العقل الشرعي يتحدى العقل العلماني

..

موقع المثقف الجديد - تقرير

كتاب (دلالة العقل على ثبوت السنة النبوية من جهة والنقل والرواية) يمضي بالقارئ في منحىً مغاير عن المألوف في التصدي للمشككين في السنة النبوية , فبعد أن نهض علماء السنة بعبء الردّ على آحاد الأفكار أو المرويات , وألجموا الخصوم في فُرادى الإشكالات المثارة , هاهو الكتاب يصعد بالمهتمين بالسنة علماً وظاهرةً إلى المنصة العليا لإثارة القضية من جذرها , وهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم , وجرى تدوينه وحفظه في لحظته , ثم إذاعته بحيطة ودقّة وتحفّظ بن الثقات من الرواة وطلبة العلم في صدر الإسلام , وما تلاه من مراحل حيوية في نقل الحديث وشرحه وتقديمه للناس لينتفعوا به , وتستقيم أحوالهم في علاقاتهم ومعاشهم , ولن تستقيم أمورهم على نحو منطقي إلا إذا كان المصدر الملهم لفكرهم وسلوكهم منطقياً وممكناً ومقبولاً ومنسجماً مع مصالحهم على نحو تكاملي , لا يشكو من خلل يبعث على تناقض يضر بشؤونهم ويربكها.

الكتاب ينطلق ويطلق محوراً جديراً بالنقاش , يمس أدوات العقل التشكيكي ويشاغبها , ويستدرجها إلى الندية , بل والسخرية منها , حيث لا يسعها أن تصمد إزاء خطاب متحدٍّ , يحرجها أمام قانونها الذي سنته لقاعدتها وأتباعها , فجاء التحدي متعدداً ومتكاثراً في شتى فروع العلم الذي يجلّي حتمية السنة وثبوتها.

التاريخ قد يكون عقلاً مكتملاً وفلسفياً , وأحداثه الكبرى والصغرى الناصعة في صدقيتها مادة تفكير ومقدمة خام لصياغة نظرية محكمة ونتائج دقيقة , وكثيراً ما كانت أحداث التاريخ محل شك واشتباه لدى كثير من المفكرين والفلاسفة والخصوم التقليديين المحترفين في إثارة الشُبه حول البراهين التاريخية لدعاة الدين والإيمان بالله والأنبياء , ومنطلقهم الوحيد هو الروح الثورية العلمانية التي تعطل أبسط مفاعيل العقل حال الاحتدام مع ذوي الخطابات العقدية , المستندين على كتب ومخطوطات ومقولات ضاربةً في الوثوقية عمق القرون السالفة , ونشبت الصراعات بين مثبتين ونفاة , فجدّ المثبت في إبراز أدلته , وجهد النفاة في إنكارها دون مسوغ إلا السخرية من التاريخ برمته , رغم أنهم تلاميذ لفلاسفة قضوا قبل النبي , وتكالبوا على مخطوطاتهم الصفراء , يحفّونها بالتأكيد والتأييد , ويعزون كل مقولة إلى قائلها الفيلسوف اليوناني فلان – على وجه الدقة – , وينكرون عزوها إلى غيره في صرامة في الاتباع , تعطي مصداقية أكثر لنظرائهم الدينيين الذين بذلوا الأوقات والأذهان لتحقيق كلام الرسول عبر أجيال وأجيال تتوارث النصوص كما تتوارث الأموال والضياع في حرص وإحاطة وحماية كحماية الأعراض والأنفس.

دعاة العلم والعقل جعلوا الأخير خصماً للأول , ويتبدى هذا في كثير من ساحات صراعهم في سبيل أجندتهم ومشروعهم , وكذا إذا استدرجوا أنفسهم إلى أفخاخ نصبوها لغيرهم ؛ لأنهم آمنوا بالأيديولوجيا , وذللوا العقليات وسائلَ وخدماً لها , ثم نبذوا القواعد العلمية الصارمة التي تواطأ عليها علماء العقليات والعلميات والتجريبيات , وتكوّروا على ثورياتهم الضيقة , فالكتاب المتحدي – الذي نحن بصدده – يعقد صلة وتكاملاً حميمياً بين مقبولات العقل في (القواعد العملية المتعلقة بباب الخبر) و(الخطوات العملية لمعرفة ثبوت السنة) و(استقبال الأخبار) و(التوثيق الخطي) و(حفظ النصوص) , مؤكداً إثبات أن الحس والعقل يدلان على إمكانية حفظ الكلام عن ظهر قلب مشفوعاً بدراسة أمريكية داعمة لهذه الحقيقة , كما يدفع بالعقل شاهداً أميناً على (فحص الكتب وشروط صحتها) و(جمع المعطيات ثم مقارنتها بشروط القبول) . ويستحضر الكتاب مفردة العقل في عدة محاور , وهو أمر بالغ الأهمية للتأكيد على نواة الموضوع والتحدي , فهو مثلاً يدرجها في (خلاصة الطرق العقلية لمعرفة الراوي والثقة من غيره) , وما يتفرع منها من محاور حساسة ودقيقة ذات صلة , ولكل منها حججه العقلية التي تحرج العقل العلماني الذي يحتكر الآلة العقلية في أفراده وتياره ونظرياته , وكل من يتخطى أدوات تفكيره يخرج على المنهج السليم في الفهم والاستدلال والاستنتاج.

هذا النوع من الكتب يسقط مسقاط المطر في الأرض الحية على تراب يتقبل الماء ويتفاعل معه , وله مساقط على الأحجار الصلدة والصفوان الأملس , يبعثر مسحة ترابه ويَجْليها , فتتطاير القطرات من صفحة الصخرة إلى أرضٍ تقبلها , لتنشئ بها حياة خصبة رخيّة.

خصوم الكتاب سينقسمون إزاءه إلى: فريق سيتجاهله زراية به , وهذا رد فعل غير علمي , وفريق سيتعالون على الردّ عليه بعد ما خبروه ووعوا فحواه استعلاء على أن يكونوا نظراء لمنافسين قد يتغلبون عليهم حال احتدام نقاش علني , وفريق قرؤوه وخافوا من قوة براهينه , إذ لا مناص من استجلاب براهين مضادة لا تتأتى باليسر المتوخي , ولذا تفادوا قبول أي دعوة للحوار البناء مع دعاة العقلية الحديثية ومنطقية السنّة النبوية وثبوتها , وفريق تشويشي يثيرون الغبار حول الحقيقة اللامعة التي لا ينجح في إخفائها في حيز محدد إلا الغبار الكثيف , وفريق إلحادي لا يؤمنون بالرب الذي بعث ملَكاً إلى نبي بلّغ الرسالة في أحاديث. الكتاب سيهزمهم جميعاً شريطة أن يقبلوا بالنزال.

التعليقات

10 تعليقات
  1. رؤوف المجيدي says:

    السنة مليئة بالشواهد التي تؤكد تكامل العلم مع الدين لكن العقل العلماني يؤمن بأن العلم فوق الدين

  2. فايز says:

    الإلحاد هو إنكار وجود الله وهذه الغاية بحد ذاتها تؤكد أهمية تجاهل هذا الفريق وعدم الخوض في مجادلته

  3. نور الدين العمري says:

    العقل الديني مستند إلى القرآن والسنة ومتحصن باستدلالات من عند الخالق بعكس العقل العلمي الذي يخضع للمنطق الذي هو أسير لقدرات وتفسيرات البشر

  4. جوستاف says:

    التاريخ ليس مجرد عقل فلسفي كما يقول الكاتب بل هو شهادة على الحقيقة التي تقول بأن العلم والدين متكاملان ولا يفترقان

  5. صالح الخليفي says:

    لن يصمد العقل والتفكير العلماني في مواجهة الفكر والعقل الشرعي فما بني على باطل فهو باطل وفي النهاية لايصح الا الصحيح

  6. سيد حلمي says:

    لاشك ان الصراع بين الحق والباطل مستمر الى قيام الساعه بارك الله في طرحكم الكريم وما قدمتم في هذا التقرير من الفائدة الكبيرة لكل طالب للعلم وللحق وباحث عن الحقيقة.

  7. فهد النويصر says:

    حبذا لو تترجم هذه الكتب الى لغات اجنبية عالمية لكي يستفيد منها غير العرب وغير المسلمين وفي هذا خير عظيم للجميع ونتمنى منكم ان تتبنوا هذا الطرح لما فيه من نشر الفهم الصحيح القويم وتحجيم للفكر الخاطيء الضال.

  8. محمد سامي says:

    لاداعي لان يستنزلهم الكتاب بما يحتويه من مضامين رادعه للفكر العلماني الدخيل على مجتمعنا وبتقديري هؤلاء مهزومون وسويولن الدبر لاسباب عديدة اهمها ان المجتمعات نبذتهم ولأن فكرهم ثبتت عدم صحته ومخالفته للفطرة السوية .

  9. هلال says:

    تقرير قيم وجميل ولدي ملاحظة بسيطة أعتقد أن التقرير قد لايفهمه كل القراء الكرام بسبب ان لغته تخاطب عقولا معينه ومفاهيم خاصة ولا يخاطب العامة من الناس اوقليلي الثقافة ، لذلك اتمنى لو ينشر بلغة اسهل مما كتب فيه لتعم الفائدة .

  10. طالب علم. says:

    لا يستغرب أن يكون الكتاب بهذه القوة فالكاتب الشيخ محمد الرباح صاحب علم وبصيرة ومعرفة بأحوال الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *