إذا لم تكن ليبرالياً فأنت عبد!

..

موقع المثقف الجديد - تقرير

(إذا لم تكن ليبرالياً فأنت عبد!)

هذا هو ما تريد الليبرالية المتغوّلة إقناع الجنس البشري بأجمعه به.

ويذهب غلاة الليبراليين إلى أن الليبرالية منفصلة تماماً عن إرادة الخير للبشر، وأنها مع ذلك كفيلة بأن يكون الإنسان حراً منطلقاً من أي قيود، وأن أي تنظيم للأخلاق، وأي دعم من الدولة للقطاعات، فإن ذلك كله تمهيد للعودة إلى العبودية.

هذا الأمر يؤكده الفيلسوف النمساوي البريطاني فريدريك هايك وهو يتحدث في كتابه (الطريق إلى العبودية) عن هذا الأمر.

ففي هذا الكتاب الذي ألفه هايك في منتصف الأربعينيات الميلادية من القرن العشرين يستغيث الكاتب ويحذر العالم من النظم الفاشية والشيوعية والاشتراكية، وهذا الأمر قد يفهمه القارئ في سياق أنه ينتقد هذه النظم من جهة أنها تنتج أنظمة استبدادية قمعية تدفع بجموع البشر إلى السجون والمقاصل وطوابير الخبز. لكن الحقيقة هي أنه ليس هذا ما يقض مضجع الفيلسوف الليبرالي هايك الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974م.

إذن فما الذي يؤرقه؟

إن ما يشكو هايك منه هو أن بريطانيا اتجهت إلى تأميم الصناعات والرعاية الصحية، وأنها طبقت التخطيط المركزي في مجالات الزراعة والصناعة.

ويتجاوز هايك إلى أن يقرر أن الديمقراطية لا يمكن أن تعمل بكفاءة إلا في ظل الرأسمالية التي تقوم على المنافسة والإرادة الحرة للملكية الخاصة، ومن غير ذلك لا يمكن للديمقراطية أن تستمر.

لا تتوقف فكرة الليبرالية عند أي حد، فهي مضادة لأي تخطيط مركزي لشؤون الأفراد، ولهذا يقول هايك:

(إن ثمن الديمقراطية هو أن إمكانيات السيطرة المتعمدة مقصورة على الميادين التي يوجد فيها اتفاق حقيقي، وأن الأمور يجب أن تترك للصدفة في بعض الميادين. أما في مجتمع يعتمد في عمله على تخطيط مركزي، فإن هذه السيطرة لا يمكن جعلها متوقفة على قدرة الأغلبية على الاتفاق، وسيكون من الضروري غالبا أن تفرض إرادة أقلية صغيرة على الشعب، لأن الأقلية ستكون أكبر مجموعة قادرة على الاتفاق بين أنفسها على المسألة المطروحة. وقد عملت الحكومة الديمقراطية بنجاح، حيث وطالما كانت وظائف الحكومة، بواسطة عقيدة مقبولة على نطاق واسع، مقصورة على ميادين يمكن الوصول فيها إلى اتفاق بين الأغلبية بالمناقشة الحرة، وإن أعظم مزايا العقيدة الليبرالية، هي أنها قللت مدى الموضوعات التي يكون الاتفاق فيها ضرورياً، إلى موضوع واحد يحتمل أن يوجد في مجتمع من أناس أحرار، وكثيراً ما يقال الآن إن الديمقراطية لن تقبل “الرأسمالية”؛ فإذا كانت “الرأسمالية” تعني عنا نظاماً يقوم على المنافسة على أساس الإدارة الحرة للملكية الخاصة، فإن من الأهم كثيراً إدراك أنه داخل هذا النظام فقط تكون الديمقراطية ممكنة؛ وعندما تصبح خاضعة لسيطرة عقيدة جماعية، فإن الديمقراطية سوف تدمر نفسها حتماً).

ويقول في موضع آخر:

(ليس من الصعب أن نرى العواقب التي لا بد أن تحدث عندما تمضي الديمقراطية في طريق من التخطيط، يتطلب في تنفيذه اتفاقاً أكثر مما يوجد في الواقع. ربما يكون الشعب قد وافق على اختيار نظام من الاقتصاد الموجه، لأنهم كانوا مقتنعين بأنه سوف ينتج رخاء كبيراً. وفي المناقشات التي أدت إلى القرار، فإن هدف التخطيط كان سيوصف ببعض المصطلحات مثل “الرفاهية العامة” والتي تخفي فقط عدم وجود اتفاق حقيقي على غايات التخطيط. وسيكون الاتفاق موجوداً في الواقع حول التقنية التي سوف تستخدم فقط. ولكنها التقنية التي يمكن استخدامها فقط من أجل غاية مشتركة.

وسوف تثار مسألة الهدف بالضبط الذي سوف يوجه إليه كل نشاط، بمجرد أن يكون على السلطة التنفيذية أن تترجم الطلب من أجل خطة واحدة إلى خطة معينة. وسوف يظهر بعد ذلك أن الاتفاق على الرغبة في التخطيط لم يؤيدها اتفاق على الغايات التس ستخدمها الخطة. إن تأثير اتفاق الشعب على أنه يجب أن يكون هناك تخطيط مركزي، بدون اتفاق على الغايات، سيكون أشبه بمجموعة من الأشخاص تعاهدوا بالقيام برحلة معاً بدون الاتفاق على أين يريدون الذهاب: وتكون النتيجة أنهم قد يكون عليهم جميعاً القيام برحلة لا يريدهم أغلبهم على الإطلاق. وإذا كان التخطيط يخلق موقفاً يكون من الضروري فيه علينا أن نوافق على عدد أكبر كثيراً من الموضوعات مما اعتدنا عليه، وأنه في نظام مخطط لا يمكننا أن نقصر عملنا الجماعي على المهام التي نستطيع الاتفاق عليها، ولكننا مضطرون لإنتاج اتفاق على كل شيء من أجل القيام بأي عمل على الإطلاق، فإن هذه هي إحدى السمات التي تسهم أكثر من أغلب الأشياء في تقرير طابع أي نظام مخطط).

ويصف هايك مطالبات الاقتصاديين والمفكرين ورجال المجتمع بقيادة تخطط للاقتصاد بأنها (صياح من أجل دكتاتور اقتصادي)، ويشبه تلك الحال بحال ألمانيا حينما استعانت بهتلر من أجل إخراجها من مأزقها الاقتصادي!

يقول:

(إن الصياح من أجل دكتاتور اقتصادي هي مرحلة مميزة في التحرك نحو التخطيط. وقد مرت عدة سنوات الآن منذ اقترح إيلي هاليفي، وهو من أذكى الدارسين الأجانب لإنجلترا أنه إذا التقطت صورة فوتوغرافية مركبة من لورد يوستيس بير، والسير أزوالد موزلي والسير ستافورد كريب، فإنني أعتقد أنك سوف تجد هذه السمة المشتركة، سوف تجدهم جميعاً يتفقون على أن يقولوا: “إننا نعيش في فوضى اقتصادية، ولن نستطيع الخروج منها إلا تحت نوع من الزعامة الدكتاتورية”. إن عدد الرجال العاملين ذوي النفوذ، الذين لن يغير إدخالهم بشكل مادي ملامح “الصورة المركبة أخذ يزداد منذ ذلك الحين إلى حد كبير. وفي ألمانيا، حتى قبل أن يتولى هتلر السلطة، كانت الحركة قد تقدمت فعلاً إلى مسافة أبعد، ومن المهم أن نتذكر أن ألمانيا قبل 1933 ببعض الوقت، كانت قد بلغت مرحلة كان ينبغي فيها في الواقع أن تُحكم بشكل دكتاتوري. ولم يكن هناك أحد يشك يومئذ في أن الديمقراطية قد انهارت في ذلك الوقت، وأن الديمقراطيين المخلصين مثل بروننج لم يعد في قدرتهم أن يحكموا بشكل أكثر ديمقراطية مما يفعل شلايشر أو فون بابن. ولم يكن هتلر مضطراً لتدمير الديمقراطية، بل إنه انتهز فقط فرصة تحلل الديمقراطية، وفي اللحظة الحرجة، حصل على تأييد كثيرين، كانوا، رغم كراهيتهم لهتلر، يبدو لهم الرجل الوحيد الذي لديه القوة لعمل الأشياء).

ومن هنا فإن ما يدعو إليه هايك إنما هو: أنه لا حرية مطلقة إلا لرأس المال، ولا توجد أي قوة قادرة على إدارة المشهد الاقتصادي والاجتماعي إلا قوة رأس المال؛ وينبني على هذا أن تدخل الدولة وفرضها الأنظمة، تبعاً لرأي هايك وأمثاله من الليبراليين المتطرفين، من أجل خفض أسعار الإسكان أو الأغذية أو الأدوية، كل ذلك يعد بحسب هؤلاء: خطوة إلى العبودية!

وحتى عندما تتدخل الدولة من أجل تنشيط الاقتصاد، أو من أجل ضخ أموال تنعش البلاد فإن هايك يرفض ذلك ويعده طريقاً إلى العبودية.

وهو يتوصل بنا إلى نتيجة نهائية مفادها أننا إذا كنا لا نريد تدمير الحريات فإنه لا ينبغي للدولة أن توفر الأمان للأشخاص في السوق، بل يجب عليها أن تتركهم عرضة للربح والخسارة والإفلاس، وأن تتركهم لوحدهم في مواجهة كبار الرأسماليين والبنوك، وأن تترك المنافسة التجارية تعمل بينهم دون عائق!

وعندما يُسأل هايك: أليس الثمن لهذا أن الأفراد سوف يفلسون وسوف تغلبهم البنوك ورجال الأعمال؟ وستكون فرصة الفوز قائمة دائماً لمن يملك أكثر؟ فعندئذ يكون الجواب هو: أن الحرية لا يمكن الحصول عليها دون ثمن، فعلى الأفراد أن يقدموا تضحيات مادية شديدة لكي يحافظوا على حرياتهم! متقبساً في ذلك عبارة بنيامين فرنكلين القائلة:

(إن الذين يتخلون عن حريتهم الأساسية من أجل الحصول على أمان مؤقت، هؤلاء لا يستحقون الحريّة ولا الأمان)!

إن هذه الأطروحة الليبرالية مفادها هو أنك إما أن تقبل بأن تكون عبداً لمن يمتلك رأس المال، وعندئذ أنت حرّ! وإما أن تعد نفسك عبداً، حتى لو حررتك الدولة من عبودية رأس المال واستطاعت أن تدعمك في جميع مجالات الحياة: الغذاء، والإسكان، والتعليم، والدواء!

التعليقات

6 تعليقات
  1. مجيد الاديب says:

    الكتاب صدر في أوج الحرب الباردة التي زادت فيها فورة المواجهة بين الرأسمالية والاشتراكية.. اعتقد انه جزء من أدوات الحرب الفكرية في تلك الفترة بين الشرق والغرب

  2. نادر says:

    عجيب أمر الليبرالية تريد من الناس التحرر لكنها لا تمنحهم تحديد خياراتهم… تريد أن تنتقي لهم قوالب فكرية لا تتعارض مع توجهاتها

  3. سليم الحايك says:

    قد تكون الشيوعية أو الأيديولوجية تصنع دكتاتورية من نوع الانصياع للفكر أو المعتقد… لكن الديمقراطية تصنع أيضا دكتاتورية ليس لها مبادئ أو قيم أو غاية بل مبادئها تتلخص في تصدير الأكثر. نفوذا للحكم بغظ النظر عن ما سيقدموه للمجتمع

  4. ابو سارة says:

    أثبتت كل التجارب الغربية ان الليبرالية ماهي الا كذبة كبرى صدقها العالم وافتتن بها الكثيرون ومن خلال التجربة نقول انها افلست ولم يعد لها ذلك البريق الخداع الذي كان في الماضي.

  5. طالب علم says:

    اذا مصطلح انه اذا لم تكن ليبراليا فانت عبد فهذا يدل انهم لايختلفون شيئا عن اصحاب الافكار السلطوية والنظريات الاحتكارية فلسان حال الجميع يقول أنا او لا أحد وهذا منطق خاطيء يعارض الليبرالية التي نشأت منذ عدة قرون والهادفة الى التغيير نحو مايدعون انه الافضل.

  6. القصيمي says:

    والله يا اخواني ان بقى عبيدا خير لنا من فكر ليبرالي قائم على اطلاق الشهوات ومحاربة الاديان والعقائد والعادات والتقاليد الاصيله نحن المسلمون نعم عبيد لله ولهذا خلقنا ولن نكون عبيد لسواه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *