الحِمار والجَزَرة في تونس

.

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

تشهد تونس جدلاً حاداً بسبب توصيات (لجنة الحريات الفردية والمساواة) التي شكلت بقرار من الرئيس الباجي القايد السبسي في أغسطس عام 2017م، وتركزت مهمتها في تقييم قوانين الأحوال الشخصية التونسية وتنقيحها، وغالباً مصدرها مجلة الأحوال الشخصية، التي أطلقها الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وحاول من خلالها استثمار المرأة التونسية كقضية للنيل من الهوية الدينية للشعب التونسي، وقد كان وأبرز نصوصها: منع تعدد الزوجات، والسماح بالإجهاض والتبني، وتحويل الطلاق إلى إجراء قضائي يتم أمام المحاكم، وليس أمراً يرتبط بالهوية الدينية للفرد.

السبسي، وهو أحد تلامذة بورقيبة يتزعم حزب نداء تونس، ويعيش مأزقاً سياسياً بسبب انقلاب رئيس حكومته يوسف الشاهد عليه، لكنه استطاع وسط هذه الأزمة السياسية أن يقفز إلى الأمام ويربك الساحة التونسية ويوقعها في حالة استقطاب عقيمة تتعلق بدلاً من النزاع بين الشعب والسلطة على الخدمات وتردي الوضع الاقتصادي إلى الصراع بين الليبرالية والتدين حول الهوية الدينية لتونس، وكل ذلك بفضل التوقيت المناسب الذي صدر فيه تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، والذي بلغ حجمه أكثر من 250 صفحة اعتراها استثمار سيئ للآيات القرآنية في مواضيع؛ لتسويغ الحرية الفردية على حساب أمن المجتمع وهويته الدينية، إضافة إلى التشكيك الفاحش في أحاكم الشريعة الإسلامية، والتشكيك في مبدأ الاستخلاف الإلهي للبشر على الأرض، والحدود القرآنية التي وضعت لحفظ وحماية مكانة المرأة المسلمة التي احتلت المكانة الأبرز في التقرير.

من أبرز الفقرات التي تشد الانتباه في التقرير ما جاء فيه توطئةً لمحاولة تسويغ إسقاط هوية الفرد الدينية لمصلحة حقوقه الفردية، وهذا نصه:
(سرعان ما تم تحجيم دور الإنسان الخليفة بعد الانتكاسة التي عرفها المجتمع الإسلامي الأول، إذ تمت التضحية بالفرد لصالح الجماعة والأمة والخلافة كمنظومة حكم. وأصبحت حركة الفقه تجنح نحو التقليص من حجم حقوق الفرد مقابل تضخيم حقوق بقية الأطراف حتى كاد يغيب نهائيا في التجربة التاريخية الإسلامية).

إن كثيراً من المقارنات التي وضعها التقرير لتبرير توصياته لا تجانب الموضوعية والصواب، ولا يقبلها إنسان عالم بدينه أو بمنطق البحث العلمي، فقد استند الذين كتبوا التقرير في توصياتهم مثلاً إلى دليل تفوق عدد الطالبات في المدارس العامة على عدد الطلاب! وعدوا في نظرهم ذلك الأمر حالة تجبر الدولة التونسية على مساواة المرأة بالرجل، ولم يطرح أحدهم سؤالاً على نفسه حول زيادة نسبة الإناث على نسبة الذكور في سجل التعداد السكاني!

من المتفق عليه أننا نعلم أن الحرية في نظر البعض تشبه الجزرة التي يعلّقها الفلاح أمام عيني الحمار لكي يجدّ في سيره، وفي نهاية الطريق يحصل الحمار على مزيد من الأحمال، لا على الجزرة.
ينص تقرير الحريات الفردية على إلغاء المهر في الزواج بصفة قانونية؛ لكونه بحسب وصفها (مقابل مادي لاستمتاع الزوج بزوجته)! وهذا الأمر بزعمهم يحط من قيمة المرأة! كما يشدد كتاب التقرير على منح المرأة الولاية على نفسها وأبنائها في الزواج وأمور حياتهم! وألغت التوصيات شرط إنهاء عدة المرأة بعد وفاة زوجها أو طلاقها! وسوغت ذلك بالقول: (إن الطب أصبح يسمح بتحديد النسب تحديداً لا شك فيه).

وحدّد التقرير الواجبات الزوجية للمرأة والرجل بالاستناد إلى القانون الذي يساوي بين الطرفين، وليس إلى العادات والأعراف؛ وهذا الأمر يأتي استناداً إلى ما صدر ضمن التعديلات على مجلة الأحوال الشخصية عام 1993م، التي صدرت في عهد الحبيب بورقيبة عام 1956م، ونصت على إلغاء طاعة الزوجة لزوجها، لكنه يبقى رئيساً للعائلة! لكن تقرير الحريات الفردية والمساواة الجديد يؤكد إلغاء مفهوم رئاسة الزوج للعائلة والاكتفاء بأن (الزوجين يتعاونان على تيسير أمور الأسرة)!

كما أوصى تقرير لجنة الحريات بإلغاء الفقرة القانونية التي تؤكد ضرورة إنفاق الرجل على زوجته، واستبدل بها فقرة (إلغاء الإنفاق على الزوجة في الحالات التي يكون لديها دخل يغنيها عن الحاجة إلى النفقة)!
وتغوّل التقرير على الحقوق والواجبات في الحياة الأسرية للأسرة المسلمة بالحديث عن إسقاط ولاية الأب على أبنائه، وجعلها ولاية مشتركة بين الأب والأم! وأضافت اللجنة أحد البنود الذي يسمح للأم إضافة لقبها لاسم أبنائها مثَلها مثل الأب! أما بخصوص المواريث فينص تقرير اللجنة على (تحقيق المساواة بين الجنسين).

أما ما يتعلق بالطلاق فإن مجلة الأحوال الشخصية تنص على (منع الزوج من زواج مطلقته ثلاثا)، أما تعديل لجنة المساواة والحريات فينص على أنه (يُحجر الزواج على الزوجين بعد طلاقهما ثلاثاً)، وأضيف تعديل حول الطلاق بالنص الآتي: (يُحكم بالطلاق بناء على طلب أحد الزوجين)، بخلاف النص الذي ورد في مجلة الأحوال الشخصية التي تنص على أن الطلاق مرهون برغبة الزوج أو مطالبة الزوجة به.

أما الفقرة التي ستدفع تجاه مزيد من الانحراف وانتشار الزنى فهي ما جاء في توصية للجنة بضرورة (المساواة بين الأطفال إن كانوا مولودين في إطار الزواج أو خارج إطار الزواج)! والمساواة تعني في النسب والإرث وحمل اسم الأب. وكان الرئيس التونسي قد صرح معلقاً على التقرير: (لا علاقة لنا بالدين ولا بالقرآن ولا بآياته). وأوصت اللجنة بالحرية الفردية فيما يتعلق بالمثلية الجنسية، وحرية الاعتقاد، ومنع الإعدام، وهي توصيات تمس ثوابت العقيدة الإسلامية التي يعدها المجتمع التونسي هويته.

في تقرير نشرته صحيفة هأرتس العبرية لتقويم تأثير التقرير على مستقبل تونس، قالت:
(هذا التقرير مهم وبشكل خاص في حال تم تبني توصياته، فإنه لن ينشئ فقط لغة قانونية جديدة، بل إنه سيقضي على التأثير الرسمي وغير الرسمي للهوية الدينية في تونس، إنه إعداد واضح لثورة دستورية وطنية، إن حدث ذلك فإنه سيجعل كل شخص يختار الدين الذي يناسبه).

وقد علقت رئيسة اللجنة بشرى بلحاج حميدة على المعارضة الشديدة التي وجهت إلى التقرير بالقول: (الشعب التونسي لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب من الوعي لاستخدام الاستفتاء كوسيلة من وسائل الديمقراطية).

ظل الاستقطاب الحاد بين رئيس الحكومة والكتل السياسية المتحالفة معه في البرلمان والرئيس السبسي الذي يتزعم حزب (نداء تونس)، وهو رائد هذا المشروع، فإن هذا الاستقطاب كفيل بأن يوأد المشروع قبل المصادقة عليه، لكن الخطورة تكمن في وجود (لوبي) في تونس يسعى إلى تجريدها من هويتها الإسلامية!

التعليقات

8 تعليقات
  1. نورة says:

    للأسف المجتمع التونسي حصل تشويه لهويته العربية بسبب الفرنكفونية حتى أن البارات في بعض بيوتهم جزء من الاتيكيت

  2. شوماخر says:

    ماذا يريد عجوز هرم مثل السبسي من إفساد عقيدة المسلمين؟ هل إرضاء فرنسا ام تأريخ نفسه على قمة الليبراليين

  3. محمد عولمي says:

    الغريب عن نهضة الغنوشي تقف عاجزة أمام حرب السبسي على الإسلام… هو نهجهم الدائم الغاية تبرر الوسيلة

  4. نور الدين العمراني says:

    هي محاولة فقط لتحقيق مكتسبات انتخابية مثلما ذكر الكاتب وستظهر تبعاتها في 2019 وستنتهي خرافات السيسي والاعيبه

  5. خالد الساير says:

    مع الاسف العلمانية والحرية عند البعض تتقلص فقط لتتركز في الهروب من الاحكام الشرعية الاسلامية والالتفاف عليها لالغاء كل ماهو اسلامي في الحياة والمجتمع.

  6. الفهيم says:

    هي حرب قديمة جديدة على الاسلام مورست في ازمنة ومناطق مختلفة قبل الاستعمار وبعده ولكن لن ينجح سعيهم وسيخذلهم الله وسينصر دينه ولو كره الكارهون .

  7. عمر السحيمي says:

    لقد زرت تونس وهؤلاء لايمثلون الا انفسهم لو صدقوا فيما يدعون لقاموا بعمل استفتاء شعبي حول القوانين الجديدة وانا متأكد ان شعب تونس المسلم المتدين سيسقط قوانينهم الجائرة على الاسلام والمسلمين والتي تحابي في ماتقدمه الغرب ارضاء لهم وليس اكثر من ذلك.

  8. راشد السليمان says:

    هذه ليست حرية تعبير ولاحرية اعتناق الاديان والعقائد كان الاولى بهم اتاحة قوانين اسلامية لكافة الشعب كونه شعب مسلم واتاحة قوانين اخرى لغير المسلمين لاتلزمهم بما يلتزم به المسلمون ، اما ان يجبر الناس على هذه القوانين التي تعارض الشرع الاسلامي فهي مرفوضة حتى في الغرب المسيحي الذي ساير المسلمين المقيمين على اراضيه في كثير من قوانينه الوضعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *