هل تُغيّرُ الفلسفةُ اسمَها لتعيش؟

..

موقع المثقف الجديد - عبد الرحيم القحطاني

كما أن الفلسفة نظرية هي مفردة أيضاً (فلسفة)، وكلٌّ من النظرية والاسم تآخيا تكاملياً، استيراداً وتصديراً للإشعاع الجذاب؛ فاكتسب الاسم فخامته التاريخية من نشاط جبّار بذله الفلاسفة لإرساء تصورات وقواعد للتفكير، غايتها خدمة الإنسان، بحسبهم. وغني عن البيان أنها مشروع فكري عملاق نافذ في الزمان والمكان، ومتجاوز للأفق التقليدي، وذيوع أسماء روادها وعظمائها في أوساط تداول المثقفين وأنصافهم والعوام مؤشر حاد على أنه تيار عقلي نجح في أن يكون موازياً لأنماط من التلقي والتأويل، هي الأخرى شكلت تيارات إنسانية جارفة ومقنعة للبعض، حققت لهم شرط التطبيع بين محيطهم والتكيف مع مفرداته لغاية الطمأنينة المرادفة للرخاء النفسي والسلام الروحي، وفي طليعتها التصور الديني للكون والحياة والإنسان.

الفلسفة جذبت كثيراً من أولي العقول الاستثنائية القلقة الدائبة على التأمل وكدّ الذهن وتدوين الاستنتاج وإفراده في مباحث وفصول وكتب ومحاضرات وحوارات خلّدها التاريخ، واستحال مجتهدوها رموزاً أممية ووطنية عالية الشأو، تُنصب لهم التماثيل في قلب العواصم، ويؤرخ بميلادهم ووفاتهم، وتتفاخر الأمم وتتنابز بخيارها من العلماء والفلاسفة؛ وهذا يشي بأن المشروع الفلسفي النهضوي جرى مجراه الافتراضي، وأحرز مبتغاه في التغيير في أمم ودول، وتلخصت بعض اجتهاداتهم في قواعد اجتماعية، وأدرجت فقراتٍ في قوانين تناسلت إلى دساتير تحكم الدول وعلاقاتها بشعوبها.

ومع قيام الدول الوطنية واكتفاء كل دولة بهمّها الذي يدير مصالحها الخاصة، وبنهوض التعليم الموجّه لخدمة برامجها التنموية، تنامت الأيديولوجيا البراغماتية ونزعتها الذاتية، وتضاءل الحس الوحدوي والأممي، وأعملت بعض وسائل التأثير آلاتها للدفع بالمشاعر إلى الحس الوطني وحسب، مع الإبقاء على شيء من الحفاوة بالقومية أو الإنسانية، ولمآرب ضيقة رسّخت لتصور الإنسان حول غايته الوجودية، وهو البقاء مكتفياً بمقوماته، وهذا اللون من الاكتفائية قلل من احتياجه إلى الإرشاد الوافد الذي يشخص أزماته ويذلل الحلول.

والفلسفة انتدبت نفسها مرجعية معصومة لهذا الطارئ، لكنها ما برحت تلعب دور المراقب أكثر من الحكيم؛ إذ إنها تنظيرية، وتتطلب من مريدي إجاباتها أن ينتموا إليها أعضاء فاعلين في مشروعها الإنساني، فهي لا تُدِل بنِعَمها إلا على الخلصاء المتفانين في التبشير بها، غير أن واقع ما بعد الحداثة لا يمضي في هذا الاتجاه، وفقدت الفلسفة عنفوانها، وكأنها كانت وسيلةً ذلولاً لتغيير ثقافي جذري هائل أطاح بجاهل تقليدي، وأتى بحداثي أجهل في استيعاب فهم الإنسان وحقوقه، وانتهى إلى الاستعمار ودمويته ذي الخلفية الفلسفية، فتورطت الفلسفة بشوائب ثقيلة علقت بها كُرهاً بما تضمره من عدوانية للإنسان في بعض تجلياتها الحاسمة والذائعة، وتعزيزها الطبقية والعنصرية بمسوغات إنسانوية، لا تتخطى المنتج الفلسفي، علاوة على عاجيّتها المفرطة ونخبويّتها الضيقة، وانحسارها عن خدمة الإنسان، وانكفاء أساتذتها إلى الخلوة، ومِن ثَمّ إلى الذاتية، وكأنهم هاربون من الحدث وتأويله بعد أن تولت طبقة المتخصصين والمفكرين والمحللين مهمة الفهم والإفهام والاستنتاج،  بكل اقتدار، في شتى ميادين المعرفة والمجالات التي تباشر حاجة وضرورة المجتمع وأفراده، بل والشأن السياسي الداخلي والخارجي، فماذا بقي للفيلسوف ليقول ما ينفع الناس ويطلعهم على ما يجهلونه؟

فَصْلُ العلم عن الفلسفة نفع العلم وأضر بالفلسفة، وأعلى من شأن كلمة (العلم) وفخامة تداولها، وقلل من قيمة كلمة (الفلسفة) إلى درجة أنها باتت مرادفة للعبثية أو الجهد الذي لا طائل من ورائه، وإن بقيت ذات بال لدُن الباحثين والمتخصصين في شؤون الإنسانيات في العالم، وبعض الفوائد المجدية التي قدمتها الفلسفة للعلوم يجري هضمها وإعادة تدويرها في قوالب جديدة لا تنفك عن مصدرها الأول وعلامة الجودة الدامغة، إلا أن المتلقي المستفيد من الأفكار والمعلومات والاستنتاجات لا يكترث البتة بالمصدر الأول، فغايته نفعية بحتة، يستثمرها في تحقيق غايات تنعكس على حياته ونجاحاته. وطبيعة التلقي الحديث للعلوم والأفكار والدورات والكتب المعنية بتطوير الإنسان وقدراته واكتشاف ملكاته، أو المباشرة للتربية أو الإدارة وفنها أو الدبلوماسية، كلها فروع رشيقة تبرعمت علوماً تبرعمت عن فلسفات أولى، ثم لم تلبث أن استقلت وتحررت منها على نحو عاقّ، ولم يبدُ منها أي مظهر للوفاء والبر بها، كأنها كما قال ديورانت: “عجوز هجرها أبناؤها”.

الدورات الحديثة لهندسة النفس وكسب الأصدقاء وكيفية حل المشكلات تندرج ضمن الفنون الفكرية، حتى لو اتكأت مقولات منفذي الدورات على مراجع فإن كلمة (فلسفة) أو (فيلسوف) تغيب بداهةً، وتحضر كلمة (مختص) أو (محلل)… مريدو الفلسفة المتفانون ينشطون في إحيائها نظريةً وكلمةً، لكنهم معزولون، وبوسعهم أن يندمجوا في دوائر مجتمعاتهم، إلا أن كلمة (فلسفة) لا تفتأ عائقاً لتفاعل طلاب المعرفة العصرية الجادة، فهل تغيّر الفلسفةُ اسمَها لتعيش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *