قصّة الأبرتهايد اليهودي!

.

موقع المثقف الجديد - أحمد أبودقة

قانون القومية اليهودية الذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي خلال الأسابيع القليلة الماضية وأثار ضجة كبيرة لم يكن وليد للحظة في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بل كان مرحلة حتمية أسست لها وثيقة استقلال دولة الاحتلال التي أعلنت في شهر مايو عام 1948م، وقبلها أكد هذا الأمر مؤتمر الحركة الصهيونية الذي عقد عام ‎1897م بزعامة ثيودور هرتسل صاحب فكرة مشروع الدولة اليهودية، ثم جاء وعد بلفور البريطاني عام 1917م ليؤكد الفكرة نفسها، فقد أصدرت الحكومة البريطانية من خلال وزير خارجيتها آرثر بلفور إعلان دعم تأسيس (وطن قوميّ للشعب اليهوديّ) في فلسطين، التي كانت في حينه تخضع للحكم العثماني. وانهزمت الجيوش العثمانية في فلسطين من قبل الاستعمار الإنجليزي عام 1917م ودخل الجيش البريطاني القدس بقيادة أدموند أللنبي، وهذا أثار مشاعر الابتهاج في أوربا؛ إذ وقعت القدس تحت السيطرة المسيحية لأول مرة منذ أكتوبر 1187م.

توجد شواهد تاريخية كثيرة تؤكد أن الهجرات اليهودية بدأت منذ عام 1882م، تحت مرأى ومسمع الدولة العثمانية، لكن حينما احتلت بريطانيا فلسطين بدأت بالسماح بإنشاء ميليشيات يهودية مثل الهاغنا والبلماخ وهي التي أضحت اليد الضاربة لليهود هناك، وتواصل الصراع بين أهل الأرض الأصليين والعصابات اليهودية التي كانت تغذيها بريطانيا والمجتمع الغربي حتى التاسع والعشرين من شهر نوفمبر عام ‎1947م اتخذت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارًا ينص على إقامة دولة يهودية في أرض فلسطين. وفي 15 مايو عام 1948م أعلن انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بإعلان وثيقة استقلال دولة الاحتلال التي كانت تعبر عن حاجة قادة الحركة الصهيونية، أمثال ديفيد بن غوريون وغولدا مئير ويتسحاق بن تسيفي، لاستيعاب الأقليات في فلسطين، مثل، الدروز، والشركس، والنصارى، وتجنب التصادم معهم، بل وُقعت اتفاقات بموجبها يتم تحييدهم من الحرب وتمتعهم بحقوق المواطنة مقابل خدمتهم لمشروع الدولة وانضمامهم للجيش الإسرائيلي. ونصت الوثيقة على “أن إسرائيل دولة مفتوحة الأبواب للهجرة اليهودية وللم الشتات، وتدأب على تطوير البلاد لمصلحة سكانها جميعًا وتكون مستندة إلى دعائم الحرية والعدل والسلام مستهدية بنبوءات أنبياء إسرائيل، وتحافظ على المساواة التامة في الحقوق اجتماعيًا وسياسيًا بين جميع رعاياها دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس وتؤمن حرية العبادة والضمير واللغة والتربية والتعليم والثقافة، وتحافظ على الأماكن المقدسة لكل الديانات وتكون مخلصة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.

ديفدي بن غوريون هو ألمع قيادات الحركة الصهيونية الذين شاركوا في تأسيس الاستيطان اليهودي في فلسطين، وقد انضم إلى الحركة الماركسية الصهيونية عمال صهيون “بُوعالِي صهيون” عام 1904. واعتقل مرتين خلال الثورة الروسية عام 1905م، وهاجر إلى فلسطين عام 1906م حيث أصبح من قادة الحركة مع إسحاق زائفى، وفكره الصهيوني انعكس كثيراً على وثيقة الاستقلال والخط السياسي الذي اتبعته إسرائيل في بداياتها، وترجم ذلك من خلال تأسيس حزب العمل الذي كان يحمل خطاً اشتراكياً أكثر مرونة في التعاطي مع الحل السلمي بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، ونجح في إخفاء سوأة اليمين اليهودي أمام العالم، وسوّق لدولة الاحتلال على أنها دولة ديمقراطية يعيش جميع مواطنيها متساوين في الحقوق والواجبات، وهذا الأمر من يرغب الخوض في تفاصيله فعليه مراجعة كتاب “أن تكون عربيا في إسرائيل” للباحثة الفرنسية لورينس لوير.

في دورة الانتخابات الــ17 للكنيست الإسرائيلي التي جرت عام 2004م بدأ سطوع نجم حزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة وزير الدفاع الحالي أفيغدور ليبرمان، عقب حصوله على 17 مقعداً مكنته من الانضمام إلى التحالف الحكومي بزعامة إيهود أولمرت، واستغل خطابه السياسي المنادي بالفصل بين العرب واليهود وتطبيق سياسة الترانسفير لإنهاء الصراع لجمع المزيد من أنصار اليمين اليهودي حوله. وفوزه في الانتخابات جعل حزبه الحزب الثالث من حيث التأثير بعد الليكود وكاديم، وكان ذلك بمثابة صدمة للجمهور الإسرائيلي الذي تعود أن يكون حزب العمل أو اليسار في قيادة الدولة.

يقول المؤرخ الإسرائيلي شلومو بن عامي الذي شغل منصبي وزير الخارجية والأمن الداخلي سابقاً: إن أهم أسباب تعاظم قوة اليمين هي التغيرات الديموغرافية والإثنية التي طرأت داخل إسرائيل، وليس الصراع العربي الإسرائيلي. ويشير إلى أن العقود الثلاثة الأخيرة أسفرت عن تبلور تغيرات ديمغرافية أفرزت ثلاث قطاعات سكانية في إسرائيل، وهي: المهاجرون الروس الجدد، والشرقيون، والمتدينون، منبها على أن هذه التجمعات أصبحت تضم نحو 80% من المستوطنين اليهود في إسرائيل. ويضيف بن عامي: إن قوى اليسار لم تنجح في اختراق هذه التجمعات، التي خضعت منذ البداية لتأثير نخب مثقفة ذات توجهات يمينية صرفة.

هذا الأمر يسوّغ الطرح السياسي الجديد لإسرائيل الذي أظهره بنيامين نتنياهو الذي تولى رئاسة الوزراء منذ عام 2009م من خلال رفضه المضي قدماً في مسار مفاوضات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، على رغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية سابقاً على كلا الطرفين. وسّعت الحكومة الإسرائيلية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية وأصدرت سلسلة قوانين خلال العقود الماضية توطئة لإقرار قانون “يهودية الدولة”، وأبرز هذه القوانين قانون “مصادرة الأراضي”، ومن خلاله انتزع 35% من أراضي السكان المقدسيين، وأنشئت عليها 60 ألف وحدة سكنية للمستوطنين، إضافة إلى قانون الإقامة، وهو قانون حرم الفلسطينيين من سكان القدس المحتلة من الحصول على الجنسية الإسرائيلية كمواطنين ومنحهم إقامات مؤقتة يعاملون بموجبها كأجانب يمكن سحبها منهم في أي وقت، إضافة إلى قانون أملاك الغائبين والذي يسمح للحكومة بالاستيلاء على أملاك السكان العرب المنقولة والغير منقولة في حال مغادرتهم البلاد وكذلك أقرت الكنيست قانون القدس العاصمة منذ العام 1980 وبموجبه عُدَّت القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، لكن العالم لم يتعاط مع هذا الأمر؛ لأنه يخالف قرارات الأمم المتحدة التي عدّت القدس الشرقية جزءاً من الدولة الفلسطينية المستقبلية.

ينص قانون القومية اليهودية على أن حق تقرير المصير في إسرائيل لليهود فقط، ولا تمنح المواطنة إلا لليهود، وتدعم الدولة الاستيطان اليهودي لأنه قيمة قومية، ويؤكد أن القدس الكبرى عاصمة لإسرائيل، كما نص القانون على أن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية للدولة مع فقدان اللغة العربية مكانتها كلغة رسمية.

أثار القانون ضجة كبيرة على الصعيد الداخلي والخارجي، فقد أعلنت كل من المملكة العربية السعودية والجزائر وتركيا والبحرين والأردن ومصر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي رفضها للقانون، وعُدّ مناقضاً لقراري الأمم المتحدة 194 و181 اللذين بموجبهما أقر المجتمع الدولي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعودة اللاجئين، وأن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية ضمن حدود عام 1967م.

أما على الصعيد الداخلي فإن القانون سيكون له تبعات كبيرة على نحو مليوني فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل ويحملون جنيستها ويتحدثون اللغة العربية كلغة أم، ويتعاملون بها في دوائرهم العامة والخاصة، إضافة إلى أن القانون أدار ظهره للدروز الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، وقد نُظمت مظاهرات مختلفة يتزعمها الدروز ضد القانون، لكن تقريراً لصحيفة هأرتس أفاد بأن أعضاء اليمين في الكنيست وهم أغلبية يرفضون تغيير القانون أو منح الدروز مكانة خاصة. وفي كلمة له أمام مظاهرة حاشدة نظمت احتجاجاً على القانون قال الزعيم الروحي للدروز موفق طريف “ما من أحد يمكنه أن يعظنا عن الولاء، والمدافن العسكرية تشهد على ذلك. على رغم إخلاصنا المطلق، لا ترانا الدولة متساويين”. وفي محاولة لاستيعاب غضب الدروز كتب بنيامين نتنياهو سلسلة تغريدات على حسابه على “تويتر” كان أبرزها: “علاقاتنا العميقة مع أبناء الطائفة الدرزية والتزامنا حيالهم ضرورية أيضاً؛ ولذا سنشكل لجنة وزارية خاصة ستعمل على تعزيز هذه العلاقات وهذا الالتزام، وفي موازاة ذلك إنها ستثمن أبناء جميع الأديان والطوائف الذين يخدمون في صفوف جيش الدفاع والأجهزة الأمنية”.

التجربة الوحيدة في العالم التي يمكن مقارنتها بقانون القومية اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي نظام “الأبرتهايد” العنصري، وهو نظام الحكم والسياسة العنصرية التي اتبعتها حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948م حتى عام 1990م. واستندت هذه السياسة على مبادئ الفصل العنصري بين المستوطنين البيض الحاكمين والسكان السود أصحاب الأرض الأصليين، وبموجبه مُنح البيض السلطة والسيطرة والثروة وتمت معاملة الأفارقة كعبيد في بلادهم.

التعليقات

7 تعليقات
  1. سليمان عزام says:

    للاسف ما سمح لليهود بالتمادي في مشاريعهم سبب وحيد فقط هو عدم وجود صف مواحد للفلسطينيين الامر الذي اضعف الموقف العربي والاسلامي..

  2. نورة المجالي says:

    بريطانيا سبب خيبات العرب جميعا فهي من سلم اليهود لفلسطين وزرع الشيعة في الخليج وقسم العالم العربي وصنع سياسة فرق تسد

  3. نزار says:

    ستحرر فلسطين يوما ما بلغة القرآن بعيدا عن الشعارات القومية فهذا الصراع ديني وهم الان يتمترسون هلف جدارهم الذي بشر به ديننا الحنيف

  4. الشميري says:

    صعود اليمين اليهودي صعد من الخطاب الديني في اسرائيل وكشف وجهها القبيح لكن هل من متعظ وهل هناك تقية اكبر من هذه ؟!

  5. السهيمي says:

    اسرائيل كيان غاصب قائم على العنصرية الدينية قبل العنصرية القومية وفي حين يدعون العلمانية في ظاهر دولتهم وساستها فانهم في حقيقتهم دولة دينية متعصبة وقمية قائمة على تفضيل العرق اليهودي على غيره من الاعراق والاديان

  6. فهد الطيار says:

    انهم يستغلون ضعف وتشتت الامة وانشغالها بحالها وبقضايا المتنوعه ليكرسوا عنصريتهم التي من خلالها خططون للاستيلاءعلى كامل الاراضي الفلسطينية بحجة انها ملك شرعي ووحيد لليهود جائتهم بوعد رباني في العهد القديم كما يدعون.

  7. متابع says:

    ان استمر الوضع على ماهو عليه وفي ظل الوعد الامريكي الاخير بان تكون القدس عاصمة لدولة اسرائيل وفي ظل انقسام اهل فلسطين وتحزبهم وخلافهم فيما بعضهم سينجح اليهود في اقصاء الفلسطينيين من القدس القديمة ومن كل المناطق التي يعملون على تهويدها وهي بداية لترحيلهم الى جنوب فلسطين او الى الدول المجاورة كما جرى في النزوج الاول عام 1948والثاني عام 1967م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *