كيف تسلل الشذوذ إلى الأوربيين؟

..

موقع المثقف الجديد

لم يكن أمام الأوربّيين الذين ما زالوا متمسكين بأعرافهم وتقاليدهم ليحافظوا على أخلاقهم في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي إلا الانكفاء على أنفسهم في حياة زراعية متدينة، وذلك عائد إلى حقيقة أن الأسرة في أوربا آنذاك تستظل بسقف الإنتاج الزراعي، وكان الأب هو صاحب العمل، ونظام الأسرة يرتكز في جذوره في نظام اقتصادي يفرضه تعاقب الفصول ومتطلبات العصر.

أما الطبقات الوسطى في أوربا فيؤكد ويل ديورانت أنها استمسكت في ذلك الحين بقدر كبير من عقائدها الدينية، وذلك ما هيأ للطبقة الوسطى أن تتحلى بأخلاق تتميز بقوة التماسك والتقاليد، وكانت الزوجة البرجوازية نموذجاً للجِد والتقوى والأمومة، وتحمّل الآلام بصبر وجلد، وكانت قانعة ببيتها وعلاقاتها مع جيرانها، وقليلاً ما انزلقت إلى الزخرف الخداع.

وحتى ذلك الحين – يوضح ديورانت – كان الفلاسفة المعادون للدين هم أيضاً يدعون إلى عمل الخير وحب الإنسانية، وأمدّت الكنائس الجياع بالطعام، واهتمت الراهبات بالمرضى، وأقيمت المستشفيات وملاجئ الأيتام والعجزة، وكانت الملكة في الغرب تنفق أموالها في  الأعمال الخيرية.

وفي ذلك الحين امتاز المارشال دي ريشيليو بمنع جنوده من تعاطي المسكرات، وتوعدهم بأن كل من يُعثر عليه وهو في حالة سُكر فلن يتاح له شرف المشاركة في المعركة، وكان عقاب اللواط الإعدام حرقاً، وإن كان إيقاعه في الحقيقة على الفقراء دون الأغنياء.

لكن أواسط القرن الثامن عشر شهدت تغيراً في أخلاق الفرنسيين، فقد استمر الناس في فقدان إيمانهم بالدين، وشاع الإلحاد بسبب النشوة الفلسفية، خصوصاً في طبقاتهم العليا، وتخلوا عن مفهوم الزواج في الكنيسة، وعن الفروسية، وأصبح الجري وراء اللذة والمتعة “وثنياً” بشكل أشد منه سفوراً منذ أي وقت، منذ إمبراطورية روما البائدة.

وأثناء ذلك كانت الكتب التي تدعو إلى الفضيلة منتشرة، وتزاحمها كتب الرذيلة، وكتب فردريك الأكبر يقول: “إن الفرنسيين ولا سيما سكان باريس أصبحوا الآن مترفين منغمسين في اللذات، وقد أوهنتهم المتع ودعة العيش”.

كما رأى مركيز دارجنسون في انحطاط الوعي الخلقي نذيراً بما وصفه بأنه كارثة وطنية قادمة.

أما في إنجلترا فكان الوضع كما يصفه آدم سميث في حال ترسّخ فيها التمييز بين مراتب الناس رسوخاً تاماً، وكان ثمة على الدوام مخططان أو نظامان للأخلاق ساريان في وقت معاًن يمكن أن يسمى أحدهما: الصارم أو المتزمت، والآخر: المتحرر المتحلل. وكان الشعب يميل إلى المحافظة والأخلاق، وأما الاتجاه المنحل فكان يلقى تقديراً واعتناقاً ممن يسمون في ذلك الحين: المجتمع العصري.

وينقل ديورانت عن جون وسلي، أن الأخلاق في ذلك الحين كانت خليطاً من التهريب، والأيمان الكاذبة، والفساد، والسكر، والقمار، والغش في المعاملات، والخداع والتحايل في المحاكم.

ويضيف ديورانت: كان التمييز بين الجنسين يومها كما هو اليوم غير كامل إطلاقاً. فحاول بعض النساء أن يكنّ رجالاً، وكدن ينجحن في هذه المحاولة، وجرى ذكر حالات تنكر فيها النساء في هيئة الرجال، وكان للواط مواخير، على رغم أن الأفعال الجنسية الشاذة كانت عقوبتها الإعدام في القانون إذا ثبت ارتكابها.

التعليقات

4 تعليقات
  1. العقيلي says:

    الشذوذ قديم في كل المجتمعات القديمة والحديثه ورغم تحريم الاديان له وتجريمه من قبل المجتمعات الا انه موجود وبنسب مختلفه من مجتمع لاخر ..في الغرب الشذوذ حالة قديمة وجدت ايام الرومان واليونان ولاتنسوا الشذوذ الرهيب الذي كان منتشرا في روما في وقت من الاوقات.

  2. عبدالعزيز المشاع says:

    كلما ابتعد الانسان عن الدين والالتزام بأحكامه سهل عليه قبول كل فكر غير سوي وغير صحيح ..الغرب بعد الحرب العالمية الاولى انتشرت وراج فيه الفكر الفاسد والمنحل سواء منه الاجتماعي او السياسي او الديني وقد ساهمت علمانيتهم واعلامهم في التشجيع على الانحلال الخلقي والشذوذ الجنسي

  3. منذر بريكة says:

    ملخص المقال يؤكد ان العلمانية و الخطاب الفلسفي الذي شكك في الدين هو من قاد لتحلل قيم المجتمع حتى لو كان دينهم نصراني

  4. مجد says:

    نحن العرب نعيش في هذه الفترة المظلمة مع الاسف..تجاوزات بحق الدين والمتدينين ودعوات للانحلال باسم الحرية فلنعتبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *