حينما يلتقي الضحية والجلاد عند الطبيب النفسي!

..

موقع المثقف الجديد

لا شك أن التعذيب الجسدي يترك آثاراً شديدة على الضحايا الذين يتعرضون له، ما في ذلك من ريب.

لكن…

هل يمكن للتعذيب الجسدي أن يتحول إلى عذاب نفسي للجلاد وللضحية في الآن نفسه.

في الكتاب الأشهر للفرنسي فرانز فانون (معذبو الأرض)، الذي ألفه حول مقاومة الشعب الجزائري، يتحدث الكاتب – وهو طبيب نفسي – عن حالة مرضية غريبة مرت به، وهي لشرطي أوربي مصاب بهبوط نفسي، والمفارقة الغريبة هي أن هذا الشرطي الفرنسي يلتقي في بيئة المستشفى بأحد ضحاياه، وهو مواطن جزائري تعرض للتعذيب الشديد، وأصيب بالخبَل من جراء ذلك.

ويشرح فانون أن الشرطي الفرنسي عمره 28 عاماً، وهو متزوج وليس له أولاد، وكان يبحث عن وسيلة للإنجاب من دون أي جدوى، وقد أرسله رؤساؤه من جلاوزة الجيش الفرنسي إلى المستشفى من أجل اضطرابات في سلوكه.

كان الشرطي الفرنسي قد شرع منذ أسابيع في إغلاق النوافذ قبل النوم، على رغم الحر الخانق في الجزائر، وذلك يسبب اختناق زوجته من شدة الحر، كما أنه يضع في أذنيه قطع القطن حتى يخفف من حدة الصرخات التي كان يسمعها، كما يرفع صوت المذياع ليلاً أو الموسيقى، حتى لا يسمع صرخات المعذبين التي تخترق سمعه في جوف الليل البهيم.

لقد أُلحق هذا الشرطي منذ أشهر بفرقة لملاحقة المقاومين الجزائريين، وكان يراقبهم في المقاهي وبقية الأماكن، ثم بعد ذلك أتيح له أن يعمل في الاستجواب.

ومن العجيب أن الشرطي الفرنسي كان يشكو للطبيب فانون من أن الجزائريين ليست لديهم رحمة!

لكن لماذا؟

يجيب الشرطي الفرنسي:

ليست لديهم رحمة بنا، لأنهم لو كانت لديهم رحمة لبادروا إلى الاعتراف بدلاً من أن يعذبونا بصراخهم في أثناء انتزاعنا المعلومات منهم!

ويضيف الشرطي الفرنسي:

كيف نشرح لهم ذلك، إنهم يجيبون بقولهم: لا أعرف، وإذا سألتهم عن أسمائهم يقولون: لا أعرف، وإذا سألتهم عن مساكنهم يقولون: لا أعرف. وعندئذ لا بدّ لنا من العمل (يعني التعذيب)، ولكنهم يصرخون كثيراً، وهذا الأمر كان يضحكني بادئ الأمر، لكنه أصبح يزعجني ويقض مضجعي.

ويستمر الشرطي الفرنسي في الشكوى: كما أنهم يغيرون أساليب الصراخ، فالفتى حين يُلطم بالمطرقة يصرخ، وإذا ظل ساعتين معلّقاً من قبضته أصبح له صوت آخر وبعد المغطس يكون له صوت ثالث، وهكذا دواليك، وعندما يحين وقت الكهرباء يصبح صراخه أمراً لا يطاق.

يقول الدكتور فراز فانون إنه منح هذا الشرطي المريض إجازة مرضية، وأخذ يعالجه في بيته، ولكنه جاء ذات مرة أثناء غياب الطبيب وطلبت منه زوجة الطبيب الانتظار، لكنه خرج، وبينما كان الطبيب عائداً إلى منزله التقى به، ووجده طريحاً إلى جوار شجرة، مرتجفاً، ومبللاً بالعرق، وهو يعاني نوبة من التوتر الشديد. فأركبه الطبيب في سيارته ونقله إلى بيته، ولما وصلا المنزل أخبره الشرطي بأنه التقى بواحد من الضحايا الذين كان يعذبهم.

وبعودة الطبيب فانون إلى المستشفى وجد أن الموظفين اكتشفوا أن أحد المرضى الجزائريين قد اختفى، ثم اكتشفوا أنه كان يحاول الانتحار لدى المغاسل، لأنه لما رأى الشرطي الذي كان يعذبه في المشفى ظن أنه جاء ليقبض عليه ويعيده مرة أخرى إلى زنازين التعذيب!

التعليقات

4 تعليقات
  1. نواف السويلم says:

    صدقوني ان المحتل عبر التاريخ كان اكثر تأزما فكريا ونفسيا ممن احتل ارضهم وبلادهم لانهم بما يفعلونه يجلبون على انفسهم الامراض النفسية العديدة ولعل هذا ما ثبت مؤخرا مع الاف الجنود الأمريكيين العائدين من افغانستان والعراق.

  2. حسن الصهيل says:

    قصة جميلة معبرة عن جرائم المحتل وما يتركه الاحتلال من اثار مأساوية على الشعوب ولعل من ابرزها المعاناة الكبيرة لاهلنا في الجزائر عبر عشرات السنين من الاحتلال الفرنسي لبلادهم والذي اضافة لكونه نهب البلاد ودمرها ..ساهم بشكل كبير بتدمير أجيال كاملة من هذا الشعب العظيم مما ادى لنشوء أمراض نفسية خطيرة تجذرت هناك بسبب هذا المحتل الغاشم

  3. محمد شرادة says:

    اعتقد أن الاستعمار الفرنسي اقذر استعمار مر على تاريخ الامة فهو نشر الفوضى والقتل فقط

  4. نعيم ماجد says:

    للاسف الجزائر اليوم تسخر كل ثرواتها لخدمة الاقتصاد الفرنسي رغم كل معاناة الشعب الجزائري …حكومة فرنكفوتية عميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *