اعترض عليه معترض!

مثال آخر:

ففي سفر النبي هوشع وهو أول الأنبياء الصغار:

نجد أن الرب يأمر هوشع أن يتزوج من فلانة الزانية!

حاشا لله الذي قال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين)!

فكيف يترفع الإنسان الذي يعتقد أن التوراة كتاب مقدس عن زواج الزانية إذا كان الله أمر أنبياءه الأطهار بأن يتزوجوا زانية؟

وماذا نصنع لو أردنا أن نشكل شخصيات الأنبياء من خلال ما تصفهم به التوراة؟!

التعليقات

2 تعليقان
  1. نسمان عادل says:

    ما اشار اليه الكاتب سلفا بعملية تداخل متعمدة بين الحضارة الرومانية و الكتب المحرفة وهي حالة تشويه مارسها قياصرة روما لتشويه الرسالات السماوية…شبيه بما فعلت قريش مع الاسلام

  2. فريد العوهلي says:

    التوراة اليوم هي مجرد تاويلات لاحبار اليهود وتستخدمها الصهيونية فقط كوسيلة لجمع شتات اليهود تحت لواء واحد لتنفيذ اجندتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *