خلل في كتاب النبوغ المغربي

موقع المثقف الجديد

لا يزال عدد غير يسير من المحلقين في فضاء الأدب العربي يتواصون بكتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي لمؤلفه الأديب عبدالله كنون؛ لريادته، وشموليته، وسهولته، وحُسن عبارته، وغزارة محتواه. وقد صنفه المؤلف بعدما رأى إهمال منجزات المغرب في كتب الأدب وتاريخه، (حتى إن تونس والجزائر وتلمسان وغيرها من المدُن قد تُذكر، ولا يجري ذكر فاس ومراكش بحال من الأحوال)، كما يقول في افتتاحية كتابه.

إلا أن الكتاب لم يخلُ من مآخذ تستحق التنبيه عليه، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

  • أن مؤلف الكتاب ينظر إلى التاريخ المغربي بعامه نظرة إيجابيّة، فهو يكاد لا يذكر شخصية تاريخية من الشخصيات الكبرى المؤثرة إلا ليكيل لها الثناء، أو يلتمس لها المعاذير، أو يغض الطرف عن أكثر جرائمها ومثالبها، وأقرب مثال إلى ذلك تسامحه الشديد مع شخصية المهدي بن تومرت، الذي وصفه بأنه (صاحب فكرة إصلاحية عمل على تنفيذها بالوسائل المألوفة قبل أن يكون طالب مُلك يرتكب كل محظور للحصول عليه، وبذلك تعلم أنه فوق ما تُقُوِّل عليه ورُمي به من التلبيس وعضائه الأمور)، مستشهداً لذلك بما ذكره ابن خلدون في مقدمته. ومحل النقد هو: كيفَ يوصف شخص بأنه طالب مُلك يرتكب كل محظور للحصول عليه، ثم يوصف بعد ذلك بأنه فوق ما يوصف به من عظائم الأمور؟! وكيف يصلح أن يعد ابن تومرت رجلاً صالحاً مصلحاً وإنما كانت فكرته قائمة على ادعاء العصمة، وعلى أن كل من لم يقر بأنه من المعصومين فهو حلال الدم!

 

  • أن المؤلف يدعي لبعض أصحاب الطرق المنحرفة سلامة العقائد، مثل وصفه ابن تومرت بقوله: (وكذلك فعل في تأليف المرشدة، وهي عقيدة خالية من البدعة)! وقد أهمل المؤلف حقيقة ابن تومرت المتواترة التي تصدح بها كتب التأريخ والتراجم، ومن ذلك ما ذكره المراكشي، ونقله عنه الذهبي، من أنه ادعى المهدوية، واستمال الناس إليه، وألّف لهم عقيدة وصفها بأنها أعز ما يُطلب، ووافق المعتزلة في شيء، والأشعرية في شيء، ومال إلى التشيع.

 

  • أورد المؤلف في قسم المختارات الأدبية مجموعة من الأوراد والأحزاب الصوفية الخرافية البدعية، مثل ما يسمى: الصلاة المشيشية، التي لا تختلف روحها ووقعها عن الصلوات البدعية التجانية، مثل: جوهرة الكمال وغيرها، بل زادت على الأوراد التجانية باحتوائها على عقيدة وحدة الوجود، مثل قوله: (وزجّ بي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها). وكذلك الشأن في إيراد المؤلف حزب الشاذلي الكبير، الذي زكّاه بأنه (يشتمل على أدعية وأذكار ذات نفَس صوفي عالٍ، ونزعة فلسفية رائعة)! مع أنه يحوي عبارات غريبة مثل قوله: (وقدسنا بها عن كل وصف يوجب نقصاً مما استأثرت به في علمك عمن سواك)، وقوله: (نسألك الفقر مما سواك، والغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك)، وقوله: نسألك جلابيب العصمة في الأنفاس واللحظات). وقوله: (اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، وحكمتَ عليهم بالفقد حتى وجدوا، فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذُلاّ تصحبه لطائف رحمتك)، ومثل قوله: (فأغننا بفضلك عن سؤالنا منك)، إلى آخر ذلك، مما ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على نظيره من الكلام في رده على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق.

 

وبعد، فإن كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي يعدّ من كتب الأدب العربية القيّمة التي أُلفت في هذا العصر، إلا أنه مع هذه الحال لا يصلح لأن تُستمد منه حقيقة تاريخية بالاعتماد عليه، ولا لأن يُكتفى بحكمه على النصوص من الناحية النقدية، لأنه قصد نقل جوانب مشرقة من تاريخ المغرب وآدابه، ولم يحرص على التدقيق والتمحيص والتفريق في بعضها بين الخالص والمزيف، والجيد والرديء.

التعليقات

2 تعليقان
  1. نضال العمور says:

    الكاتب يعبر عن اتجاه فكري وثقافي سائد في المغرب العربي، و عملية تصدير الاحكام حول النبوغ و الفشل او السقوط دائما مرتبط بمرجعية الكاتب

  2. حمود الجبر says:

    انا مع غربلة كتب التراث واعادة دراستها من قبل جهات علمية مختصه ليتم تمحيصها واختيار الافضل من بينها وتنقيتها من الاغلاط وما دخل فيها من شوائب في الجوانب العقدية او التاريخية او غير ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *