فيلسوف إنجليزي: الحكم الملكي أمان من الفوضى

..

موقع المثقف الجديد

لا أحد من دارسي الفلسفة السياسية الليبرالية إلا يعرف ما هي أطروحة توماس هوبز، المسماة (اللفياثان) وفقاً لعنوان الكتاب الذي ألفه هذا الفيلسوف الإنجليزي الشهير في القرن السابع عشر.

وتنبع أهميّة كتاب (اللفياثان) وأطروحة توماس هوبز من نواح عدة، من بينها ملاحظة أنه لم يكن ذا توجّه ديني، ولم يكن يؤيد الملكية انطلاقاً من مبدأ المقولة الكنسية التي أسست للعلمانيات الحديثة، وهي: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله).

لم يكن توماس هوبز أيضاً مؤيداً للنظرية الميكافيلّية، بل إنه يعد من مؤسسي الليبرالية الحديثة بوجه من الوجوه، إلا إنه عاصر أوضاعاً سياسية سيئة جداً في إنجلترا، جعلته يفقد ثقته تماماً في الثورات، إذ اندلعت من حول العرش الملكي البلاد حرب أهلية أحرقت الأخضر واليابس، وانتشرت الفوضى والقتل والوحشية في أرجاء تلك المملكة الأوربية، وهذا ما دفعه إلى الشك في قدرة بني الإنسان على تحقيق الوفاق والوئام فيما بينهم من دون أن يكونوا تحت سلطة قوية تفرض عليهم الأمن والاستقرار، بل إنه كان يرى أن الخروج عن السلطة الملكية التي تفرض الأمن والاستقرار إنما هو محاولة لزرع الفتنة والفوضى في البلاد.

يقول هوبز في كتابه:

(إن الخاضعين لملك معين ليس من حقهم دون موافقة منه التحرر من نظام الملكية والعودة إلى بلبلة المجموعة المنقسمة، وليس من حقهم نقل أمرهم ممّن يتحمل مسؤوليته إلى شخص آخر أو إلى مجموعة أخرى من الأشخاص، بل إنهم ملزمون بطاعة حاكمهم فيما يراه مناسباً).

ويبني هوبز قناعته التامة هذه على أن الأخلاق المتمثلة في العدالة، والإنصاف، والتواضع، والرحمة، ومعاملة الآخرين المعاملة نفسها التي نرتقبها منهم، كل هذه تناقض الأهواء البشرية الطبيعية، التي تحمل البشر على التحيز والغرور والانتقام، ومن أجل ذلك فلا بد من وجود سلطة ملكية قاهرة تستطيع حراستها وفرضها على الأشرار.

ويعلق على ذلك قائلاً:

(إن الاتفاقيات البعيدة عن السيوف ليست سوى ألفاظ خالية من أي قوة تؤمن الحماية لأي كان، وعليه، وبعيداً عن قوانين الطبيعة، التي يمتثل لها أي فرد عندما يشاء أو عندما يريد دونما خطر، عند انعدام وجود السلطة، إن لم تكن هذه الاتفاقيات قوية بما يكفي لتوفير حمايتنا فقد يلجأ كل فرد إلى قوّته الخاصة بصورة مشروعه وبأسلوبه الخاص؛ بغية حماية نفسه من الآخرين).

ويواصل الفيلسوف الإنجليزي:

(لقد كانت السرقة والنهب في جميع البلاد التي عاشت فيها الأسر الصغيرة يشكّلان مهنة تكاد تخالف قانون الطبيعة، إلى درجة أن أهم تكريم كان يُمنح لمن يحصد أكبر غنيمة).

ويستطرد:

(صحيح أن بعض الكائنات الحية على غرار النحل والنمل، بعضها مع بعض اجتماعياً، وتندرج بالتالي في عداد الكائنات السياسية وفقاً لأرسطو؛ ومع ذلك، لا تسيّرها سوى ميولها وغرائزها الخاصة؛ كما أنها لا تمتلك القدرة على النطق التي بموجبها تستطيع إحداها أن تبلّغ الأخرى ما تراه مناسباً للخير العام. لكننا قد نرغب في معرفة سبب عجز الجنس البشري عن القيام بالأمر عينه).

ويجيب هوبز عن هذا التساؤل بأجوبة منها ما يأتي:

(أن البشر في تنافس دائم على الأمجاد والمناصب، وهذا يظهر شدة الرغبة وشد الكره كقاعدة بينهم، وهذا يسبب اندلاع الحرب).

ولهذا فإن الوسيلة الوحيدة بحسب هذا الفيلسوف لتحقيق الانسجام والتعاون التام الموجود داخل مجتمعات النمل والنحل، ونقلها إلى البشر هي: أن يجمعوا كل قوتهم وقدرتهم على شخص واحد أو مجموعة أشخاص يستطيعون جمعهم على إرادة واحدة فيها أمنهم واستقرارهم وحماية أنفسهم ومصالحهم. وذلك لا يكون إلا بإخضاع إرادتهم لإرادة الملك الذي يحكمهم، وجعل أحكامهم تبعاً لحكمه، وهذا الشخص الذي يضمن استتباب الأمر وتسيير الأمور في البلاد هو الذي يحمل في اصطلاح هوبز هذا الاسم المهيب: (اللفياثان).

التعليقات

4 تعليقات
  1. خالد الشمراني says:

    بالفعل دائما البلدان التي تحكم من قبلا انظمة ملكية هي اكثر استقرارا وثباتا من البلدان التي تحكم من قبل انظمة مختلفة ربما السبب يعود الى الية انتقال السطلة المتعارف عليها ووضح الرؤية والمنهج السياسي المتبع والذي غالبا لايختلف عليه في النظام المكي على خلاف الانظمة الاخرى التي تختلف سياساتها حسب نوع ناظم الحكم والذي قد يتبدل كل عدة سنوات .

  2. فايز المنصور says:

    مشكلة الديمقراطية انها دائما رهن ميزان القوة وليس الدستور… فكلما رجحت قوتك زادت فرصتك في الحكم بغض النظر عن ما تحمل من اجندة

  3. مجيد says:

    الملكية الدستورية التي تشبه ما يوجد في بريطانيا هي أفضل الحلول فهي تضع حقوق الناس بموازاة قوة الدستور و الجميع تحت سطوة القانون

  4. نبيل السريحي says:

    اعتقد ان هوبز فضل الاستقرار على الفوضى وهذا ما تميل إليه الفطرة البشرية عموما… في ليبيا بدأ الناس بعد الثورة يستدعون ذكريات الملكية و يفضلونها على الوضع السائد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *