ميكافيليّون في حياتنا

..

موقع المثقف الجديد

يُقال إن محمد علي باشا الذي توفي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي اطّلع على فصول من كتاب ميكافيلّي فما كان منه إلا أن أعرض عنه وقال: أنا أدرك ما يحويه هذا الكتاب وزيادة.

عندما يتعلّق الأمر بكتاب (الأمير) لنيقولا ميكافيلّي فإن الحال تبدو مثيرة للاستغراب، فلا أحد يعجبه، أخلاقيّاً، أن يُنسب إلى الميكافيلّية، وإن كان كثير من البشر يتعاملون في الحياة بالمبادئ الميكافيلّية، بل ويدافعون عن أخلاق الميكافيلّية، بوصفها بأنها: براغماتية، أو انتهاز للفُرص، أو من التعامل بواقعية مع الحياة، أو (إن لم تكن ذئباً أكلتكَ الذئاب) إلى غير ذلك.

وينقل المترجم أكرم مؤمن أن المسرح العالمي أكد المعاني الشريرة الموجودة في أفكار ميكافيلّي، حتى إن المسرحي الإنجليزي الأشهر شيكسبير يقول على لسان أحد شخصياته في مسرحية (زوجات وندسور المرحات): (ماذا.. هل أنا مخادع.. هل أنا ميكافيلي)؟ كما أن المسرحي كريستوفر مارلو قد استخدم الشخصية غير الأخلاقية على طريقة ميكافيلّي في مسرحية (يهودي مالطا). وفي كثير من المسرحيات العربية ترد هذه العبارات: (هذه ميكافيلّية رخيصة)، أو (هذا هو مبدأ ميكافيلّي الرخيص).

وقد حاول فرانسس بيكون، وهو من مجايلي شيكسبير، والكلام لا يزال لأكرم مؤمن، أن يوضح أن ميكافيلّي يتناول الأشخاص كما هم، وليس كما يجب أن يكونوا.

لكن السؤال هو: إذا كان هذا الكتاب قد اكتسب كل هذه السمعة السيئة فلماذا كان ميكافيلّي رمزاً ثقافياً للإيطاليين في حياته وبعد مماته، وحتى عند خصومه الألدّين؟ ولماذا حرص كبار الساسة والمفكرين والمثقفين على ترجمته ونشره والإفادة منه؟ ولماذا طُبع في العالم العربي وحدَه مرات ومرات ومرات؟ ولماذا يُعدّ واحداً من أهم الكتب المؤسسة في مجال العلوم السياسية الحديثة؟ ألأنه يتضمن مواضع تحمل في طياتها قيمة علمية وتاريخية وفكرية؟ أم لأنه يحمل مبادئ ناجعة في عالم السياسة الذي لا يعرف الرحمة، بقطع النظر عن تقويمها من حيث المنزع الأخلاقي!

لقد ولد نيقولا ميكافيلي بعد منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وكتب كتابه في ظل وضع نفسي واجتماعي وسياسي بائس، إذ إن الإطاحة بجمهورية سودريني وعودة أسرة مديشي إلى الحكم في فلورنسا جعلته يفقد وظيفته، ويتعرض لعقوبة داهمة، فاختار منفاه الريفي في سانت أندريا، وهناك أتمّ فصول كتابه المثير منذ نحو من ستة قرون، ثم ما لبث بعد حين أن عادت إليه حظوَته ومكانتُه ونال التقدير والتكريم في بلاده وبين أهل جلدته، ولقد تكرر ذلك بعد وفاته بعدة قرون.

لقد علق عباس العقاد في إحدى مقالاته على مكانة ميكافيلّي قائلاً:

لقد مضت أربعمائة سنة على وفاة ميكافيلّي فاحتفى بذكراه الإيطاليون، وتحدث الناس بفلسفة ذلك الماكر السليم، ولقد طوَت هذه المئات الأربع كثيراً من أضراب قيصر بورجيا وبسمارك في القسوة والخديعة، وأخذ الشعوب بالحيلة والنفاق، أو بالقمع والإرهاب، ولكننا على يقين أن ليس الأستاذ نيقولاً مسؤولاً عن فاجعة من فواجعهم المشؤومة، وأن كتاب (الأمير) لم تُسفك فيه قطرة ولا مُزّق من جرائه شِلو غير قطرات المداد وأشلاء الأوراق! وقد احتفل العالم بذكرى رجل طيّب حين احتفى بذكرى نبيّ القسوة والدهاء، ومعلّم القادة والسّوّاس فنون البطش والطغيان – فهل ترانا نُحسن إلى رُفات الرجل في قبره أم نسيء إليه بهذا الثناء الذي كان يخجل منه في حياته؟ لا ندري، ولكننا ندري أنه حقيقا بذلك الثناء، وأنه كان رجلاً طيّباً على كل حال.

 

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. مشعان عرابي says:

    الفلسفة التى قامت عليها الميكافيلية وليدت ظروف اجتماعية كانت تعيشها ايطاليا يصادف اننا نحن العرب نعيشها اليوم وذلك مرتبط قسرا بالفوضى السياسية وغياب النظام العام وسطوة القوي على الضعيف.

  2. فريد صافي says:

    الغاية تبرر الوسيلة في هذا الزمن تترجم بعدة معاني منها ان لم تكن ذئب اكلتك الذئاب و البراغماتية و كل ذلك نتاجه غياب العدالة الاجتماعية

  3. نبيل says:

    ميكافيلية الرجل تصادم الخط الفلسفي الذي نادت به خطابات فلسفية اخرى في اوروبا مثل جان جاك روسو وجون لوك وترجمة فيما عرف بنظرية العقد الاجتماعي…المقال رائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *