الكيان الصهيوني يستفيد من أحداث غزة

..

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

منذ صيف العام 2007م يعيش سكان قطاع غزة في حصار اقتصادي خانق سبب كارثة إنسانية أثرت في كل مناحي الحياة سواء العلاجات الطبية أو الصناعات أو التعليم والعمل، والسبب في ذلك يرجع إلى طغيان الكيان الصهيوني والنزاع الفلسطيني الداخلي.

وطوال أكثر من 12 عاماً خرجت مبادرات عديدة قدمتها السعودية ومصر وجنوب أفريقيا وغيرها من بلدان العالم لتحقيق مصالحة وطنية فلسطينية، لكن تلك الجهود لم تجد آذاناً فلسطينية صاغية؛ لكون الأمر محتاجاً إلى ما هو أكثر من مصالحة بين فصيلين سياسيين بكثير، فالأمر يتعلق بأيديولوجيات سياسية لكل منها طريقتها وأسلوبها في التعاطي مع الملف الفلسطيني.

إن حركة حماس التي صعدت إلى الحكم نتيجة فوزها في الانتخابات البرلمانية بأغلبية عام 2006م وحازت تعاطف الجماهير المسلمة في أنحاء العالم كافة بسبب موقفها المقاوِم الصامد في وجه الاحتلال، هذه الحركة اختارت لنفسها مؤخراً أن تكون في صف تحالف يضم سورية وإيران وتركيا وقطر وحزب الله اللبناني، ومع ذلك فهي لا تزال تعلن أنها تحمل لواء الدفاع عن الأرض الفلسطينية، بقطع النظر عن دخولها في منظومة إيران وحزب الله، التي ما عاد يخفى عداؤها السافر لإخوانها العرب في المنطقة.

أما السلطة الفلسطينية التي تظن أن الحل السلمي هو ما سيعيد إلى الفلسطينيين حقوقهم فهي أيضاً لا تستطيع أن تثبت ذلك، خصوصاً في ظل صعود اليمين الإسرائيلي إلى سدة الحكم برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي ترك للسلطة الفلسطينية مهمة التغني بالسلام في حين أنه يمارس جبروته كل يوم، ويرفض حتى الجلوس مع الفلسطينيين الذين ينادون إلى السلام معه ولو على طاولة الاستسلام، بل إن وزير الدفاع أبيغدور لا يجد حرجاً في التصريح بأن محمود عباس ومن معه لا يصلحون شركاء للسلام!

 في مارس من عام 2018م حلّت ذكرى (يوم الأرض) على الشعب الفلسطيني، واستثماراً لهذه الحدث جندت حركة حماس الكثير من خلاياها الإعلامية لحث الناس على المشاركة فيما عرف بــ(مسيرات العودة الكبرى)، وكانت الغاية منها إرسال مئات الآلاف من السكان العزّل إلى الحدود الفاصلة بين قطاع غزة وإسرائيل، بهدف اقتحام الحدود، لكن الجيش الإسرائيلي أطلق نيراناً كثيفة باتجاه المدنيين سببت استشهاد أكثر من 135 شخصاً في شهر مايو وحده. واستمرت المظاهرات على طول السلك الحدودي في قطاع غزة حتى بداية شهر يونيو، الذي تحل فيه ذكرى نكبة عام 1967م، وكان الوقت مناسباً لتجديد تنظيم مظاهرات مسيرات العودة الكبرى، لتصبح ظاهرة أسبوعية متواصلة كل يوم جمعة، لكن هذه المرة استخدم المتظاهرون بالونات حارقة معبأة بغاز الهيليوم لإحراق أراضٍ زراعية تابعة لمستوطنات الاحتلال الإسرائيلي على حدود غزة، وبعد هذه الخطوة التي سببت حرق آلاف الدونمات وخسائر زراعية كبيرة لمستوطني الاحتلال، بدأت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بمنع إدخال غاز الهيليوم إلى قطاع غزة، ومنعت حتى الواقيات الذكرية التي يتم نفخها وإرفاقها بشعلات نارية وإطلاقها باتجاه الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنات. وبدأت مواجهة تطورت الأسابيع القليلة الماضية لتتحول إلى تبادل رشقات الصواريخ والغارات الجوية بين إسرائيل والأجنحة العسكرية الفلسطينية.

ومن أجل تخفيف حدة الأزمة أعلنت مصر فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، واستدعت وفود الفصائل الفلسطينية لإجراء لقاءات بشأن صفقة للتهدئة مع إسرائيل، وإتمام اتفاق مصالحة يتم بموجبها استعادة سيطرت السلطة الفلسطينية على قطاع غزة مقابل إعادة الالتزامات المالية التي قطعتها السلطة الفلسطينية عن قطاع غزة منذ بداية الانقسام، ومنها رواتب الموظفين في القطاع على أن يقود ذلك إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإجراء انتخابات فلسطينية جديدة.

المظاهرات التي استمرت في الخروج باتجاه الحدود تنظر إليها الأجهزة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي على أنها خطر أمني كبير يسبب إرباك الحياة في المنطقة الجنوبية، ويسبب إحراجاً إعلامياً ودبلوماسياً كبيراً أمام العالم؛ لذلك تحاول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الضغط على سكان قطاع غزة بوسيلة قطع التيار الكهربائي الذي لا يتعدى معدل ساعات وصله منذ الانقسام أربع ساعات يومياً! إضافة إلى إغلاق معبر (كرم أبو سالم) الذي يستخدم لإدخال السلع والمنتجات الغذائية.

وفي 30 مايو عام 2018م أطلق عناصر من حركة (الجهاد الإسلامي) 150 قذيفة على المستوطنات الإسرائيلية، لكنها لم توقع أي خسائر، بل كانت فقط مجرد مناوشة رداً على مقتل ثلاثة من عناصر الحركة على حدود غزة. لكن الحدث نظرت إليه الأجهزة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي على أنه حدث خطير يمكن أن يسبب اندلاع حرب مفتوحة لاسيما وأنه حمل شعار (القصف بالقصف) ومعنى ذلك أن الفصائل الفلسطينية سترد على أي قصف إسرائيلي، وهذا الأمر قابل للتصعيد.

وفي ظهيرة يوم الجمعة الموافق 20 يوليو 2018م قُتل جندي إسرائيلي بنيران قناص فلسطيني، وعقب لحظات فقط قصفت المدفعية الإسرائيلية تجمعاً للمتظاهرين فقُتل وأصيب أكثر من ستة أشخاص، وعلى أثر ذلك اندلعت عملية قصف متبادل بين الطرفين. وقال الصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان: إن الحدث الأمني الخطير الذي وقع على حدود غزة هو الأول من نوعه منذ حرب 2014م، وعقد بنيامين نتنياهو اجتماعاً في إثر العملية مع وزير دفاعه أفيغدور ليبرمان ورئيس أركانه غادي أيزنكوت أقر خلاله المشاركون في الاجتماع بعدم وجود فرصة لشن عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، لكن ليبرمان أرسل رسالة إلى حركة حماس عن طريق المبعوث الدولي نيكولا ميلادينوف مفادها بأن إسرائيل سوف تشن عملية عسكرية واسعة في غزة إن لم يتوقف إطلاق الصواريخ من غزة. ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى تم إعلان تهدئة جديدة برعاية مصرية عقب قبول حركتي فتح وحماس مبادرة مصرية سابقة بشأن المصالحة، وقد أُعلنَ عن التهدئة فعلياً عقب انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلي التي نتج عنها سقوط أربعة شهداء في إثر غارات نفذها الطيران الحربي على قطاع غزة!

ومن جانب آخر، وخلال المواجهة الحالية بين حركة حماس وإسرائيلي بدأ ظهور قطري غير مألوف على الساحة الفلسطينية، وأخذت حركة السفير القطري محمد العمادي بالتطور والخروج عن كونه مندوباً للإشراف على تنسيق المشروعات التي تقدمها قطر إلى قطاع غزة إلى كونه يلعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل.

وخلال الشهر الجاري اجتمع العمادي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وخلال الاجتماع صرح بأن بلاده لا تعترف إلا بشرعية الرئيس عباس في الأراضي الفلسطينية، وقد فُهم ذلك على أنه تهديد مبطن لحركة حماس مرتبط بمحاولة قطر انتزاع الدور المصري بالوساطة بين حماس وإسرائيل.

هذه التفاصيل التي كانت مجرد توقعات أصبح واقعاً ملموساً حينما ذكر السفير القطري في تصريحات صحفية نشرتها وسائل إعلام فلسطينية محلية أن (حماس لم تعد تثق في المصريين، لكونهم متورطين في حصار غزة)، وذكر العمادي ما نصه: (نقلنا رسائل بين حماس والإسرائيليين لكون الطرفين يثقون بنا، وقد اجتمعت مع كوشنر وغرينبلات بهدف تقريب من أجل ضمان دعم أمريكي لتلك الجهود).

وكانت آخر تهديدات السفير القطري لحركة حماس حينما صرّح بأن بلاده لن تشارك في إعمار غزة إذا اندلعت حرب جديدة في القطاع.

وعلى رغم المحاولات القطرية لاختراق عملية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتأثير في الدور المصري في هذا الأمر إلا أن ذلك الجهد لا يُتوقع أن يكتب له النجاح لسبب بسيط هو أن مصر تفرض نفسها بفعل الجغرافيا السياسية وتاريخ دعمها للقضية الفلسطينية وطبيعة علاقتها مع إسرائيل. فقد حاولت أطراف عدة في هذا المجال لكنها فشلت فشلاً ذريعاً؛ لأن الفلسطينيين لا يعدون مصر مجرد وسيط، بل هي عمقهم الجغرافي والقومي، بخلاف قطر التي تحاول عبر المعونات المادية التأثير في مجريات الأمور.

وعلى وجه الإجمال: ما يجري من جهود لإحلال الاستقرار والمصالحة في غزة والتخفيف من عدوان الاحتلال عليها سيكون مستقبلها الفشل لعدة أسباب، أبرزها أن حركة حماس لن تقوم بتقديم أي تنازل فيما يتعلق بتسليم قطاع غزة للسلطة الفلسطينية، كما أن إسرائيل تعتقد أن فصل قطاع غزة عن السلطة الفلسطينية منحها فرصة للتحرك كما تشاء، إضافة إلى أن الشراكة السياسية في غزة قد تمنح حماس الفرصة للحضور بصورة شرعية في الضفة المحتلة، وهذا الأمر يؤرق الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية كليهما، كما أن معادلة الأمن الإسرائيلية لا ترى أن من مصلحتها تحقق أي نوع من المصالحة الفلسطينية.

 

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. وائل ابو مصطفى says:

    للاسف الجميع يقامر بغزة ابنائها يدفعون زهرة شبابهم في صراعات ليس لهم فيها ناقة ولا جمل بين فتح وحماس والعالم العربي تعجبه اللعبة جيدا…

  2. عزوز says:

    اسرائيل لا تريد الحرب بسبب ازمة سوريا وحماس لا تريد المصالحة لان عوائد الضرائب ستزول منها …لذلك ستبقى لعبة القط والفئر بين الطرفين

  3. سليمان الشعيبي says:

    لا شك ان الكيان الصهيوني يجير كل ازمة لصالحه وفي الاصل الاعلام الغربي باغلبيته يخدمه في قضيته ويبرزهم على انهم مستهدفون من قبل محيط عربي واسلامي يحاول تهجيرهم من الاراضي التي يقيمون فيها في فلسطين.

  4. بلاد الاسلام دياري says:

    نسأل الله ان يفك الحصار عن اخواننا في غزة وان يحسن حالهم ..بالغعل اسرائيل استفادت من احداث غزة وخاصة الادعاء ان مايجري من قبل القوات الاسرائيلية تجاههم هو دفاع عن النفس لان الفصائل المسلحه في غزة تستهدف مدنيي المستوطنات ..لذلك فأي خطوة غير مدروسة من قبل حركة حماس تنعكس سلبا على القطاع الذي يعاني من نقص في كل شيء واكتظاظ بشري خانق.

  5. سليمان الشعيبي says:

    لا شك ان الكيان الصهيوني يجير كل ازمة لصالحه وفي الاصل الاعلام الغربي باغلبيته يخدمه في قضيته ويبرزهم على انهم مستهدفون من قبل محيط عربي واسلامي يحاول تهجيرهم من الاراضي التي يقيمون فيها في فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *