حكماء تويتر

موقع المثقف الجديد

(الحكمة ضالة المؤمن، أنّي وجدها فهو أحق بها)، تلك قاعدة نبوية، لا تنطق عن الهوى، تعرّفنا على ما نجهل، أو ترسخ ما نعتقده بلغة سامية، لا يرقى إليها تعبير، تنطوي على تجسيم الحكمة في حجمها العملاق، وتراميها في الحاجة الإنسانية، أن المؤمن يعفي أثرها كـ(الضالة)، وهي الممتلك الثمين المفقود، وكأنها بضعة من إيمان، لا إنسانيته فقط. والحديث يصور الحركية الدؤوبة الحثيثة التي يبذلها المؤمن لبلوغ الحكمة المفقودة؛ لأنها ثمينة ونفاستها رصيد له، يميزه عن أقران ونظراء طلبوها، ولم يدركوها، ففقدوا قيمة جليلة أدركها من أدركها، وهو أحق بها كما أكد عليها المعصوم – صلى الله عليه وسلم –، فأحقية الواجد ضمانه نبوية، تدخل حوزته مكتسباً، لا ينازعه إلا من هو على مثاله من طلاب الحكمة المتنافسين للفوز بها.

إذاً، الحكمة تفردٌ ومظنة كمال، والمتصف بها يضفي هالة نورانية على منطوقة لفظاً ومعنى، يجذب السامع إلى سرّ جلي وسر خفي، وكأن الحكيم المطبوع أو المصنوع ذو صلة خاصة بالغيب شأن العرافين والكهنة في الجاهلية أو الفلاسفة والمتأملين وشيوخ العلم والتجربة الذين تُثنى في حضرتهم الركب، لتلقّي المعلومة الغضة ومعطياتها ونتائجها على صفحة الذهن وجريانها على الأرض.

التاريخ يبرهن على تفوق طبقة الحكماء على نظرائهم في الإنسانية، تفوقاً سيادياً معنوياً، لكنه واقعي، يتمظهر في الطبقية والتصنيف الاجتماعي والهالة وذيوع الصيت والحفاوة التي تحاط بالناجحين منهم، لا سيما في عصرنا هذا بعد أن تطورت مادة الحكمة إلى الإرشاد الضروري الذي يحتاجه الناس في يومياتهم أو طموحاتهم، وإن أخذ منحىً جديداً، أو مسمى مغايراً ك(متخصص) في الشأن أو المجال الحيوي العقلاني، ويبقى عالم الشريعة محط اهتمام واحتياج الناس اهتماماً في الشأن أو الجمال الحيوي العقلاني ويبقى عالم الشريعة محط اهتمام واحتياج الناس، اهتمام يتخطى السؤال عن الحكم الشرعي إلى الحكمة العملية في التعامل مع أزمات اجتماعية وعائلية، يتعذر حلها إلا بحسن تدبير و(حكمة) عميقة المصدر والمتن والهامش.

مجد الإجابة على السؤال يرتب ثنائية السائل والمسئول إلى العالم والجاهل، وما يفرض هرمية تفرض فوقية طبيعة للموئل أو المحتاج إليه، وكلها بفضل حكمة سعى الحكيم في كد وجهد إلى تحصيلها، طارحاً الدعة والخمول، فكان حقيقاً بهذه المنزلة.

تويتر مجال تنافس معلوماتي وإبداعي، محكوم بالحروف ذوات العدد، وفي قلة الكلمات تمتحن المواهب، والبلاغة الإيجاز، كما قال الحكيم العربي. ومن يتابع تويتر يصادف أغراضاً كتابية محدودة، من جملتها الخبر الأصم، والتعليق الهادف المباشر، أو التنظير الضروري المشروط بدقة الكلمة والصياغة وأناقة التركيب الذي يحاكي متانة البناء التراثي، مقروناً ببساطة العربية العصرية وجاذبيتها، فكان مركباً رقراقاً، لا سيما إذا احتمل معنى جليلاً ومدهشاً وجديداً على الذاكرة والذوق.

أرقى التغريدات تنطوي على عبارة تفاجئ الوعي، أوتصادق على قناعة مهملة في ذاكرته، تنعشها ويباركها القارئ، ويستفد بها، وينتمي إليها، ويتعصب لها بإعادة تدويرها، أو إذاعتها في أوساطه عنواناً إنسانياً فريداً، لا يند إلا عن ذكاء ثقافي، أو خبرة ثرية، وكلاهما مجد يهيئ القائل الحكيم إلى حضور أكثر في اختيارات الناس، وتسمو حكمته تويترية إلى جواب على سؤال لم يطرح، أو حل لمشكلة لم توجد بعد، كما أن الحِكم لا تخلو من موسيقا خارجية، فكثير منها قائم على هيكل الجملة الشرطية، أو ترادفية جُمل، أو تبادل في مواقع الكلمات أو جناس أو أحد فنون البلاغة الإمتاعية، فتوافر في الحكمة جمال الصدفة الذي لا يتأتى لكل أحد.

تماس المغردين مع الحكمة يتجلى في ثلاثة مظاهر: إعجاب بها وإيرادها للتمثل وإعادة نشرها مع عزوهما إلى قائلها أو مغردين يتماهون معها ويتلبسونها ويجرون تبديلاً طفيفاً في بنيتها لتعديلها أو حرفِ مؤداها باتجاه قيمة ثقافية موازية أو معاكسة، مع عزو خجول للقائل لتخفيف أثره في فعل التلقي، أو مغردين يسطون سطواً ملثماً على المقولة الحكيمة، ويغتصبونها مع أقواسها وتمام تركيبها، بوصفها أدباً مشاعاً وكلأً مباحاً، ترعى فيه ماشيتهم دون رادع من ضمير، بحيث لا يذيلونها بمبدع الحكمة، فيظن الظان أنها وحي، وهم الذين لم يُعرف عنهم حكمة في قول أو فعل، بل يبلغ بهم التبجح أن تترى التغريدات المتفاعلة بأعجاب بالغ، التهنئة تلو الأخرى، والثناء على عبقرية السارق، ثم لا يرفّ له جفن منتشياً بهذا الاحتفال، دون أن يدلي بأي تنبيه أو تصويب بأنها من مقوله لا من منقولة، منغمساً حتى أذنيه في مجد الحكمة والحكيم، يتقمص فرادة ابن القيم والجاحظ والتوحيدي والعقاد وخليل جبران، متحيناً زمن تويتر، ومكانه، ليكتشف نفسه (من هو وما هو)، وهل هو أهل للتفكير والهبوط بالفكرة إلى لغة هو أهل لصياغتها، لتقود القراء، ويكون له شرف القيادة والهداية إلى (ضالة المؤمن).

التعليقات

4 تعليقات
  1. ابن الديرة says:

    يفترض وضع قوانين صارمة لمحاكمة من يسرقون النصوص من كتابات الاخرين دون الاشارة للكاتب او للجهة التي اخذت منها ..لان سرقات تويتر زادت وانتشرت وينبغي محاسبة السارق على سرقة فكر وجهد الاخرين

  2. سعود الباتل says:

    السرقات الثقافية قديمة جديدة كان قديما يصعب اكتشافها أما الان فهي بات الكشف عنها سهل جدا عبر وسائل البحث المتاحه ..التي تكشف لنا زيف من يسرقون جهود الأخرين بدون اي اشارة على انها لهم .

  3. مازن اليافعي says:

    للاسف السرقات و النسخ واللاصق حول تويتر لفوضى و كارثة ثقافية ولا يوجد حل لهذه المعضلة إلا عبر توثيق الحسابات

  4. ولد الديرة says:

    هذه الظاهرة تشبه ظاهرة شراء رسائل الماجستير و الدكتوراه البعض فارغ يحالو بناء شخصيته عبر التسلق على ظهور الآخرين وهذه الظاهرة لدى العرب كبيرة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *