أسرع إبادة جماعية في التاريخ

موقع المثقف الجديد

يمتاز أدب السرد التسجيلي بأنه يوثّق الوقائع ويسجّلها تسجيلاً دقيقاً، ثم يرويها بطريقة أدبيّة دقيقة، لا تسقط من الحقيقة شيئاً، ولا تزيدها بالتصوير الفني إلا وضوحاً وجلاءً.
ومن بين مؤلفي هذا النوع من الأدب الأمريكي تشارلز بلغرينو، الذي يحمل دكتوراه في علم الأحياء، وصمم أنظمة دفع نووية لرحلات الفضاء، وقدم عدة إسهامات إلى مجلات علمية عالمية، من بينها ساينس وسميشسونيان.

وقد كتب بلغرينو كتاباً (ترجمه مروان سعيد الدين وطبعته الدار العربية للعلوم ناشرون) يصف فيه انفجار القنبلة النووية في هيروشيما، بعدما ذهب إلى المنطقة وصوّرها تصويراً دقيقاً، وزار المنازل والمنشآت المدمرة، وأخذ شهادات الأهالي وذوي القتلى، وأرفق كتابته بتراجم الأشخاص وخرائط الأماكن التي كتب عنها.

ويقول بلغرينو:
(كان لا بد من وجود شخص يقف تحت نقطة الصفر – أي نقطة سقوط القنبلة – كانت هذه المنزلة الغريبة من نصيب أرملة تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً وستة رهبان. كانت السيدة أوياما قد أرسلت ابنها نينكاي إلى المدرسة قبل نصف ساعة من الموعد المعتاد؛ لهذا السبب سجل التاريخ أن ذلك الفتى هو الناجي الوحيد من سكان الحي. كان منزل أوياماً مجاوراً لمعبد بوذي تشترك معه الأسرة في حديقة خضراوات كبيرة، وتشاطره الاعتناء بها. عند الساعة 8:15، كانت السيدة أوياما على الأرجح تعمل في الحديقة مع جيرانها، جرياً على عادتهم كل صباح، لم يكن أي شخص أقرب إلى نقطة الصفر الحقيقية، او أكثر انكشافاً في العراء، من السيدة أوياما والرهبان.

فوقهم، قبل أن تهبط كرة من الغاز المؤين إلى مستوى الأرض، التقطت المليمترات العليا من غلاف القبة المعدني أشعة القنبلة فذابت مباشرة، ثم تبخرت. كان الآجر والإسمنت أيضاً على وشك أن يتحولا إلى قشرة مشعة سائلة.
بخلاف الرجل الذي يقود حصاناً على جسر “تي القريب، لم يكن في وسع السيدة أوياما أن تترك ظلاً على الأرض. منذ اللحظة التي بدأت الأشعة تمر في أثنائها، بدأ نقيّ عظامها يتأثر درجة حرارة تزيد على نقطة غليان الماء خمسة أضعاف. توهجت العظام نفسها مباشرة، وانسلخ كل لحمها في الوقت نفسه عن هيكلها العظمي ونزل إلى الأرض مرغماً كغاز مضغوط. في أول ثلاثة أعشار امن الثانية التي تلت انفجار القنبلة كان معظم الحديد قد انفصل عن دم السيدة أوياما، كأنه في مصفاة ذريّة. اخترقت مثل تلك التركيزات العالية من الحديد مليمترات قليلة من التربة، في أثناء تحوّلها على عشب منصهر؛ ولو أن الطبقة البنية – المخضرة من الزجاج بردت ببطء – لكانت أخفت تحتها ملاءة من الفولاذ المكربن، لكن تبريداً بطيئاً وثابتاً لم يكن ممكناً. بحلول وقت وصول صوت الانفجار إلى ابنها نينكاي على بعد كيلومترين، كانت كل المواد التي يتشكل منها جسد والدته، بما في ذلك الحديد الذي يحمله الدم والعظام الغنية بالكالسيوم، تصعد نحو الطبقة العليا من الغلاف الجوي لتصبح جزءاً من العواصف الرعدية الإشعاعية الغريبة التي طاردت نينكاي وناجين آخرين.

في الجانب الآخر من البلدة، على بعد نحو أربعة مبان سكنية خلف منزل أوياما والرهبان، كان توشيهيكو ماتسودا على وشك أن يترك أثره على جدار حديقة والدته. بدا أنه ينحني إلى الأسفل ليلتقط ثمرة فاكهة أو ينتزع عشبة ضارة. في أجزاء آتية من ألف من الثانية، سيحمل الجدار خلف توشيهيكو ظله إضافة إلى خيالات مبهمة للنباتات التي تحيط به (والتي زوّدت جلده بدرجة صغيرة من الحماية ضد الوميض).
على طبعات الجدار في لحظة انفجار القنبلة يمكن رؤية ظل ورقة كانت قد انفصلت للتو آنذاك عن كرمة، وبالرغم من سقوطها إلا أنها لم تصل إلى الأرض قط).

ويتابع:
(بعد جزء من عشرة آلاف من الثانية، بدأ الهواء يمتص الانفجار ويحتويه. تحول الجول المحيط به إلى ثغرة متسعة من خواء كامل تقريباً، تبتعد عن المكان الذي انفجرت فيه القنبلة، وتكوّن تجويف من غاز مؤيّن على طول جدران التجويف، نشأ عن رذاذ النيترون موجة كبيرة ثانية من أشعة غاما. بحلول ذلك الوقت كان الومضين الأصلي قد غطى دائرة قطرها 30 كيلومترا (نحو 18 ميلاً)، والضوء بدأ يصل إلى الأجهزة العصبية في صغار القريدس التي تجثم في قعر مرفأ هيروشيما.

تحت مركز الانفجار، كان الدم في دماغ السيدة أوياما قد بدأ يغلي آنذاك، وعلى وشك أن يتبخّر. ما اختبرته كان إحدى أسرع حالات الموت في تاريخ البشرية. قبل أن يستطيع أي عصب الإحساس بالألم، اختفت هي وأعصابها عن الوجود. على بُعد بضعة مبان سكنية عاش توشيهيكو ماتسودا والنباتات التي تحيط به وقتاً أطول. على بُعد شعاع يبلغ عشرة مبان سكنية، كانت الأسماك والسلاحف التي تسبح تحت سطح برَك قلعة هيروشيما لا تزال حية في اليوم الثاني؛ أصيبت بالعمى قبل أن تستطيع حراكاً أو تسعى إلى مياه أعمق، وذبلت الحراشف على ظهورها).

يقول بلغرينو في بداية كتابه:
(هذه ببساطة قصة ما حدث للبشر والحجر تحت القنبلتين، وقد كتبتها على أمل ألاّ يموت أحد بهذه الطريقة مجدداّ).
ويؤكد توثيقه التام للحدث مع اختصاصه العلمي فيه بقوله:
(لأن كثيراً من الأسماء التي تظهر في هذا الكتاب تتشابه تماما وقد تبدو متطابقة، فقد ضمّنت ملخصات موجزة مرتبة أبجدياً عن سيَر حياة شهود العيان الرئيسين في هذه الحكاية، لتكون مراجع تاريخية)

التعليقات

2 تعليقان
  1. سليم نور says:

    بيل هاربير وهجوم هيروشيما بررتهما السينما الامريكية بما يتوافق مع مصالحها…لكن الحقيقة تكشف ان امريكا مجرد جيش ينشر العربدة و الغطرسة في العالم ليس لديه اي منظومة قيم

  2. وليد العمر says:

    الى يومنا هذا تبقى المدينة شاهد على تلك الكارثة ورغم ذلك تجد العالم يصدق اكاذيب الهولوكوست و يرفض التعاطف مع ضحايا واشنطن لان التاريخ يرويه المنتصر دائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *