الفلسفة.. العجوز التي هجرها أبناؤها

..

موقع المثقف الجديد

لا شك أن ويل ديورانت من مؤرخي الفلسفة ومبسّطيها ومضيفي عنصر التشويق إليها، هذا ما يقر به جمع من المتخصصين في الفلسفة، ومن بينهم الدكتور العراقي إبراهيم العاتي.

بيد أن ويل ديورانت، الذي قضى أكثر حياته معتكفاً على قراءة الفلسفة وتلخيصها وتبسيطها، لا ينظر إلى مستقبل الفلسفة نظرة إيجابية، فهو يرى (في أواخر كتاب قصة الفلسفة) أن الفلسفة تتشبث كغزالة أليفة في المشكلات والآراء القديمة، وأنها تركت الاهتمام والعمل المباشر في المشكلات والمصاعب الحالية للأدب والسياسية.

لكن الأدهى من ذلك أنه قال عن الفلسفة، التي اعتكف عليها طيلة حياته، ما نصه:

(والفلسفة اليوم تفرّ أمام العلم، لقد فرّت العلوم تلو الآخر منها إلى عالم الإنتاج. وبقيت الفلسفة وحدها كأمّ مهجورة نضبت حيويّتها وتركها أولادها. لقد انسحبت الفلسفة وابتعدت عن الاهتمام بشؤون الناس في هذا العالم، وقبعت في زاوية متداعية تسمى فلسفة المعرفة. وهي تواجه خطر طردها كل لحظة من هذه المساكن الواهية المتداعية التي قبعت فيها. لأن هذا المشكلات القديمة التي تتناولها قد فقدت معناها بالنسبة لا. إذ إننا لا نقدم حلاّ لها بل نحوم فوقها).

لقد أكد أستاذ الفلسفة المعاصرة وعلم الجمال سعيد توفيق أن ديورانت مؤرخ من طراز خاص رفيع، فهو ليس مؤرخاً للفلسفة يرصد أفكارها ويحللها ويكشف مصادرها وتأثيرها فحسب، وإنما هو مؤرخ للفلسفة مفتون بها.

ومع ذلك فإن هذا المؤرخ المفتون (أي: ديورانت) يستهل كتابه الآخر (مباهج الفلسفة) بتمهيد، يطرح فيه هذا السؤال:

(لماذا لم تعد الفلسفة محبوبة؟ ولماذا اقتسم أبناؤها ميزاتها، وألقوا بها خارج الدار، في عقوق أشد من رياح الشتاء)؟

ويجيب ديورانت:

لقد أتى على الفلسفة حين من الدهر كانت أعظم عروس في سائر العالم العقلي، وشمخت على خدامها السعداء، أما الآن وقدت تجرّدت من جمالها وسلطانها فإنها تقف منعزلة بائسة لا يبجلها أحد.

ليست الفلسفة محبوبة اليوم لأنها فقدت روح المغامرة، ذلك أن ظهور العلوم المفاجئ استلب منها واحداً بعد الآخر عوالمها القديمة الشاسعة، فأصبحت “الكوسمولوجيا” علم الفلك والجيولوجيا، و”الفلسفة الطبيعية” علم الحياة والطبيعة، وتحولت “فلسفة العقل” في هذه الأيام إلى علم النفس. لقد هربت منها جميع المشكلات الواقعية والبارزة، ولم تعد تعنى ببحث طبيعة المادة وسر الحياة والنمو، أما “الإرادة” التي دافعت عن “حريتها” في مئات من المعارك الفكرية فقد تهشمت في عجلة الحياة الحديثة الآلية، والدولة التي كانت مشكلاتها ذات يوم من اختصاصها فهي ميدان سعيد لنفوس صغيرة وقلّ أن تطلب شرف نصائح الفلسفة. ولم يبق لها إلا قسم الميتافيزيقا الباردة، وألغاز الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الصبيانية، ونزاع أكاديمي حول أخلاق فقدت كل أثرها إلى الإنسانية. بل حتى هذه النفايات (والكلام لا يزال لديورانت) حتى هذه النفايات سوف تُنتزع منها، حين تنشأ علوم جديدة تغزو هذه الميادين بالبوصلة والمجهر والمسطرة. ولعل العالم ينسى أن الفلسفة كانت موجودة.

التعليقات

3 تعليقات
  1. فيصل says:

    ديورانت مثل الذي غاص في قصة عشق مع حورية البحر…بعتقد انها كل شيء لكنه اكتشف متأخرا بأنها مجرد قصة للتسلية اخر الليل

  2. منيب المصري says:

    من المنطق القول ان الفلسفة نضجت حينما لم يكن هناك علوم لتفسير الاشياء وبدأت اهميتها تقل مع الثورة العلمية التي شهدها العالم…فهناك فرق ابن خلدون و الرازي..

  3. مجدي الخواجة says:

    الشعر قد يكون ظاهرة تشبه الفلسفة …لكنه يفقد اهميته اليوم في ظل ظهور مؤثرات اكثر تفاعلا منه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *