طموحات بوتين في سورية الأرثوذكسية!

..

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

منذ بداية اندلاع الثورة السورية عام 2011م تواترت التصريحات الروسية التي تؤكد دعمها للنظام الطائفي الذي يحكم دمشق وتأكيدها عدم السماح بإسقاطه مهما كلف الأمر، وفي هذا السياق كانت زيارة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا كيريلوس هي الأولى بعد الثورة السورية.

وفي الكنيسة المريمية في دمشق تباكى البطريرك على حال نصارى الشام، وأبدى قلقه من مصيرهم فيما لو تقلد الحكم في سورية رئيس من طائفة أخرى غير بشار الأسد!
وكان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر قد تحدث عن التدخل الروسي القادم في سورية عام 2011م، حين قال:
(لا يمكن لروسيا التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنصارى سورية أن تتخلى عنهم في ظل المعمعة الحاصلة هناك، مع توقعات وصول الإسلاميين إلى السلطة).

وأردف كيسنجر قائلاً:
(روسيا ستتدخل عاجلاً أم آجلاً نصرة لنصارى سورية والشرق؛ وخوفاً من أن تمتد نيران الثورات لتصل إلى أراضيها التي قطنها عشرات الملايين من المسلمين التواقين إلى الحكم الذاتي).
وفي السياق نفسه جاء تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حين قالها بصراحة:
(نؤيد بقاء الأسد، ونخشى قيام نظام سني في سورية).

وأظهر خوفه على مصير الأقليات في سورية بزعمه، لا سيما النصرانية منها، إضافة إلى الدروز والعلويين والأكراد، في حال سقوط نظام الأسد.
حول التدخل الروسي وأبعاده الدينية في سورية يقول الكاتب السوري نضال معلوف مدير موقع (سيريا نيوز):
لا شك أن روسيا بوتين تتبع للكنيسة بشكل كبير في سياساتها الخارجية، ولعلي هنا أذكر بتقرير الخارجية الأمريكية الصادر العام الماضي الذي يقول: (إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تشهد مزيداً من النفوذ السياسي في روسيا، فيما يتراجع احترام حرية العقيدة للمجموعات الدينية الأخرى، وجاء في التقرير أيضاً أن مراقبين أعربوا عن قلقهم من تزايد السلطة السياسية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، فدائماً ما وقف المسؤولون الحكوميون على رأي مسؤولي الكنيسة في سياساتهم، وبات يحق للكنيسة أن تدرس أي قانون سيطرح على البرلمان).

لهذا باتت روسيا الأرثوذكسية تتعامل مع سورية وكأنها قطعة منها، أو تابعة لها إدارياً، أو كأن معظم السوريين ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية، ونسيَتْ أن 80% من الشعب السوري مسلم سني.
إن ساسة روسيا وكنيستها لا يزالون يعتقدون بأن روسيا حامية حمى نصارى الشرق الأوسط كما كان الأمر في الماضي، وأنه لا ملاذ لهم إلا إليها، وهي ما زالت تحفظ الجميل للعلويين؛ لخيانتهم وعمالتهم للبيزنطيين والصليبيين قبل ألف عام، وتجليهم اليوم بالمجلس الملي العلوي المدعوم من قبل المحتل الروسي الذي يسيطر على مقاليد الأمور في سورية.

وعن حقيقة البعد الديني للتدخل الروسي في سورية يقول المفكر والكاتب ميشيل كيلو:
(لاشك أن الكنيسة السورية مرتبطة تاريخياً بالكنيسة الروسية، واليوم في روسيا يراد لنا أن نكون تبعاً لهم سياسياً ودينياً واقتصادياً، بل حقلاً خصباً لتجاربهم العسكرية، وكما نرى تصريحات القيادات الدينية والسياسية الروسية، نرى أن جميعها كانت وما زالت تلقي أضواء على أحد مسوّغات الحرب التي شنتها روسيا ضد شعب سورية، تحت شعارٍ لطالما اعتقدنا أنه من ابتداع الأمن السوري، وها هو البطريرك روسيا يخبرنا بشكل مباشر بأن جيش روسيا جاء إلى سورية تحت رايات دينية وتحت شعار (نريد الأسد وحرق سكان البلد(.
ويقول البطريرك: إن تدخلهم في سورية واجب ديني بل هي حرب دينية مقدسة، وإن علاقات الكنيسة الروسية مع آل الأسد قديمة، وإن العلويين كانوا حلفاء للبيزنطيين، ووقفوا إلى جانبهم في الصراع على المشرق وسورية.

ويضيف البطريرك: إنه هو من أنقذ بشار الأسد وليس بوتين! وهو من أقنع الرئيس الروسي بالتدخل عسكريا في سورية، ولذلك أصدر عام 2015م بياناً أيّد شن غارات جوية في سورية، وعدّها جزءاً من (معركة مقدّسة).

يقول ميشيل كيلو:
بصراحة كنت أستخفّ شخصيا بترّهات البطريرك، وأرى فيه شخصا يعيش في الحقبة السابقة للعصر الوسيط، وأن مواقفه تفسّر بغربته المرضية عن العالم، وتخلفه الذهني الذي تمليه في العادة معتقداته الدينية المتطرّفة، والتي تحدّد مواقفه السياسية بما تسبّبه من كوارث (مقدّسة) بين البشر، لكنني أميل اليوم إلى قراءة تصريحاته باعتبارها جزءا تكوينياً من خيارات روسيا الرسمية التي يخالطها ضربٌ من هوس ديني، يجعل الأسد مركز (معركة مقدسة) في سورية، وقضية كنسية روسية تتجسّد فيه شخصياً، يضمن وحده، من دون بقية خلق الله، بقاء سورية بؤرة جيوسياسية روسية، حسب قول أحد كبار قادة الجيش الروسي، وهو الجنرال فيدوروف، الذي تحدّث عن وضع خاص، يجب أن تأخذه روسيا في الحسبان، يرتبط باختيار الرئيس السوري من (المجلس العلوي الأعلى في الساحل).

تلتقي الكنيسة الروسية و(عسكريتاريا) موسكو على بشار الأسد، الأولى بسبب دور أسرته في التعاون مع بيزنطة ضد المسلمين، والثانية بحجة أنه شخصيا مصلحة جيوسياسية روسية، تختارها الجهة التي يذكّر البطريرك بدورها التاريخي إلى جانب بيزنطة، ويجدّد قتالها اليوم ضد (الإرهاب الإسلامي) دورها التاريخي حليفا تلتقي عنده تشابكاتٌ تاريخيةٌ وإستراتيجيةٌ ودينيةٌ دفعت روسيا إلى احتلال سورية لإنقاذه هو وجماعته العلويين، وفاءً لعلاقة قامت قبل أكثر من نيّف وألف عام مع بيزنطة، اخترقت خلالها العالم الإسلامي، وها هي موسكو ترد لهما الجميل، وتحتل سورية لفرضهما بالقوة على شعبها الذي يرفضهما، وللمحافظة على مؤسّساتهما الطائفية من جيشٍ ومخابرات، والتي بنتها روسيا، وتحارب اليوم معها في إطار علاقة تتبنّى الكنيسة والدولة الروسية فيها موقفا موحد المنطلقات، يندمج مجلس الساحل الأعلى فيه عبر شخص بشار الذي لا بديل ولا مثيل له، ويلتقي في شخصه عفن التاريخ الكنسي مع التطلّع الاستعماري المستعاد، والتخلف الطائفي الذي قتل السوريين، ودمر دولتهم ومجتمعهم، تحت إمرة روسيا.

تقول تصريحات البطريرك والجنرال الروسيين إنه لا علاقة لخلفيات الموقف الروسي بظاهره، بل تستأنف صراعا كنا نعتقد بأنه عفا عليه الزمن، يتبنّاه عندنا قتَلة باسم الدين، وتقول تصريحات الروس إن الحال هناك ليس أقلّ جهاديةً من الحال هنا، وإن روسيا تعد بشار الأسد جزءاً من الحرب المقدّسة ضد السوريين، لن تتخلى عنه؛ لأن وجوده مصلحة روسية فوق سياسية، وتفسّر خلفياتها هذه تصريح لافروف بشأن رفض إقامة حكومة سنية في دمشق، وحديث البطريرك عن حرب روسيا المقدّسة في سورية
إذا كان هذا التشابك الذي أفصحت عنه التصريحات يفسّر ما خفي من سياسات روسيا تجاه وطننا، لماذا فاتنا المغزى العميق لحديث بطريرك روسيا عام 2015 عن حرب روسيا المقدّسة في سورية، وحديث لافروف عن منع قيام الدولة السّنية؟!

ويرى الكاتب عبد الوهاب عاصي: أنه إذا كانت إيران عملت خلال السنوات الماضية على نشر التشيع في سورية فإن روسيا ليست أقل منها شأناً؛ فهي قد كرست كل جهودها لتمكين أبناء الطائفة الأرثوذكسية من السيطرة على سورية، ولعل كل ما جرى من تدخل روسي أعقبه من قيام للقواعد العسكرية الروسية في سورية، وما أعقبه من فرض اللغة الروسية كلغة ثانية في جميع المراحل الدراسية وبثها في نشرات الأخبار التلفزيونية، ومن ثم قيام روسيا بفرض المسيحية الأرثوذكسية لتدرس في مادة الدين في المدارس السورية، وما قامت به روسيا من إهداء النظام السوري تمثالاً برونزياً ضخماً جداً للمسيح، ليتم نصبه على قمة جبل (شيروبيم) في بلدة صيدنايا بريف دمشق ضخامة التمثال تطلبت لنصبه ثلاثة أيام من العمل، كما جعلت بالإمكان مشاهدته حتى من لبنان والأردن وفلسطين؛ لأنه وُضع على ارتفاع يتخطى ألفي متر، وقد تكفلت بدفع تكاليف تصنيع ونقل وتركيب التمثال جهات نصرانية سورية وروسية!

ولعل ما رأيناه مؤخراً من قيام موسكو بالتعاون مع حكومة بشار الأسد باختيار مجموعة من الفتيان المتفوقين دراسياً لأخذهم إلى بهدف إكمال دراستهم ومن ثم إلحاقهم بمدراس عسكرية هو خير دليل على نية موسكو المستقبلية تجاه سورية، وهو إيجاد نخبة من العسكريين المهجنين التابعين لها؛ لتسليم مقاليد البلاد إليهم؛ ترسيخاً لتحويل سورية إلى مقاطعة تابعة بكل تفاصيلها لروسيا الأرثوذكسية.

التعليقات

5 تعليقات
  1. نور الدين says:

    دعم الغرب مليشيات اشورية بدعوة محاربة داعش وهذا الأمر تم أيضا في العراق… للأسف الغطاء السياسي الدولي للعدوان المسيحي على العالم الإسلامي تفضحه الجرائم التي ترتكب في سوريا دون أي تحرك دولي بخلاف ما جرى في أفريقيا الوسطى

  2. الله المستعان says:

    نسأل الله ان يجعل كيدهم في نحرهم فبلاد الشام عامة وسوريا خاصة عربية اسلامية ولن تكون غير ذلك وما يجري اليوم هي مرحلة وباذنه تعالى ستزول الغمة وينتصر السوريون على القتلة الروس والايرانيون ويعود السلام والامن لأرض الشام المباركة

  3. سعد الحريز says:

    كلام مهم جدا ربما الكثير من القنوات الاعلامية لاتعرضه ولاتعطي له بالا وينظرون لما يجري على انه حرب اقتصادية بحته لاشك هي كذلك لكن لها أيضا بعد ديني وعقدي والمحتل يعمل جاهدا على التغيير الديمغرافي والعقدي لأهل سوريا مستغلا تغاضي العالم عن جرائمه بحجة انه هناك بطلب من النظام السوري.

  4. المضحك المبكي says:

    يقتلون الناس ويدمرون المدن والبلدات ثم و بكل وقاحه يدعون انهم يكافحون العصاباتع المسلحة في سوريا، وبينما هم يمارسون ابشع اانواع الجرائم والارهاب يدعون انهم يريدون تطهير سوريا من الارهاب الاسلامي .

  5. محمد المريشد says:

    روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي ملطخة أيديها بدماء الشعوب المسلمة قديما وحديثا بداية من جرائمهم في القفاقس والجمهوريات الاسلامية ومجازرهم تجاه المسلمين التي ذهب ضحيتها الملايين وما اعقبها من غزو حاقد على افغانستان وما تلاه من جرائم يندى لها جبين البشرية في الشيشان وماجى من حرب تصفية عرقية رهيبة، والان همفي سوريا يعيدون نفس السيناريو الاجرامي من قتل وترويع وتدمير وتهجير للمسلمين تحت ذرائع كاذبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *