قتل المرتد في الفلسفة اليونانية

..

موقع المثقف الجديد

يظن كثير من أتباع الفلسفة ودعاة الحرية، أن تقييد الحريات التعبيرية، بما فيها حرية الكفر والإلحاد والتشكيك في الذات الإلهية وعدالة الخالق وصفاته، إنما هي فكرة تختص بالمتدينين، وأنها فكرة جاءت من أتباع الديانات المتخلفين، ولذلك فهي في نظرهم فكرة متخلفة تنمّ عن التخلف والتعصب وغياب صوت الحكمة والعقل.

لكننا حينما نرجع إلى نصوص الفلسفة القديمة، خصوصاً نصوص أفلاطون، فإننا نجد ما يضاد ذلك.

بل ونجد أن أفلاطون (بحسب نصوصه الشخصية وبحسب تحليل بعض مترجمي أعماله من اليونانية إلى الإنجليزية) هو الذي قدّم لأوربا النصوص الدستورية القانونية المشرعة لعقوبة الكفر والردّة والإلحاد، والتشكيك في الذات الإلهية وعدالة الخالق وصفاته الجميلة.

إن تقرير أفلاطون لعقوبة الإلحاد والردة، التي تصل إلى القتل والمنع من الدفن، لم يأت في كلام عابر، وإنما جاء في أحد كتبه الذي يعد دستوراً وقانوناً، ويحمل الكتاب اسمه (القوانين) [نقله إلى العربية محمد حسن ظاظا، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986]، وقد كتبه أفلاطون في زمن يوافق تصور وضع الدستور والقانون فيه تصور كثير من الناس في العصر الحالي في أوجه شبه عدة (بعكس ما يتخيل بعضهم أن التصور الموجود في هذا العصر لفكرة وضع الدساتير والقوانين هو تصور حديث)…

يقول الدكتور تيلور في مقدمة ترجمته للكتاب (من اليونانية إلى الإنجليزية):

(وفقا للتصور الذي أخذ به الإغريق، فإن الحكومات الجديدة ينبغي أن تزود منذ نشأتها بدستور مكتوب وقانون تشريعي) (ص19).

ومن اللافت أن أفلاطون قرر هذه العقوبة، على رغم معاناته من حكم المحاكم على أستاذه وشيخه سقراط بالإعدام لتهمة الهرطقة وإفساد عقول الشباب.

وهذا ما يجعلنا نميل إلى أنه وقع تزوير تاريخي لسبب استياء أفلاطون على حكم الإعدام على سقراط؛ فأفلاطون لم يكن يعترض على عقوبة الهرطقة وإفساد العقول في حد نفسها، لكنه كان يعترض عليها من جهة أنه لا يرى سقراط مستحقاً لها، ومن جهة أنها لم تقم في مجتمع سليم يحكمه قانون أنعمت به الآلهة، ووافق العقل والفضيلة وكانت السيادة فيه للفلاسفة؛ فهذا هو وجه اعتراض أفلاطون على إعدام سقراط بسبب الهرطقة وإفساد عقول الشبان (عند من يتأمل ذلك بإنصاف)، وليس الأمر كما يظن البعض أن أفلاطون كان يرى أن الهرطقة وإفساد العقول من باب حرية التعبير التي لا ينبغي المساس بها، إذ هو على الضد من ذلك.

لذلك فإن مترجم كتاب (القوانين) إلى الإنجليزية الدكتور تيلور لما وعى هذه الحقيقة قال في مقدمته تعليقاً على (قانون الردة الفلسفي الأفلاطوني):

(أما في الكتاب العاشر [أي من كتاب (القوانين)]، فقد فعل أفلاطون الخير وارتكب الشر على السواء، حين قدم للمخيلة الأوروبية مفهوم التحقيق، وهو محكمة مفوضة لمحاسبة الانحراف نحو الهرطقة، وتقع تحت يدها سلطة استعمال كل وسائل وحيل الأسلحة الدنيوية، لقمع ذلك الانحراف والقضاء عليه) (ص25(.

فتيلور يرى أن أفلاطون هو الذي قدم للمخيلة الأوروبية المفهوم والفكرة لإقامة محاكم التفتيش للهرطقة والانحرافات العقدية.

كما أن أن هذا الكتاب هو (آخر الكتب التي كتبها أفلاطون)، كما ينص على ذلك مترجمه تيلور إلى الإنجليزية في خاتمة مقدمته (ص75)، وهو إذ ذاك في سنوات النضج، فلا مجال لقائل أن يقول: إنه كتبه قبل لقائه بأرسطو أو إنه تراجع عنه أو أياً من الصوارف التأويلية الأخرى، بل ويقرر تيلور في موضع آخر أن من المحتمل أن أفلاطون كتبه بعد ثلاثين سنة من كتابته لكتابه الشهير (الجمهورية) (انظر: ص16).

وكمدخل بين يدي المقطع الذي نود إيراده من النص الأفلاطوني نقول:
بعد أن يخوض أفلاطون في محاورة متخيلة بين أحد التلاميذ والحكيم الأثيني حول وجود الله والآلهة الآخرين، وبعد أن يقرر فيها ثلاث قضايا رئيسية هي:

– إثبات وجود الآلهة.

– وعنايتهم بالخلق، وعدلهم.

– وأن طريقهم طريق الحق.

بعد ذلك يقرر الحكيم الأثيني أنه:

– تجب مناقشة الملحدين في هذه الفروع الثلاثة من الجريمة.

– فإذا لم يقتنعوا يتم إنذارهم.

– ثم يتم تطبيق عقوبة الردّة عليه.

(نعم، هكذا يروي أفلاطون، وكأنه يتحدث عن مراحل مناقشة الملحد وإقامة الحجة عليه ثم معاقبته إن لم يرتدع)!

ويعرض أفلاطون في ذلك لأصناف عدة يصل بها إلى ستة:

الملحد، والمنافق، والمستهزئ، والمشكك، والطاعن في العناية والعدل الإلهي، والمشعوذ.

ولننطلق في إيراد النص من النقطة التي يقرر أفلاطون فيها أن الملحدين الأشرار حتى إن انتصروا في النقاش، فإنه لا بد من فرض قوانين خاصة بالإلحاد، التي تؤدي عنايتها الحميدة.

وإليكم النص الأفلاطوني انطلاقا من هذه النقطة:

الأثيني:
إن الأشرار قد يتصورون أنفسهم إذا فازوا في النقاش أنهم أحرار في أن يفعلوا كما يشاؤون، ما دام يخالج أنفسهم كثير من الأفكار العجيبة حول الآلهة. وذلك ما يجعلني أتأهب للكلام بعزم أكثر من المعتاد، وإذا لم أكن قد فعلت أبداً أقل مما فعلت لأحمل مثل هؤلاء الرجال على استهجان ما تفعله نفوسهم، ولأجذبهم نحو السلوك المضاد، فإن مقدمة قوانيننا الخاصة تكون قد أدت عنايتها الحميدة.

كلينياس:
حسناً دعنا نرجو ذلك. ولكن إذا لم يتحقق ذلك فإنه على الأقل لن يسلب المشرع ثقته.

الأثيني:
وإذن فقد يكون من المحتمل أن نتبع مقدمتنا بجملة تشرح معنى قوانيننا، وتكون بمثابة إنذار عام لغير المتدينين لينصرفوا عن طريقهم إلى طريق التدين والورع والتقوى. وبالنسبة للعصاة فيمكن أن تكون قوانيننا ضد الكفر كما يلي:
أنه إذا ارتكب أي رجل جريمة الإلحاد بالكلمة أو بالفعل فسيقوم أي شخص حاضر بالدفاع عن القانون بإخطار الحكام، وسيقوم الحكام الأول الذين يقع تحت بصرهم الأمر بتحويله إلى المحكمة المعينة للنظر في هذه الجرائم وفقاً لما يرسمه القانون، وأي موظف لا يتخذ إجراء بالنسبة لما يصله من معلومات سيكون هو نفسه معرضاً لاتخاذ إجراءات الإلحاد ضده في دعوى يتقدم بها أي واحد يريد نصرة القانون، وفي حالة الإدانة ستقوم المحكمة بفرض عقوبة خاصة على المتهم عن كل عمل من أعمال الإلحاد، سيكون السجن جزءاً من العقوبة في جميع الأحوال، وحيث إنه توجد ثلاثة سجون في الدولة، السجن العام في مكان السوق لأغلب الأحوال، وذلك لاحتجاز أشخاص العامة، والسجن الثاني يتصل بالمجلس الليلي ويعرف ببيت الإصلاح، أما الثالث ففي قلب الريف في أكثر الأماكن الممكنة انفرادا وإقفارا ويسمى بما يوحي بمضمون العقوبة، وحيث إنه هناك أيضا ثلاثة أسباب للإلحاد هي التي عيّناها من قبل، وكل من أمثال هذه الأسباب يصدر عنه نوعان من الجرائم، فيكون لدينا في المجموع ست فئات من المذنبين في حق الدين يجب تمييزها، وهي تحتاج إلى علاج مختلف وغير متماثل. لأنه ولو أن رجلاً قد يكون غير معتقد اعتقاداً ذاتياً في وجود الآلهة، فإذا كانت لديه استقامة فطرية في المزاج فإن مثل ذلك الشخص يعاف الأشرار، ويصده اشمئزازه من الخطأ عن ارتكاب الخطايا، وهو يتحاشى غير المستقيم من الأمور وينساق إلى الفعل القويم العادل، ولكن أولئك الذين يكون اعتقادهم في وجود الآلهة مصحوبا بعدم ضبط النفس في الذات والآلام، بوجود ذاكرة قوية وذكاء حاد، فإنهم يشاركون الآخر السابق في مرض الكفر، ولكن من المؤكد أنهم يرتكبون أذى أكبر، بينما يرتكب الآخرون أذى أقل، وذلك من حيث الإضرار بزملائهم، فمن المحتمل أن يكون الرجل الأول قد تكلم عن الآلهة كلاماً متحرزاً بما فيه الكفاية عن الآلهة والقرابين والتجديف، وحتى إذا كان لا يلتقي بمن يتجنبونه فربما أدت سخريته إلى تحويل البعض إلى مرتدين، ولكن الثاني، هو من يتمسك بالاعتقاد نفسه مثل الأول، ولكنه يكون ممن يألف الناس تسميته بالرجل الموهوب، رجل المراوغة الكثيرة والخداع والاحتيال، ذلك هو الرجل النموذج الذي يتزود به جموع عرافينا والمتحمسين لكل أنواع الدجل، وأحيانا ينتج عن ذلك النوع الديكتاتوريون والزعماء الشعبيون والقواد الذين يعدون ويدبرون للأسرار الغامضة الخاصة، ولحيل وفنون من يسمون بالسوفسطائيين، وكذلك نجد أن هناك نماذج عديدة من هؤلاء الملحدين، ولكن يجب أن يحسب التشريع حساب اثنين منهما: النوع المنافق، وهو الذي تستحق جرائمه أكثر من موت واحد، أو حتى مـوتـتـيـن، والأنواع الأخرى التي تتطلب مزج التحذير بالسجن. وبالمثل: الاعتقاد في عدم المبالاة الإلهية يعطينا نوعين إضافيين كما يعطينا في الاعتقادات الإلهية اثنين آخرين، وما أن نسلم بهذه التميزات فإن القانون سيقود القاضي إلى أن يعهد بهؤلاء الذين يرجع خطؤهم إلى الحماقة دون فجور الطبع أو الاستعداد، إلى بيت الإصلاح، لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وطول هذه المدة لن يكون لهم اتصال بأي مواطن اللهم إلا أعضاء المجلس الليلي الذين سيزورونهم بهدف نصحهم وتحذيرهم وخلاص نفوسهم. عندما تنتهي مدة الحبس، ويظن أن السجين قد عاد إلى صوابه، فسيقيم مع مستقيمي العقل، ولكن إذا لم يحدث ذلك وأدين مرة ثانية بالتهمة نفسها فسيكون عقابه الموت، أما هؤلاء الذين يضيفون أخلاق الوحش المفترس لإلحادهم أو لاعتقادهم في عدم المبالاة والرشوة الإلهيتين، أولئك الذين يسحرون وهم يحتقرون النوع البشري عقول عدد كثير من الأحياء مدعين أنهم يحيون الموتى، ويعدون بكسب الآلهة إلى صفهم عن طريق ما للصلوات والقرابين والرقى من سحر، وهكذا يبذلون أقصى جهدهم من أجل الربح الحرام في تدمير الأفراد وكل العائلات والجماعات، فإن القانون سيوجه المحكمة إلى الحكم على المجرم المدان من هذه الطبقة بالسجن في السجن المركزي حيث لا يلقى المواطن الحر فيه منفذاً مهما كان أمره، وحيث سيتلقى من السجانين الجراية الدقيقة المقررة لهم بواسطة حراس القانون، وسوف يرمى به بعد الموت خارج الحدود دونما دفن، وإذا كانت هناك يد لأي مواطن حر في دفنه فسيكون عرضة للمحاكمة بتهمة الإلحاد في قضية يرفعها أي شخص باتخاذ الإجراءات.

انتهى النقل من انتهى من كتاب (القوانين) لأفلاطون (ص 483-485).

والآن، لعل الفكرة التي أريدت من النص وصلت بهذا المقتبس الأصيل، وبهذا يرتفع إلصاق تهمة عقوبة الردة بالمتدينين وحدهم، وتثبت أقدميته السحيقة عند الفلاسفة، إلى ما قبل الميلاد بأكثر من ثلاثمائة عام.

ولئن كان محاكم التفتيش وحشية كاثوليكية بعد كل شيء، فإنها سنة أفلاطونية قبل كل شيء!

التعليقات

5 تعليقات
  1. نزيه حمدي says:

    العجيب من هؤلاء انهم يريدون تقديس نظم البشر ويرفضون احترام قوانين الخالق! تلك الفورة الفكرية هدفها فقط وجود عالم بلا قيم

  2. حسن says:

    أفلاطون كان يحارب الفوضى في المجتمع سواء كانت هرطقة ام لا فهو يسعى لإيجاد مجتمع مثالي بعيدا عن الهمجية

  3. مازن العبادي says:

    يمكن تفسير ما يريده أفلاطون على أنه حالة غطرسة كان يمارسها على منافسيه من الفلاسفة… ما طرح قد يكون وجهة نظر من جانب واحد… فما هو الباعث أمام أحكام أفلاطون على الإلحاد و الهرطقة

  4. سامي المحمود says:

    قتل المرتد عن دينه موجود منذ القدم وعلى صعيد كافة الاديان والملل والنحل .فالمجتمعات بطبعها تمقت ان ترى احد افرادها متراجعا عن معتقداتهم او افكارهم ولهذا فكانت معظم المجتمعات عبر التاريخ تقتل المرتد وفي احسن الحالات تقوم بنفيه لأماكن بعيدة عن الجماعة التي ارتد عن فكرها ومعتقدها.

  5. سعود الربيعي says:

    تقرير نشكر موقع المثقف الجديد عليه لأنه يرد ويفند افتراءات اعداء الاسلام التي تدعي ان الاسلام اختص من بين كل الديانات بخصوصية قتل المرتد عن دينه مع انهم هنا ينتقدون شرع رباني وليس وضعي بشري والاسلام خاتم الاديان ونسوا ان المرتد عن الاسلام ضال كافر لان الدين عند الله الاسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *