الخلط بين الاتجاه الإسلامي والشعوبي

..

موقع المثقف الجديد

لا شك أن الانتماء إلى الأحزاب لا يزال موضع جدل في أدبيّات السلفيّة العلميّة، حتى إن بعض المتعاطفين مع التيارات التي ترى أنها تحمل توجهات إسلامية صحيحة يصرّحون في كتبهم ورسائلهم برفض إنشاء الأحزاب السياسية أو المطالبة بها في الدول التي لا يتوافق ذلك مع دستورها على الأقل.

وفي كتاب العلامة بكر أبوزيد رحمه الله المسمى (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية) أوضح أنه لا حزبية في صدر الإسلام، وإنما كان المسلمون جماعة واحدة على منهاج الكتاب والسنة، تحت حكم إمام واحد، ثم بعد ذلك حدث انشقاق الفرق البدعية عن جماعة المسلمين، وبقي أهل السنة هم السواد الأعظم، ولهم كيانهم المستقل، متآخين على منهاج النبوة، الكتاب والسنة، ينتظمهم إمام ذو شوكة ومنعة، ومن شذّ عنهم كان مفرقاً لجماعتهم.

ومن أجل ذلك أصدر أبوزيد حكمه الذي يقتضي ما مفاده أن المسلم إذا كان في ولاية إسلامية فيها إسلام، وجماعة مسلمين على المنهاج السلفي الصحيح، وحاكم مسلم لم يظهر منه كفر بواح، فإنه لا يجوز له تفريق جمع المسلمين بإيجاد حزب إسلامي، أو جماعة إسلامية على الأرض التي حالها كذلك؛ لأن في ذلك شقاً للطاعة وتفريقاً للجماعة.

هذا أمر يكاد يكون مفروغاً منه في أدبيات السلفية العلمية فيما يتعلق على الأقل بالدول المسلمة التي تحكمها أنظمة ملكية أو مشابهة لها، وهذا الأمر ثابت ومستقر في الخطاب الفقهي حتى لدى بعض من يوصفون بأن لديهم ميولاً وتعاطفاً مع الحركات أو الأحزاب الإسلامية في البلدان الأخرى.

لكن ثمة إشكالية أخرى، فنيّة، أو لنقل إنها متعلّقة بالأمانة العلمية، وهي محاولة بعض المنسوبين إلى الفكر المضاد للفكر الحركي نسبة تهمة (الشعوبية) إلى جميع من لديهم ميول حركية إسلامية.

وتحاول هذه الشريحة من المهتمين بالواقع العربي المعاصر – وهي شريحة متوافرة في التيار السلفي والتيار القومي والتيار الليبرالي على السواء – أن توحي بأن الإسلاميين لا يريدون حكماً إسلامياً، وإنما هم في حقيقتهم شعوبيون معادون للعروبة.

ويستشهد بعض هؤلاء ببعض الكتب التي تحاول نشر هذه الفكرة، والحقيقة أنها فكرة وجدت بيئة خصبة لدى بعض المؤلفين بعد منتصف القرن الميلادي الماضي، كما نراه في كتاب الليبي محمد رمضان الذي يحمل عنوان (الشعوبية الجديدة)، هو كتاب يستشهد به بعض المثقفين بهدف الربط بين الشعوبية والتوجه الإسلامي الحركي!

والحق أن هذا مطلب في غاية التكلف، لأن الفكر الإسلامي إنما يعادي الاتجاه العروبي القومي، وليس معادياً للعرب، وهذا ليس سراً، فقد كان هذا هو اتجاه الساسة والعلماء المخالفين للتيار القومي، الذي بلغ من تطرّف بعض أدبيّاته أن انتشرت فيه شعارات من بينها هذا البيت الشعري القائل:

سلامٌ على كفرٍ يوحّد بيننا… وأهلاً وسهلاً بعده بجهنّمِ!

وهذا الموقف المضاد للقومية العربية الصرفة، والداعية في مآلاتها وغاياتها إلى إلغاء الحدود بين الدول العربية وانتقال ثروات البلدان النفطية منها إلى غيرها، ونحو ذلك من الخيالات التي أثبت الواقع المعاصر استحالتها، الموقف المضاد لهذا التوجه العروبي المتطرف مسطّر حتى الآن في مادة المذاهب المعاصرة في السعودية، ولا يوجد أدنى رابط بين ذلك وبين الإخوانية أو الميول الحركي، وإن اتهام الحركيين أو غيرهم من أصحاب التوجهات المشابهة لهم – بصرف النظر عن الموقف الشرعي الواضح منهم – بالشعوبية ليس أكثر من تهمة باردة لا تقف على ساق، فضلاً عن أن تقوم على كتاب (الشعوبية الجديدة)، بل إن الغزالي نفسه، الذي يشهد بعض المثقفين العروبيين على أنه كان لديه شيء من التساهل في القضايا الفقهية المعاصرة، ويزعمون أنه متحالفاً مع عبدالناصر ضد الإخوان – وهو قول غير دقيق – كان لديه كتاب ينتقد فيه بعض التوجهات القومية، وهو كتاب (حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي)، ولم يجعله ذلك في مصافّ الشعوبيين عند أحد من المثقفين فيما نعلم.

وكذلك فمن ينتقد الطغاة، سواء أكانوا في تركيا أم في بقية العالم الإسلامي، عجماً كانوا أم عرباً، ويحمّلهم ذنب انحطاط الأمة الإسلاميّة، فهو ليس شعوبيّاً، بل لو كانت تلك هي الشعوبية، فإن ذلك يلزم منه أن رأس الشعوبيين هم الحداثيون والليبراليون وبعض الإسلاميين، الذين يرون أن العرب أيام الخلافة الأموية والعباسية (قبل العثمانية) خانوا الحكم بالشورى، وكانوا خانعين غير ثوريين، وكانوا هم وحكامهم سبب الانحطاط والتخلف. ومن يقول بذلك يلزم أن يكون شعوبيّاً. وهذا قول لا يصير إليه عاقل، لأن كثيراً من الحداثيين والليبراليين قوميون. وأما الإسلاميون فهؤلاء يمثل الإسلام لهم قيمة متعارضة مع الاتجاه القومي المعاصر، مثله مثَل الاتجاه البعثي، وينتقدون العرب (كما ينتقدهم غيرهم بموازينه) بميزان يرون أنه ميزان إسلامي، فإذا سقط العرب (في نظرهم) وفقاً لهذا الميزان، فلا علاقة لذلك بالشعوبية من قريب أو بعيد.

 

 

التعليقات

2 تعليقان
  1. احمد الموسى says:

    لا شك هناك الكثير من الجماعات الاسلامية ومن الاسلاميين من يرون في كل فكر لا ينسجم مع التوجه الاسلامي سير في طريق الضلال والفسق وربما الخروج قي احيان كثيرة عن الاسلام..وهذا توجه غير صائب.

  2. اليتيم says:

    كل فكر لايستند على النهج النبوي الصحيح سواء كان اسلامي او قومي او غيره ولا يعتمد على فقه الواقع المعاش سيكون مصيره الى الاندثار وانفضاض الناس عنه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *