من أي نهر سيشرب الحصان العربي؟

[JUSTIFY][SIZE=5]د. عبدالرحمن الحبيب :

أول الثورات الشعبية لبناء الدولة الحديثة ظهرت في بريطانيا (1689م)، ثم أمريكا (75-1783م)، وفرنسا (1789م) التي تعتبر أم الثورات ونموذجها للعصر الحديث.. وفي منتصف القرن التاسع عشر ثارت أغلب أوربا، وفي القرن العشرين عمَّت الثورات أغلب المناطق التي لم تشهد تحولاً للتحديث. أما المنطقة العربية فلم تشهد ثورات شعبية إلا في بداية العقد الثاني من قرننا الواحد والعشرين.. كأننا دخلنا القرن العشرين في القرن الواحد والعشرين عندما انتهت تقريباً كل مناطق العالم من إنجاز ثوراتها التحديثية!

يقول المثل: تستطيع أن تجرَّ حصانك إلى النهر، لكن لا تستطيع أن تجبره على الشرب! يمكن للسلطة أن تفرض أفضل نظرية في السياسة أو الاجتماع، لكن لا يمكنها أن تقنع الناس بها ما لم يرغبوا. جهاز الدولة العربية الحديثة تم صناعته من فوق، هذا لا يضمن قبولها من تحت.. وهو أيضاً لا يعني خطأ في عملية التحديث التي تصوغها الدولة، لكن الشعب "الحصان" لم يستشر.. ثمة اختلال في التوازن والتناغم بين القمة والقاعدة، منعت انفجاره القبضة الأمنية الشديدة التي تولت مهمة التوازن. فمشاريع النهضة العربية سياسياً وفكرياً فشلت بامتياز! كان الاقتصاد هشاً، كان نمط الإنتاج متخلفاً، كانت الغالبية الساحقة أميَّة..
بينما في الحالة الغربية، قبل أن تقوم الدولة الحديثة سياسياً تغيَّرت اقتصادياً واجتماعيا.. قبل أن تندلع الثورات فيها كان الرأي العام يختمر بفكر جديد وفلسفة جديدة، وقبل أن تقوم هذه الفلسفة قام مجتمع جديد باقتصاد جديد. تشكلت الدولة الغربية الحديثة عبر تشكل الاقتصاد الرأسمالي وتشكلت طبقتاه الاجتماعيتان البرجوازية والعمالية، وصارت هذه الدولة تخضع لاعتبارات الاقتصاد والحراك الاجتماعي. وعلى النقيض من ذلك في العالم الثالث وبالأخص في الدول العربية، تشكلت الدولة الحديثة فجأة قبل نضج الاقتصاد المحلي ولم تتح فرصة لتراكم رأس المال الوطني ولا تكون طبقة وسطى.

نشأ جهاز الدولة العربية الحديثة من فوق وفقاً لأصول غريبة عنها؛ أصول أوروبية تقوم على فكرة القانون والعقلانية التي ارتبطت بشكل متلازم مع الرأسمالية وصعود البرجوازية اللتان لم تتشكلا في العالم العربي. وانتقلت كثير من الهياكل النمطية لهذه الدولة العربية مباغتة أو فرضاً عن طريق عدة مصادر، أولها الاستعمار، وآخرها الانتشار بنجاح النموذج، كالمحاكاة والاقتباس ونقل الخبرات والثقافة، وما بينهما كانت سيطرة النظام الرأسمالي عالمياً ومتطلباته لفرض وجود دول حديثة تخدم التقسيم العالمي للاقتصاد من توزيع الإنتاج وتبادل التجارة (استيراد المواد الخام وتصدير البضائع)..

الاستقلال السياسي للدولة العربية من الاستعمار لم يصاحبه استقلال اقتصادي، بل تبعية للدول الرأسمالية العظمى المسيطرة على نظام الاقتصاد العالمي، نتيجة تخلف وهشاشة البنى الاقتصادية المحلية. ذلك أدى إلى خضوع الدولة العربية للضغوط الخارجية. وهذه الضغوط أدت إلى تحرك العسكريين وانقلاباتهم (باستثناء دول الخليج العربي) لإعادة استقلالية الدولة، ولكن هذه الاستقلالية سرعان ما خضعت لاستبداد إحدى القوى الداخلية المسيطرة أو العودة لتبعية نظام الاقتصاد العالمي. هذا العامل الاقتصادي يفسر عدم حدوث انقلابات عسكرية في دول الخليج العربي بعد فترة الاستعمار، لأن النفط دخل في معادلة التوازن كداعم للاستقرار المحلي. كما أن هناك عاملاً آخر للاستقرار في دول الخليج، وهو وجود النمط المشيخي في الدولة، وهذا النمط هو من قلب البيئة الداخلية متآلفة مع المجتمع، وامتزج مع الأنماط الحديثة المستوردة، ليدعم التوازن بين الداخلي والخارجي من جهة، وبين القمة والقاعدة من جهة أخرى، على خلاف كثير من الدول العربية غير الخليجية التي فقدت توازنها…
الدولة الغربية الحديثة نشأت من تحت بينما الدولة العربية الحديثة نشأت من فوق. هذا النشوء الأخير أدى بالاقتصاد المحلي والسوق والعمليات المرتبطة بالإنتاج والتشكلات الاجتماعية أن تخضع بشكل تعسفي للسياسة ومنطق الدولة أكثر من خضوعها الطبيعي لحركة الاقتصاد أو للمجتمع. ولأن البناء الحديث لجهاز الدولة العربية هو نتاج عوامل خارجية أكثر منها داخلية (اقتصادية اجتماعية)، فإن الحالة السياسية عانت من الافتقار للتناغم بين القاعدة والقمة، وقد لا تستوعب القمة متطلبات القاعدة فتنفجر الأخيرة لتشكل حالة جديدة ممتدة من الواقع مثلما حدث في الانقلابات العسكرية سابقاً، ومثلما يحدث الآن في الثورات العربية.

وبالأساس قبل التحول البيروقراطي الحديث كان نمط الدولة في المناطق العربية نمطاً قروسطياً تسيطر فيه الحكومة على الاقتصاد، وكانت ذات سلطة مركزية قوية، حيث يعتمد نمط الإنتاج الاقتصادي للدولة على النظام الخراجي (الجباية)، وحيث الإنتاج الزراعي يتم السيطرة عليه حكومياً بالسيطرة على منابع المياه، خاصة الأنهر (كان الري هو العامل المحدد للإنتاج النباتي). وبسبب سيطرة الدولة العربية ما قبل الحديثة على الاقتصاد، لم يكن لدى الطبقات المتضررة والمضطهدة هامش من حرية الحركة أو مساحة لتحسن أوضاعها، ولم يكن لدى المعارضة أو جهات التغيير ما يمكن أن تضغط به على الدولة من أجل التغيير. وهذا يفسر جزئياً أزمة الحريات في العالم الثالث عموماً، والعالم العربي تخصيصاً، حيث تسطير الحكومة المركزية على أهم شريان للحياة "الاقتصاد"، إضافة زائدة لدورها الطبيعي في الحماية وضمان الأمن.

مضى كامل القرن العشرين ولم يحدث التوازن أو التناغم المطلوب بين النظرية والواقع، ولا بين القاعدة والقمة في أغلب المناطق العربية وتراكمت الأخطاء والتشوهات، وتولت القبضة الأمنية مهمة إحداث التناغم قسراَ، فولَّد القمع حالة من الفساد المستشري الذي بدوره ولَّد الفقر والبطالة.. حتى انفجرت القاعدة متشظية بلا تحديد في بداية العقد الثاني من القرن العشرين.. الآن يمر العالم العربي بمرحلة إعادة التوازن.. والآن قد يمضي الحصان إلى النهر دون إجبار ويشرب منه.. فمن أي نهر سيشرب الحصان العربي؟

[/SIZE][/JUSTIFY]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *