ماذا بقي من الثورة السورية؟

..

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

المتابع لواقع المشهد السوري بعد مرور ما يزيد على سبع سنوات لا بد أن يلحظ أن كل التطورات والنتائج على الأرض منذ عام 2016م بدأت تسير وبشكل سريع لمصلحة النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين ومن يعمل معهم، فسياسات تقطيع عرى الثورة وفصل بعضها عن بعض في مناطق متباعدة كانت ناجحة جداً، وأسهم في نجاحها تعدد الفصائل الثورية وتناحرها وتدابرها، كما شكّلت مشاركة العناصر المقاتلة في بعض المناطق الثورية ذريعة لحرقها من قبل النظام وحلفائه تحت يافطة (محاربة الإرهاب).

لقد آتى نهج (الأرض المحروقة) ثماره في القضاء على الثوار، وهو النهج المستنسخ من تجربة روسيا في حربها على الشيشان في تسعينيات القرن الماضي، وكان هذا الأسلوب في الحرب الشاملة هو مقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأول والأهم، للقضاء على جبهات الثوار في الشمال والجنوب، وكانت البداية في حلَب المستعصية على نظام الأسد منذ عام 2013م.

وقد نجحت خطة بوتين في القضاء على بؤر الثورة في حلب الشرقية وضواحيها التي شكلت خنجراً طيلة سنوات في خاصرة النظام، السوري، ومع نجاح سياسة (حرب الأرض المحروقة) عُمِّمت التجربة ليتم تنفيذها في شرق البلاد في دير الزور والبوكمال والميادين، ومن ثَم في جميع مناطق الغوطة الشرقية والقلمون، وأخيراً في المناطق الجنوبية، وربما خلال المدة المقبلة في مناطق ريف اللاذقية الشمالي ومحافظة إدلب، وهما فقط ما بقي في يد الثوار من مناطق في سورية، بعد تهاوي سقوط المناطق منطقة تلو منطقة بيد النظام السوري.

أما مناطق الأكراد في الشمال الشرقي، والتي كانت مدعومة أمريكياً، والتي أسس فيها ما سمي (جيش سورية الديمقراطية)، فقد تخلت أمريكا عنهم بعد أن انتهى دورهم في مواجهة (داعش) في الشرق السوري، وهاهم اليوم يفاضون النظام في دمشق لتسليم مناطقهم لقوات الجيش السوري.

إضافة إلى ما ذكر سابقاً: لقد كان من أهم أسباب تراجع الثوار في وجه النظام وحلفائه توقف الدعم العسكري الخارجي عنهم منذ عام 2016م، وتحول الموضوع السوري إلى ورقة مفاوضات بين القيادتين الأمريكية والروسية، التي تكللت بموافقة أمريكية صريحة بانفراد كامل لروسيا بالملف السوري، مقابل تخلي روسيا عن دعم الملف الإيراني دولياً، وتحجيم دورها في سورية.

 

المناطق المتبقية بيد الثوار في سورية:

محافظة إدلب:

تبلغ مساحة محافظة إدلب 6100 كلم، وهي ثامن المحافظات السورية من حيث المساحة، وقد كانت هذه المحافظة من أوائل المحافظات التي خرجت عن سيطرة النظام، وتضم اليوم عشرات الآلاف من المقاتلين من مختلف الفصائل الثورية السورية ممن سلّموا أسلحتهم الثقيلة للنظام وحلفائه، وقبلوا الخروج من مناطقهم وتهجيرهم مع عوائلهم تحت إشراف روسي على محافظة إدلب وريفها.

 

ريف اللاذقية الشمالي:

تعدّ هذه المنطقة الواقعة في مناطق جبلية وعرة والمجاورة لتركيا من المناطق التي عانى منها النظام كثيراً، بسبب ظروفها الصعبة وعصيانها عليه منذ سقوطها بيد الثوار عام 2013م، وبقيت المنطقة في وضع (الكر والفر) ولا تزال من المناطق التي كبدت النظام خسائر فادحة خلال السنوات الخمس الماضية، وتسيطر فصائل المعارضة على منطقة ريف اللاذقية الشمالي التي تندرج ضمن اتفاق خفض التوتر في سورية بموجب (محادثات أستانة)، برعاية كل من روسيا وتركيا وإيران.

ومن الفصائل المقاتلة هناك (الجيش الحر)، و(الفرقة الساحلية الأولى)، و(جيش النصر)، وحركة (أحرار الشام) الإسلامية، و(فيلق الشام)، و(الحزب الإسلامي التركستاني)، ويعتقد أن النظام يعد العدة حالياً للبدء في حرب شاملة على المنطقة لإعادتها إلى سيطرته.

 

هذا الواقع المرير أدركه السوريون بمختلف طبقاتهم وخلفياتهم، سواءٌ أكانوا مثقفين أم سياسيين أم إعلاميين، فعلى سبيل المثال: يرى الكاتب والمحلل السياسي السوري عبدالله الشيخ ديب أن المكابرة الثورية اليوم ما عادت ممكنة ولا نافعة، والواقع اليوم مختلف عن الأمس، وهناك واقع جديد على الأرض يفرض نفسه، والحديث هنا لا يتم عبر مقاربات النصر أو الهزيمة، بل عن واقع جديد فقط، وجب التعاطي والاشتباك معه، وما علينا إدراكه هو أننا لا نزال عنصراً فاعلاً في هذا الواقع الجديد، وعليه فطبيعة تعاطينا ومعالجتنا لهذا الواقع هي ما قد يحدد أهذا الواقع سيصب في مصلحتنا أم لا؟ وهي ما يسهم في دعم مسارات قد تفضي إلى النتائج التي نطمح إليها كسوريين مؤمنين بالعدالة والحرية، فهمُنا لهذا الواقع الجديد، وإدراك دورنا فيه وحده ما يجعل جهودنا أكثر فاعلية وأقرب للواقعية والاعتدال.

ويضيف ديب: لنتذكر أن الأوضاع والظروف السياسية الدولية الحالية قد لا تتيح لنا التفكير والتصرف وفق ما تمليه علينا مبادئنا الأخلاقية والثورية، علينا أن نتجاوز بعض الشعارات الفضفاضة التي تطلقها بعض الجهات والنخب السياسية، فهي تحرف المجتمع عن أهداف الثورة الحقيقية في الحصول على الحرية والعدالة، والتي مع الأسف على رغم كل ما جرى لم تتحقق، لأسباب مختلفة داخلية وخارجية، اليوم وبكل وضوح يتم تصفية الثورة وإعادة الجميع إلى حظيرة المحتل الروسي أولاً، ثم إلى حظيرة القمع الأسدي ثانياً.

ويختم كلامه ليستقيم السؤال أكثر: ما الذي يمكن عمله دون قوة في مواجهة القوة؟ ولذلك فلنبدأ في المؤسسة العسكرية والأمنية الثورية البحثَ عن طريق جديد لمواجهة قوى إقليمية ودولية لا قبل للثوار بها في أرض الشام.

التعليقات

8 تعليقات
  1. مصطفى الشيخ says:

    مرت سوريا بثمان سنوات عجاف الجميع خسر فيها ولم يربح احد وهي اليوم تحت احتلال روسي مباشر هدفه البعيد سياسي واقتصادي واحتلال ايراني هدفه التوسع الطائفي في بلاد الشام

  2. ابن الشام says:

    حقيقة لا يمكننا لوم الثوار في سوريا فقد تكالبت عليهم الأمم وقل الناصرون وسبب تراجع ثورتهم ضد حكم طاغية الشام هو تفرقهم والمواجهة غير المتكافئة بينهم وبين نظام الاسد وحلفائه الروس والايرانيون.

  3. مروى says:

    من المؤسف القول ان الجيش الحر السوري بات محاصرا في محافظة ادلب وربما لن يطول بهم الحال هناك فنظام الاسد يجهز للهجوم الكبير الذي سيعقبه كما يقولون الانتهاء من اخر معقل للمعارضة المسلحة في سوريا ..مايجري هو نهاية مؤسفة لثورة قدمت نصف مليون شهيد وعشرة ملايين لاجيء ودمار بلد كامل.

  4. مشعل السماري says:

    رغم ان نية الكثير من الثوار في سوريا كانت صادقة الا ان قلة الخبرة والتخطيط ودخول العناصر المتطرفة اساء لهم في نظر العالم الذي رأى فيهم بديلا غير واضح الملامح لنظام الاسد ..والاهم ان إسرائيل لاترغب بتغيير نظام الاسد ولهذا امتنعت امريكا والغرب عن دعم الثوار وصمتوا عن تدخل ايران وحزب الله وروسيا ضدهم بهدف القضاء عليهم.

  5. عدنان الضالعي says:

    ادلب اصبحت معضلة تركية ولن تحل الا بتوافق روسي تركي خوفا من موجة هجرة جديدة

  6. فايز الرفاعي says:

    للاسف الثورة السورية افشلها التدخل الخارجي سواء الدواعش العرب او الروس الذين سال لعابهم للاستيلاء على النفط السوري والحصول على موطئ قدم على البحر المتوسط

  7. سليم محي الدين says:

    السقوط بدأ منذ تدخلت داعش التي صنعتها واشنطن بهدف تدمير سوريا وانجاح مشروع الدولة الكردية

  8. جهاد says:

    الهوية الدينية في سوريا والصراع الناجم عنها ضخم الصراع الشيعي السني وتسبب في تغيير مستقبل المنطقة لذلك لا اعتقد ان هذا الصراع سينتهي اليوم او بعد ١٠ اعوام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *