غازي القصيبي الذي أظهر كلّ مواهبه

..

موقع المثقف الجديد - عبد الرحيم القحطاني

تتفوق أمّة على أمّة بمواهب آحادها وعشراتها , ويُشهد لأي أمة بالفضل إذا قدّمت إضافة في العلوم والمعارف والفنون , وبذلت الخدمة للبشرية , ولا يتأتى هذا إلا برعاية المواهب , ولن تُرعى إلا إذا اكتشفت , ولن يكتشفها إلا من يملكها أو من يدلّه على موهبته الظاهرة أو المخبوءة. وينادي دعاة المعرفة والتقدم بضرورة إبراز القدرات والاهتمام بها ؛ لأنها جالبة الخير دافعة الضُرّ , وقليل من ذوي المَلَكات من يتحسس كل مواهبه أو بعضها كسلاً أو إحباطاً أو لنشأته في وسط خامل لا يكترث للمواهب العقلية قدر اكتراثه بالقدرات التي تقتفي المصالح الشخصية , ولا تصدّرها إلى مدى أرحب في العلم والتفكير , وأقيمت دورات كثيفة تحت عنوانات فاعلة وجاذبة , ذات صلة بآلية يتعرف بها الفرد على ما يحتكم عليه من طاقات استثنائية , تبلي حسناً في ميادين الخدمة الإنسانية.

أستظهر في هذا المقام – ودون إعداد – الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله -نموذجاً للشجاع الذي نقَّب عن كل مواهبه , وصعد بها إلى الضوء في وقت باكر من حياته وحتى وفاته وهو لا يفتر يتفش في قرائحه عن كل جديد ونوعي , وانتهى إلى أن شهد الجميع له بتفوقه في جميع المجالات التي أداها في شتى الحقول الإدارية والكتابة الأدبية والفكرية والشعر والسياسية والعلمية كالترجمة , فضلاً على انعكاسها جميعهاً على شخصيته الإنسانية العاملة والمثقفة , وما برح في السبعين من عمره يفكر ويبرز قدرة جديدة في عالم الثقافة لم تكن مألوفة عنه من قبل , فعرّف بنفسه في باكورة ظهوره في  سماء  النجومية والشهرة أكاديمياً في مجال الإدارة في جامعة الملك سعود , ثم أتيحت له الفرصة ليكون رجل دولة في (السكك الحديدية) وبيروقراطيتها , ثم انضم إلى الفعل السياسي في الملف السعودي اليمني , وأبدى كفاءة وحسن بلاء ؛ لأنه لا يكبت موهبة ولا جهداً ؛ ذلك أنه يدرك أنه قادر وهو كذلك , ثم لا يتردد عن تعريف الآخرين على ما يكتنزه , ثم تتطور هذه المواهب الصغيرة إلى طاقات جبّارة معلنَة , تذيع نموذجه المتعدد ؛ ليفيد الناس منها , ولتثير وتشجع الموهوبين المبتلين بداء الخجل والتردد أو الغافلين عمّا أودعه الله بين جنوبهم من قلوب نبيهة وعقول متقدة.

القصيبي لا يكتفي باستنطاق قريحته العملية والأكاديمية والبحثية , بل يتخطاها إلى الفكرية الأدبية والشعرية , ويجيد المؤالفة بينها , وينجز من هذا المركب المعقد شخصية ناقدة شاعرة إدارية بفكرة ناثرة روائية فاحصة , ولا يتردد في الحفاظ على موهبته بعد إشهارها عبر التأليف والكتابة المنتظمة في الصحف والمجلات , متفاعلاً مع المستجد ومستجيباً للموهوبين من الجيل الجديد , ليكتب عن إنتاجهم في لفتة إلى ضرورة أن يعلن كل ذي قدرة عن قدراته , فهو لا يملكها, إنما هي تملكه والناس يملكانهما معاً.

وفي خضم الصعود إلى النجومية بهذه التنوع الفريد يعترضه كما غيره تعثرات جمّة واتهامات تطال شخصه وموهبته والتشكيك فيها , بعضهم مخلصون للنظرية النقدية والذوق والجمال , والبعض شنّوا عليه حرباً شاملة لا تبقي من تجربته ولا تذر , ولعلها كانت سبباً آخر لشهرته ووصول كتبه إلى الناس , وهم حكموا على جودتها ورداءتها بالتلقي الطبيعي لما كتبه في الإدارة والسياسة والأدب والرواية والشعر والترجمة , حيث فاض اسمه وفعله في التداول درجة ( مالئ الدنيا وشاغل الناس) , وهو لقب فني رفيع , لم يلهث وراءه , رغم أنه يقتدي بالأفضل كالمتنبي في لشعر , كما يصرح , ويطّرد اقتداؤه في شتى مجالات اهتمامه واشتغاله بمن بلغوا شأواً لا مزيد عليه , وهكذا تكون الهمة المقرونة بالقدرة واستظهارها للعلن أن تتطلع إلى الدرجة العليا حتى ولو كانت في مفتتح الصعود , وغازي اتخذ موقفاً صارماً منذ البدء وحالفه التوفيق الذي لا يصيب إلا المتأهبين له , وتوّج جهده وموهبته بالوزارة , حيث أضافت إلى رصيده المعنوي صفات مثالية , تكاملت مع ما سبقها من صفات حَبَتْهُ الثناء على أمانته وسهولته الممتنعة في إدارته , في تجربة ثرية أفرغها في كتابه (حياة في الإدارة) , حيث ائتلفت فيه كل قواه الأدبية والإدارية والسياسية والأخلاقية ؛ لأنه لم يألُ في الدفع بها في علاقته العملية مع الدولة والناس , ثم اتخذه من أحبوه قدوةً لهم في إدارته وإنسانيته ورَمَّزَه محبو الأدب والشعر رائداً لمرحلة على خلاف بينهم في تقدير إنتاجه.

القصيبي يملك موهبة التلقائية والعفوية , وهي خلق جِبليّ متجذر المنبت في الفطرة , يحافظ عليه من نأوا بذواتهم عن التكلف والمصانعة البليدة .

كلٌّ منا قادرٌ على أن يكون فاعلاً في المكان , نافذاً في الزمان , شريطة أن يدرك ذاته ويجهر بمكنونه من الصفات والطاقات , ويترسم سبيلاً متئداً في سلوكه , دون أن يغالي في اعتداده بذاته أو يغفل عنها أو يهدر كنوزها في زهادة بلهاء , وعندها يكون من الطامعين الأجلاف أو المبذرين إخوان الشياطين.

التعليقات

3 تعليقات
  1. سعد الراشد says:

    لا شك كان رحمه الله متعدد المواهب فهو اديب ووزير وشاعر ومثقف وسياسي قل امثاله ممن يجمعون في شخصهم التعددية العلمية ..كان رحمه الله موسوعة لاينسى.

  2. سامي المحمود says:

    كان رجل عطاء وحكمة وادب رحل وترك خلفه تلالا من المعارف المختلفه ولاشك شخص كهذا يستحق أن يكون مثالا للشخص المتفوق ويفترض ان تدرس نحاجاته ليقتدى بها للطلبة وليحتذى للجيل الجديد به لانه وبكل جدار يستحق ذلك منا وفاء له ولما قدمه لوطنه وامته.

  3. مجيد says:

    القصيبي كان حالة إبداعية سعودية فريدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى… فكريا و إداريا و سياسيا…. لذلك ترك أثرا طيبا خلفه لم ينساه تاريخ المملكة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *