وسطية ابن تيمية في عبقريته

..

موقع المثقف الجديد - تقرير

الإمام ابن تيمية شخصية تاريخية جدلية , ولم يكن يبحث عن الجدل ليوصف بالجدلي , لكن اعتبارات ثقافية محددة مضت في سياقات محددة أبرزت مواقفه العلمية وبطولاته الأخلاقية , ثم هيمنت الصوفية وبعض الأفكار الإلحادية الباطنية والشيعية أفضت إلى انحسار اسمه ردحاً من الزمن , ثم سرعان ما لمع نجمه من جديد في سماء الفقه والدعوة عبر المشروع السلفي الذي افتتحه الشيخ محمد بن عبد الوهاب , وتأسس على قواعد دينية سنية نهضت عليها الدولة السعودية التي عنيت بابن تيمية وآثاره وإعادة طباعة كتبه وبثتها في الآفاق , وتلقاها أكثر المسلمين بترحاب بالغ لما تتمتع به شخصيته العلمية من تنوع في الأخلاق والعقيدة والعبادة والشريعة والجهاد والتربية والتزكية , ومسّت جوانبه العلمية اهتمامات المسلمين والعلماء , والدعاة منهم على الأخص, فالأخلاقيون يتخذونه مرجعاً , ودعاة العقيدة الصحيحة يستلهمون مقولاته , وأنصار الشريعة يعودون لفتاواه , وكذلك أهل التزكية والصفاء يقتبسون من تعاليمه , ما أكسبه بعداً أممياً وعالمياً بلغ الأقاصي , وتخطى سالفه ولاحقه , حتى بلغ اهتمامات الباحثين الغربيين , ومن جملتهم الدكتور يحيى ميشوت الذي تخصص في الشيخ وكرس شطراً من عمره لتبيّن شخصية ابن تيمية وأثاره الجليلة , ثم أنجز هذا الكتاب الفريد (ابن تيمية ضد التطرف).

لكن ما الذي يجذب هذا اللون من المفكرين الغربيين لابن تيمية تحديداً على الرغم مما اتسموا به من نزوع إلى الفلسفة والعقلانيات , وابن تيمية خصم مجاهد ضدهما وناقد لهما.

كثير من المهتمين والمناصرين للفلسفة يتفاعلون مع ابن تيمية سلباً , لكنهم يصنفونه باحثاً معتبراً في هذا المجال ؛ لذا ينازلونه ويعترفون له بالباع وعلو الكعب , ومن هذا الاعتراف والتقدير يواصل بعضهم في الاستكثار من قراءة كتبه للتمكن أكثر من فهم الخصم والردّ عليه , ومنهم من يقف موقف الإنصاف , وآخرون تأثروا به وأحدث فيهم تغيراً طفيفاً أو بليغاً , وفريق هاجموه كما يهاجمون الإسلام ذاته بالقصف العشوائي الذي لا يوصف إلا بالهجمية ,غير المستندة على تأويل علمي ولا حتى مبرر فلسفي.

المؤلف يحي بيشوت ابن البيئة البلجيكية والمؤثر الأوروبي كان ضمن آحاد الصنف الثالث , وانبرى مدافعاً من ابن تيمية بتؤدة وعقلانية واستيعاب شامل لما كتبه الشيخ , وسلط الضوء في كتابه على جانب الوسطية الذي ينفيه خصوم ابن تيمية عنه من المسلمين وغيرهم.

ورغم كثرة الكتب التي دافعت عن الشيخ إلا أن الكاتب بلجيكي , يؤلف بلغة أجنبية فصولاً في فحص تراث ابن تيمية وإبراز الوسطية المتهمة , ولا يكتفي بالخطابية والمنبرية , بل يجتازها إلى الإسقاطات البارعة , وإفراد فصول ذات عناوين متباينة , تنهض شهوداً على قيمة الاعتدال بوصفها سمة طبيعية في منهج ابن تيمية , وليست طارئة , لا تلبث أن ترتد إلى نقيضها , كما هو الشأن مع بعض المفكرين والعلماء.

الاستشهاد وإيراد المقولات والأمثلة من كتب ابن تيمية في قضايا وفروع متعددة في الفقه والعقيدة والمعاملات.. ونشر فتاوى ابن تيمية التي عمد خصومه إلى طمسها أمر بالغ الأهمية ليؤسس المتابع رأياً علمياً متسقاً وعادلاً , سينتهي حتماً إلى نتيجة متسقة وعادلة.

يعمد الكتاب إلى الموجزات في تقرير موقف ابن تيمية في جملة من القضايا الحيوية كـ (احترام التنوع), (الوحدة), (التسامح والتشدد) ومسائل عقدية حساسة (هل يتردد الله؟) (الحب وصحة القلب) و(الحب والشريعة) و(تبجيل النبي), (اتباع النبي), (المسلم بن الكافرين), وموضوعات أخرى ينتصر فيها ابن تيمية للوسطية المألوفة عن أهل السنة النافرة من كل طرف غالٍ مع أو ضد .

ومن أوجز وأهم ما دعا له الشيخ في وسطيته التعامل المعتدل مع الحكام , والذي أثار ضجيجاً مدوياً في علاقة الراعي بالرعية , وكيف تشبث بعض الغلاة في الجهاد بفتاواه , لا سيما مع المغول وجهادهم , دون أن يطلعوا على بقية ما فاه به وخطّه قلمه في وجوب الطاعة في المعروف ولزوم الجماعة والصبر والدعوة. والكتاب أفرد عنواناً كاملاً عن ابن تيمية المعتدل في جهاده , وليس لهؤلاء سبيل عليه , ولا على ما يقرره في مقولات يبتسرونها من أجل تحدي الولاة ومنازعتهم.

الكاتب عرض لوسطية ابن تيمية , ومن ثناياه نستشف حقيقة لا تكاد تبين , وهي أن الشيخ عبقريّ في فهمه وإحاطته بكل قضية يخوض فيها , ويستظهر تفاصيلها ويُعمل أدواته الذكية في بلوغ النتيجة الحكيمة , فمع العبقرية النبيلة تتجلى الوسطية , وليس كل عبقري وسطي , ولا كل وسطي عبقري , لكن ابن تيمية توسل العبقرية لإدراك الوسطية.

يلخص الكتاب في غلافه الخلفي بعضاً من فتاوى ابن تيمية الوسطية النبيهة , كما اهتدى إلى رصدها الدكتور يحيى ميشوت لتكون خاتمة وفاتحة لمن يتشوف للاقتراب أكثر من وسطية ابن تيمية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس , ونال منه شانئ , وذب عنه محبّ آمن باعتداله وإسلامه الحق.

التعليقات

4 تعليقات
  1. سالم نور says:

    ميشوت يحاول بناء تصور حول هوية الإسلام الصحيح استنادا لما ادركه من موروث ابن تيمية و هذا الأمر أكبر دليل على الاعتدال في منهجية الأخير

  2. مجدي البار says:

    ابن تيمية. أظهر من خلال ما خطته يده في العلوم الشرعية انه اكثر عبقرية وذكاء من الكثير من الفلاسفة و المجتهدين في. مخاطبة عامة المسلمين وبرهانه على ذلك قدرته على تأصيل الهوية السلفية

  3. نسيم says:

    الذي يجذب أمثال هؤلاء لعلوم الشيخ رحمه الله هو ذكائه وندرة موقفه وشدة حجته و سلامة اجتهاده ففي وقته لم يكن في الأمة الكثير في منزلته

  4. ابن البلد says:

    رغم كل افتراءات اعداء الاسلام و اصحاب الطرق الضالة عليه وما يتهمونه به من التطرف ونشر الفكر المتعصب وتكفير الاخرين نقول سيبقى شيخ الاسلام وماقدمه منارا ومركز اشعاع ديني عبر التاريخ الاسلامي في فكره وعلمه ولما قدمه من خدمات جليلة للاسلام والمسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *