تطبيع الفاحشة بالكوميديا

..

موقع المثقف الجديد

الكوميديا فكرة ومتعة في قالب درامي منسجم، ويفشل أحدهما بفشل الآخر ضعفاً أو تكلفاً. غير أن فن الكوميديا يقدم نفسه للفكاهة والبهجة بنص أو حدث واقعي أو إبداعي، فهو في أصل إنشائه الأدبي يهدف للإضحاك الذي يبذل له الفنان جهده وذهنه في سبيل نيل رضا المتلقي، وإحراز الشهرة والمال، ولا يعدو كونه ساخراً هازلاً، والسخرية موقف نقدي مكتمل الحضور في وعي الجماهير التي تسعى للضحك ضد مستهدف محدد مقصود لذاته، حتى لو حضرت الجماهير خالية الذهن من الهدف والمستهدف، لكنها على أهبة الضحك الذي لا يخلو من التأييد والتصفيق، لا سيما إذا صادف هوى فكرياً أو سياسياً أو عقدياً، يعزز من الإزراء بخصم تقليدي، فالفكرة الضاحكة معلومة ناضجة صالحة للاستهلاك العقلي والشعوري، وتُغير القناعات إذا كانت عميقة عفوية، أشبه بمصادفة وعشوائية تقع على الإدراك وقوعاً رضياً منظماً، يصيب في مقتل.

 الكوميديا الفوضوية تشيع انطباع اللامبالاة بالفكرة إذا كانت اللفتة الإضحاكية طاغية على مجامع الحس، يتفتق لقبولها واحتضانها بكل رحابة، بوصفها حالة جمالية، وكل جميل طبيعي، وهكذا تنطلي هذه الثنائية على غفلة التلقي، وتعبر إلى القناعة، وتستقر في الممكن خلسةً، لكنها تتمكن كما لو أنها فطرية أو بدهية.

في وسائل التواصل الاجتماعي ازدهرت عبارات وطرائف ومقاطع مرئية تهدف إلى تسويق جهات أو أفراد، غايتهم جني المادة بشتى الوسائل المتاحة، حتى لو تجاوزت النظم الأخلاقية المرعية التي تضبط العلاقات ووحدة المجتمع وكيان الدولة ذاتها، وكانت تلك المحاولات التواصلية الإغرائية ناقصة في جماهيريتها، فطورت أدواتها لجذب المتابعين بابتكار تقنية تسويقية تجعل من المحظور طبيعياً، خلال تطبيع ماكر يُجري الممنوع مجرى الفكاهة التي أثبتت عبر تجارب تاريخية ممتدة أنها فاعلة في تعديل المواقف والآراء وبلورة أخرى، وترسيخها بنكتة تنطوي على مجازات واستعارات وكنايات، عمادها المتعة كوسيلة لتبليغ معلومة صحيحة أو زائفة.

الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أو يتّجرون بالشهوات، يسمونها بغير اسمها، ويعرضونها مادةً فنية أو إبداعية، تلتبس فيها الفكرة باللذة. وازدهر هذا اللون من اللبس في المسرح والأفلام العربية والمصرية تحديداً، ولها ممثلون صاروا نجوماً، وربما قدوات فنية قدموا أنفسهم في الدراما دعاةَ عدل وحق ومثالية، ثم استثمروا هذا الرصيد الشعبي والعاطفي لمزيد من الظهور وكسب المال في إنتاج أعمال ناضجة ورائجة، وفي طليعتهم الممثل عادل إمام الذي يزاوج في أدواره وشخصيته بين الفساد الأخلاقي والنقاء القيمي، وكيف اجتهد في المزاوجة والتأليف بين الشخصية الفاضلة والإباحية في تناعم ينطلي ولا ينطلي على المتلقي، فهو يدافع عن حقوق الضعفاء ويهاجم استغلال المساكين وفي ذات العمل الفني لا يتورع عن ارتكاب أفعال فاضحة وخادشة للحياء، ليبلور للمشاهد تصوراً منسجماً، ينفي أي تناقض بين ارتكاب المحرم الديني والعفة عن المحرم القانوني.

تلك كانت نواةً مركزية انداحت إلى مدارات، شملت تلك العمل الكوميدي، سوغت لهذا الفنان المخلص الانسانية أن يفعل ما يشين من أفعال جنسية مستنكرة، في قالب يهدف إلى بعث نشوة وبهجة وسرور عبر نكتة تتجاوز طبيعتها الكوميدية البريئة إلى تبرير فكرة حسية غير بريئة.

المقاطع المرتجلة الخادشة في وسائل التواصل الاجتماعي وريثة طبيعية لدراما السينما والمسرح، حيث تفشّت مشاهد أو لقطات متحركة مركبة تطعّم الرسائل المنحرفة بمتعة الكوميديا التي قد تُصنّف على أنها حيادية وبريئة في ذاتها، حتى لو زاوجت فنياً مع اللقطات المخلة بالدين والخلق، لا سيما المرئيات القصيرة التي تصور الشذوذ في أوساط الشباب، حيث يقدم المقطع مشهداً مثيراً للشهوات، يستبطن دعوة كاملة أو منقوصة للمشاهدة والاستمتاع بمقطع يحرض على الشذوذ ويختم المقطع الماجن بلقطات كوميدية بانورامية أو بحروف القهقهة (ههههههه)، تهوينا من شأن الفاحشة ودواعيها، مستغلين براءة الضحكة في تطبيع بشاعة الشذوذ، وكأن البراءة تمد في هذه الثنائية لتشمل الشذوذ ذاته تحت طرح وعنوانات جديدة، (الشذوذ البريء) أو (الفاحشة الهازلة) أو (كوميديا التحرش).

الكوميديا الشذوذية تلقى قبولاً عن شرائح تستمع بالمضحكات، وتبحث عنها للترويح عن النفس، أو ترحيباً خفياً بمضمون يأخذ مشروعيته في الانتشار كفن أو إبداع سريع وخاطف، يمثل الثقافة الكسولة التي ينمو داخل كسلها حب الشهوة الكوميدية والكوميديا الشهوانية، وتنجح عندها محاولة تطبيع الفاحشة الكوميدية.

التعليقات

4 تعليقات
  1. ام سعود says:

    مع شديد الاسف اغلب الكوميديا المنتشرة اليوم هي من نوع الكوميديا التي بلا طعم او لو او رائحه هدفها الاول والوحيد جني المال بالهرج والمرج ومما لافائدة منه.

  2. فارس السلوم says:

    انتشرت في السنوات الأخيرة هذه الأنواع من الكوميديا الرخيصة لأسباب عدة منها..لقائها القبول عند البعض ولعدم وجود كتاب محترفين للكوميديا الهادفه بسبب صعوبة كتابتها فأضحاك الناس ليس بلأمر السهل وأخيرا وجود منابر اعلامية باتت منبرا لكل عمل كوميدي هابط لاقيمة له .

  3. سلطان الشمري says:

    انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس ودورها الكبير في شهرة البعض من الطامحين للشهرة والانتشار ساهم في ظهور الكوميديا الفوضوية التي تقدم كل رخيص لجلب الضحك فقط وهذا شيء مؤسف في مجتمعات اسلامية ينبغي ان تنأى بنفسها عن هذه السفاسف لكن مما يحزننا أن هذا الزمن هو زمانهم وقد وفرت التقنيات الحديثه قنوات لكل من هب ودب ليعرض استهبالاته وخبالاته للناس بمسمى انه يقدم الفن الكوميدي.

  4. سلطان الشمري says:

    ظهور الكوميديا الفوضوية التي تقدم كل رخيص لجلب الضحك فقط وهذا شيء مؤسف في مجتمعات اسلامية ينبغي ان تنأى بنفسها عن هذه السفاسف لكن مما يحزننا أن هذا الزمن هو زمانهم وقد وفرت التقنيات الحديثه قنوات لكل من هب ودب ليعرض استهبالاته وخبالاته للناس بمسمى انه يقدم الفن الكوميدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *