حقيقة المجلس العلوي الذي يحكم سورية

..

موقع المثقف الجديد

كان وصول حافظ الأسد للسلطة في سورية عام 1970م عبر الانقلاب العسكري ضد رفاقه في حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي أُطلق عليه مسمى (الحركة التصحيحية لمسار حزب البعث والدولة)، كان ذلك الوصول بداية لما عرف فيما بعد بسياسة علونة الدولة السورية (أي تمكين أبناء الطائفة العلوية من السيطرة على كل مفاصل ومقاليد البلاد).

وبمجرد وصول الأسد إلى السلطة شرع في التغيير الكبير في سورية،ليسيطر أبناء طائفته فيما بعد على كل المراكز الحساسة في الجيش والأمن والشرطة وجميع الوزارات السيادية في الدولة.

ومع مجيء عام 1974م كان لا صوت في سورية يعلو فوق صوت العلوية السياسية، فكل ما في البلاد يخضع للسلطة العلوية المطلقة، ولعل هذا ما حدا كثيراً من التقارير الغربية إلى أن تصف الدولة السورية حينها بأنها دولة يحكمها أربعة جنرالات من الطائفة العلوية يحملون اسم علي وهم: (اللواء علي دوبا – اللواء علي حيدر – اللواء علي حبيب – اللواء علي أصلان).

وتزامن مع تزايد سلطة العلويين على الجيش والشرطة والأمن تعاظم سلطة الجهاز الديني العلوي الذي رأسه مفتي الطائفة العلوية (فضل غزال)، وعمل حافظ الأسد منذ توليه السلطة على تضافر جهود السلطة الدينية العلوية والسلطة الأمنية العلوية على ما فيه خدمة مصالح طائفته وإحكام سلطاتها على كل شيء في سورية، ومنذ تولي حافظ الأسد للسلطة باتت الطائفة العلويةسد أد هي طائفة الأقلية الأكبر في سورية، وهناك خلاف حول جذور هذه الطائفة، وتعد معظم طقوسها سرّية مع رموز وثنية ويهودية ونصرانيّة.

في السابق عُدّت الطائفة العلوية في نظر الأغلبية السنّية غير مسلمة، ولذلك لم يكن اعتباطًا أن يقود حافظ الأسد ابن الطائفة العلويّة البارّ صراعًا يائسًا ووحشيًّا للسيطرة على البلاد، ولترسيخ بقاء الطائفة من بعده في الحكم؛ فإنّ الأسد إلى جانب شهوة كلّ طاغية بالتمسّك بكرسيّ الحكم، يعلم بأنّ المسلمين السنّة قد يثأرون من طائفته التي طغت وتجبرت وتسيطر على البلاد منذ 50 عامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي برزت تساؤلات عدة بين أفراد الشعب السوري حول حقيقة من يحكم البلاد، ومن يمسك بمقاليد الحكم، وقد زاد من انتشار هذه التساؤلات ما كتبه حينها بعض المقربين من حافظ الأسد، من أمثال الكاتب البريطاني (باتريك سيل) والكاتب والسفير المستشرق الهولندي صاحب كتاب (الصراع على السلطة في سورية)، الذي أكد فيما كتبه وجود مجلس علوي يسيطر على الحكم في سورية، أما باتريك سيل الصديق الشخصي لحافظ الأسد وصاحب كتاب(الصراع على سورية) فقد أكد مراراً وجود مجلس علوي في سورية مؤلف من شخصيات ثقافية ودينية واجتماعية علوية وله رأي مهم في إدارة سياسات الدولة الداخلية.

حول حقيقة المجلس العلوي في سورية يقول المستشار السابق في رئاسة الجمهورية السورية (المنشق) أيمن عبد النور:

المجلس العلوي مجلس استشاري يضم مدنيين ومثقفين وأساتذة جامعات وعلماء دين، والهدف منه حماية استمرار حكم الطائفة ونفوذها، وهو يقدم استشارات عن قضايا يريدها الرئيس أو يطرح مواضيع جديدة أو مطالب ضرورية من قبل كثر من الطائفة العلوية، ويدرس المزاج العام لأبناء الطائفة وكيفية التعامل مع هذا المزاج، ويمارس الضغط على صاحب القرار النهائي، وهو رئيس الجمهورية.

ويضيف عبد النور: مع بداية الثورة السورية نشط المجلس العلوي بشكل كبير، وكان له دور كبير في حفيز أبناء الطائفة إلى القتال والصمود في ما سموه (العصابات المسلحة) لأجل بقاء الطائفة في الحكم، وكان له دور فعال في ذلك، وقد صرح أحد مرجعيات الطائفة أنه يجب على كل علوي قادر على القتال ذكراً كان أم أنثى أن يشارك في القتال، وإلا فإن مصير أبناء الطائفة في حال سقوط نظام بشار الأسد سيكون شبيهاً بمحاكم التفتيش التي جرت في أوربا في القرون الوسطى.

ويقول الكاتب حسين الهاروني: السوريون يتحدثون في مجالسهم الخاصة ومجالس الثقات فقط عن طائفية النظام، وكانوا يصطلحون في ما بينهم على تسمية (الألمان)، وهو مصطلح يعني العلويين ويستخدم كنوع من التغطية والتحوّط، فقد كان (للحيطان آذان) في زمن الأسد الأب، وهذا المصطلح لم يأت من فراغ، فقد كان كل ما يمثل الزمرة الحاكمة يشي وينم عن طائفية كالحة متسلطة هاجمة على المجتمع كالجراد، فالعنصر العلوي هو العنصر المستفحل في كل مجالات الحياة في سورية آنذاك، والطائفة فوق القانون، والحديث عنها من المحرمات، واللهجة العلوية تشبه لمستخدميها المسدس المصوب إلى رأس السوريين، فما أن يسمعها السوري حتى يتنازل عن حقه حتى لا يخسر كرامته فوق خسارته حقه ويؤثر الستر والسلامة والنفاذ بريشهِ فقط، وكانت حينها تدور الأحاديث همساً عن (علونة) الدولة وعن مجلس علوي طائفي وعن توجه علوي يتفق على دعم الاسد، وعلونة كل مفصل من مفاصل الدولة السورية، وإحاطة المدن بما يشبه المستعمرات وخاصة العاصمة دمشق، حيث تم تأسيس مؤسسات خاصة لهذا المشروع، مثل: مؤسسة الإنشاءات العسكرية، والفروع الأمنية بقياداتها الطائفية، وخلايا عسكرية خاصة، مثل: سرايا الدفاع والوحدات الخاصة وغيرها، وتم ذلك وفق سياسة منهجية،، وتغطية شاملة من خلال مؤسسات صورية كالحزب والنقابات التي تمت (علونتها) وتحويلها إلى فروع أمنية هي الأخرى، ثم جاءت الثورة السورية لتُخرِج كل ما سبق إلى العلن بالوثائق والأدلة، وكان من بعضها ما تحدث به الإعلام والوسط الثقافي السوري حول تصريحات لمشايخ الطائفة العلوية فيما سمي (وثيقة وحيد العين)، وهو بحث طويل يتحدث عن شيخ من (عائلة الخير)، وهي عائلة علوية مرموقة، وقد سرّب هذا الشيخ أسرار المجلس الملي العلوي، وتتحدث الوثيقة عن طموح سلطوي إلى استفرادي طائفي يدار بشكل منهجي جماعي باطني، وهو ما يضعنا أمام حقيقة وجود هذا المجلس، وهو بحث متوافر لمن أراد التفاصيل، ثم تنتقل المسألة إلى تصريح أكثر حضوراً تقول فيه القيادة الروسية بأنها لن تسمح للسنة بحكم سورية، وهذا يعبر عن سلوك طائفي مدروس ومعروف لديهم، وليس عن شخص حاكم من طائفة أخرى، وقد سبقه التصريح الأكثر وضوحاً ودلالة ووقاحة لضابط روسي كبير برتبة فريق في الاستخبارات الروسية والملحق العسكري الأسبق لروسيا في دمشق وعراب توريث السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار الجنرال فلاديمير فيودوروف، حين تحدث بوضوح خلال لقاء له في شهر مارس من عام ٢٠١٥م ضمن برنامج (رحلة في الذاكرة) على قناة (روسيا اليوم)، وأجاب عن سؤال: (المجلس الملي العلوي هل هو موجود)؟ فقال: (هل هذا سرّ أساساً؟ كنّا نعلم بوجود هذا المجلس كعلمنا بوجود مجلس الشعب في سورية)!

ويعتقد الكاتب مصطفى سليمان بأن المجلس العلوي تأسس خلال الاحتلال الفرنسي لسورية، حيث عامل المحتل الفرنسي أبناء الطائفة العلوية معاملة خاصة كأقلية دينية مضطهدة، وفرنسا هي من أعطتهم منطقة الحكم الذاتي عام 1920م، وفي عام 1922م تم تحويل منطقة الحكم الذاتي إلى دولة للعلويين، وفي عام 1930م قدمت فرنسا لمناطق العلويين ما سمي (القانون الأساسي)، الذي تم تعريف الكيان العلوي فيه بوصفه (حكومة اللاذقية)، وفي تلك الآونة قامت فرنسا بتأهيل الشباب العلوي وتدريبهم لتسلم مقاليد السلطة في الجيش والضابطية (الشرطة).

ويجب أن لا ننسى كيف قدم شيوخ الطائفة العلوية كل الدعم والتأييد للمحتل، بل طالبوه في رسالة للحاكم الفرنسي بتخليصهم من حكم الأغلبية السنية التي يعدّونها عدوهم التاريخي، وأكد قادة شيوخ القبائل العلوية، (وهي قبيلة الحدادين، المطاوره، الحدادين، الكلبية) ولاءهم للمستعمر وتحالفهم مع الفرنسيين، حيث وقع على بيان التأييد أهم شيوخ الطائفة (وهم: عـزيز آغـا الهوّاش، محمد بك جنيـد، سـليمان المرشـد، محمود آغـا جديـد، سـليمان الأسـد، محمد سليمان الأحمد، صقر خير بيك، ابراهيم الكنج، يوسف الحامد)، ويعدّ هذا التجمع لشيوخ الطائفة بداية للمجلس الطائفي العلوي الذي كان ولا يزال حتى اليوم صاحب القرار الأول والأخير في إدارة شؤون سورية الداخلية.

التعليقات

8 تعليقات
  1. نعمان says:

    من مكن المجلس العلوي من السيطرة على الأغلبية السنية؟! هل هوضعفهم ام غابئهم أم تعاونهم مع المحتل الفرنسي.

  2. عبدالله الشربيني says:

    لا عجب في ذلك فكل بلد عربي يحكمها مجلس يحافظ على مصالح الأقلية.. انظر إلى حال مصر ونفوذ الأقباط وسطوتهم.. وهو نتيجة حتمية الهوان التي تعيشه النخب المسلمة

  3. نديم says:

    العلويين ينظروا لمصالحهم حتى قبل بزوغ نجم المراجع الإيرانية وهذا الأمر يقف خلفه أعداء العالم الإسلامي والعربي الذين يحاولون التمكين لكل الأقليات على حساب أهل السنة

  4. لؤي says:

    بنحسن نقول انه سوريا تحكمها عائلة تحافظ على مصالح الأقلية.. وهذا ماظهر خلال الثورة على الأسد… سلالة نجسة لا تنتهي بتآمرنا على بعضنا البعض

  5. محب الخير says:

    العلوية فرقة باطنية عادت اهل السنة عبر التاريخ وتعاملت مع الغزاة التتر والفرنجه ومن ثم الفرنسيون فلا غرابة ان يكون لهم مجلس سري يحفظ لهم مصالحهم للسيطرة على البلاد ذات الاغلبية السنية التي يخشون ان تدور الايام وتعود السلطة لهم في بلاد الشام

  6. سليمان الشاعر says:

    العلويون أقلية في سورية ومع ذلك فهم يحكمونها منذ خمسون عاما ومع كل ما جرى من ظلم وقهر للشعب المغلوب على امرة لايزال هناك الكثير من اهل السنة في سوريا يعتقدون ان حافظ الاسد حاكم تاريخي وان ولده بشار قائد عروبي يكافحلتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني ، مع الاسف نعيب زماننا والعيب فينا

  7. ابن البادية says:

    لم ينجح العلويون في حكم دولة سوريا الا بسببين دعم فرنسا وبريطانيا لهم لأنهم خير من يسير لهم مصالحهم في الشام ، وثانيا ضعف اهل السنة وهوانهم وتشتتهم وغفلتهم وذلك اهم سبب كان ولايزال يساهم بشكل كبير في احتفاظ العلويون بنفوذهم الكبير في سوريا ومن ثم اليوم في لبنان ايضا .

  8. محمد الشامي says:

    بعد الثورة السورية وما أعقبه من دخول ايران ودعمها لبشار الاسد وطائفته ومن ثم دخول روسيا ودعمها له عسكريا وسياسيا بات من الصعب القضاء على حكم الطائفة العلوية في سوريا فقد زاد نفوذهم ، وبات من يعارضهم يصنف ضمن قوائم الارهاب المحلي والعالمي ولاحول ولاقوة الابالله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *