المرض المزمن في الحركات الجهادية

..

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

التكفير مشكلة مزمنة في الحركات التي تسمى بالجهادية، وهو أمر عُرف في النصرانية الصليبية قبل الاسلام، ولن تزال الحركات المتشددة في شتى الديانات تتبنى في بين الحين والآخر هذا اللون من التفكير.

هناك تراث طويل دخيل على الثقافة الإسلامية وعززته هذه الحركات والمتعاطفون السذّج معها على أنه من جوهر الدين، في حين أنه لم يكن إلا إفرازاً من إفرازات الصراع المذهبي والسياسي، والأمر لا تتم معالجته بنقد تأويل التكفيرين لبعض النصوص أو مواقف بعض الأقدمين، فالمسألة أعمق من أن تكون نص آية أو حديث نبوي شريف!

إن المسألة ليست متعلقة بالضرورة بنصوص الإسلام ولا تأويلها، وإنما هي كامنة في هذه العقلية غير السليمة التي تتعامل مع النصوص بالتحريف والتأويل، فلو أننا تعاملنا مع تطبيق أي ديانة أو أي قانون في العالم واعتمدنا طرائق الحركات الجهادية في تأويل نصوص تلك الديانة أو ذلك القانون لأدّى ذلك إلى استباحة دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، فلو مارسنا نفس هذا العقل الأعمى في التعاطي مع نصوص العهدين القديم والجديد في اليهودية والنصرانية فسوف سنصل الى الواقع نفسه، بل إلى أشد منه، فالحروب الصليبية قامت على نصوص مقدسة أيضاً، من نوع: (ما جئت لألقي سلامًا بل سيفاً)، و(من كان بلا سيف فليبع ثوبه ويشتر سيفاً)، و(هاتوهم واذبحوهم قدام الرب)! هذه النصوص موجودة في التوراة والإنجيل التي بين أيدينا، بقطع النظر عن صحّتها أو عدمها، وقد أفرزت في الماضي جحافل من المحاربين الصليبيين، وما زال اليوم كثير من النصارى أنفسهم يتعجبون: إذا كانت ديانتنا رسالة تسامح فكيف أمكن ان يكون في تاريخها هذا العنف؟ وكيف أمكن أن يحدث ذلك بتأييد البابا الأكبر وتوجيهاته وحملاته التي كان يشرف عليها بنفسه؟

في الوقت المعاصر لم يقم النصارى بتغيير هذه النصوص الموجودة في العهد القديم والعهد الجديد ولا أشقوا أنفسهم بإنكارها، على ما في التاريخ والواقع والنصوص نفسها مما يؤكد أنها نصوص محرّفة ومختلفة أشد الاختلاف، ولكن أولئك عادوا إلى العقول التي تعاملت مع تلك النصوص وانتقدوها، وأنهَوا حِقَب الفتن العاصفة التي مرّت بأوربّا وأنهكتها في حروب داخلية ثم ولجت بها في حربين عالميّتين علمانيّتين لم يكن كتابهم المقدّس حاملَ لوائها، وإنما كان كتاب العلمانية الحديثة مُذْكِي شرارها ومسعّر وقودها.

إن الغرب لم يغيّروا في كتابهم المقدس، ولا في علمانيتهم المحدثة، وأمكنهم مع ذلك أن يبنوا لدنياهم وفيما بينهم ثقافة المواطنة التي تحل المعضلات بالإجماع الشعبي على مبادئ وقيم بعينها، ومحاسبة من يحيد عنها أو يحاول التكسّب منها بالباطل.

إن مما لا ريب فيه أن الكثير من الجماعات والحركات التي تصف نفسها بأنها جهادية استخدمت مبدأ التكفير سلاحاً في زمن سلاحه قوّة الرأي العام والدعاية البرّاقة ورأس المال المكتسح والتقنية الذكية، وواجهت حكوماتها ومجتمعاتها بسلاح التكفير والتفجير الذي تجاوزته الحقبة المعاصرة، وتعدّت تكفير الحكومات والمجتمعات إلى أن صار بعضها يكفر بعضاً، حتى إن خليفة الدواعش أبا بكر البغدادي استحدث لجنة لمناصحة بعض مكفري الدواعش داخل التنظيم نفسه، من أتباع نظرية تكفير من لم يكفّر عوام الشيعة وجهّالهم!

وقد تحول هذا الغلوّ في بعض الأحيان إلى عنف معنوي، وإرهاب دموي، وقد شاهد العالم كله كيف جعلت كل من داعش وجبهة النصرة صاحبتها مارقة من الدين مع أن منهجهما واحد ويصدر من المستنقع نفسه! ولا شك أن ثمة أسباباً كثيرة وراء استخدام هذا السلاح لدى هذه الحركات فيما بينها، ومن بين تلك الأسباب حرب المصالح، وحب السيطرة، والجهل، والأمية، والفهم السطحي للقرآن، وعدم فهم مقاصده فهما صحيحاً، والغلو في الدين بسبب التوقف عند ظواهر نصوص الوعيد التي نزلت في الكافرين المحاربين وتنزيلها على المسلمين المصلّين.

 

التعليقات

3 تعليقات
  1. ابو تركي says:

    مع الاسف الشديد اكثر ما اضر بالدين الاسلامي هو الفكر المتشدد الذي لم يجلب لنا الا كل ضرر في ديننا ودنيانا بل ان هذا الفكر هو ما استجلب علينا عداوة الشرق والغرب، ووصمنا بتهم الارهاب والتطرف.

  2. ابن القصيم says:

    الحمد لله هذه التوجهات الضالة والتي لاتمت لديننا بصلة هي في انحسار مستمر بفضل الله اولا ثم بفضل من يعملون بجد واخلاص لتصحيح مسار الامة نحو الطريق القويم من قادة وسياسيون وعلماء اتقياء يحثون المجتمعات على السير في النهج النبوي القويم وترك كل ما هو بعيد عن ما جاءنا في الكتاب والسنة وصحاح اهل العلم.

  3. محمد المريشد says:

    التطرف والفكر الارهابي لادين له ولا مجتمع وهو في حقيقته نتاج خلل نفسي وتربوي ظهرت وتطورت وتبلورت بسبب ظروف معينة يمر بها اشخاص ومجموعات في وقت معين ولايجوز نسبها وحصرها في الاسلام فقط لانها بالفعل وكما ذكر المقال وجدت ولاتزال موجودة في كل الاديان بداية من اليهودية ومرورا بالنصرانية وانتهاءا بالاسلام وما ظهر فيه من الجماعات الحزبية السياسية المتطرفة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *