مؤسسة راند لا تعترف بالعلم

..

موقع المثقف الجديد - تقرير

تسييس الثقافة والحقوق والبحث العلمي آفة تستشري في أوساط غربية تتوسل الأكاديمية ومناشطها في سبيل تحقيق أهداف ذات صلة بهيمنة دولة على دولة, أو أمة على أخرى . ويستفحل الأمر ساعة تكون تلك المؤسسات الناشطة في مجال خدمة الإنسان ذات علاقة مكينة ومعلنة بصناع القرار السياسي , كما هو الشأن في مؤسسة رائد كإحدى (مراكز الفكر) , والمصنّفة ضمن المؤسسات العشر الأكثر تأثيراً في السياسة العلمية , و”تعمل على المساعدة في تحسين السياسات واتخاذ القرارات من خلال البحث والتحليل”.

كتاب (المرأة وذرائع الاسترقاق في السياسات الغربية) يبحث ملياً في تحليل خطاب الاستشراق الجديد في تقارير مؤسسة (راند) الأمريكية. والحال أن البحوث والكتب والتقارير الصادرة من دور إعلامية وسياسية غربية لا تحصى بشأن الإسلام وشرائعه , وكانت لا تتخطى ميدان الحوار والنقاش والتفنيد , ولا تأخذ مداها في أروقة السياسة العدائية للمسلمين إلا بتبنٍّ فردي من لدن سياسيين آحاد يصعّدونها إلى منصة خطابية تحريضية تحت قبّة برلمان , ثم لا تلبث أن تذهب سُدى مع إعراض القيادة السياسية عن إثارة ما من شأنه تأليب المسلمين شعوباً ودولاً ضد النظام الحاكم في ذاك البلد , قد تتمخض عنه أضرار سياسية تلحق بالدولة المحرضة.

الأمر بالغ الاختلاف مع مؤسسة لصيقة بالجهات التنفيذية , حيث تفعل التقارير فعلها في توجهات السياسة التي توجه الرأي العام عبر وسائل الإعلام  حرّة وتلقٍ حرّ ومجتمع مسطّح كأي مجتمع آخر يصدّق ما يفاجؤه , أو ما يحب أن يصدّقه , وتشغل الدول وإعلامها هذه الثغرة في رغائب الناس لإنفاذ أهدافها , لتكون قراراتها سليمة حكيمة في تقرير الصالح العام.

والحق أن المجتمعات الغربية بليدة في تلقيها , وتُسلّم بما تستقبله من معلومة ونتيجة , شأن المجتمعات الأخرى ؛ فكان لزاماً أن تبذل قوى التأثير المسلِمة وسعها في مزاحمة هذا التأثير وموازاته ومباراتها ؛ لبلوغ الهدف المتمثل في الوعي الفردي والجمعي ؛ لأن المجتمعات الغربية لها تأثير على السياسة , وكثير من البشر يقبلون الجانب العقلي والواقعي والإنساني للقيمة العلمية المغيبة , بل قد يتبنونها على نحو حاسم , ويتّبعونها بوصفها حقاً ومصلحة عملية تمس حاجة الفرد والمجتمع , والموقفُ الإسلامي العقدي والفقهي مشرق في فحواه , لا يعوزه إلا وسيلة تبليغ , وسيؤتي أُكُلَه .

الكتابُ الذي نحن بصدده يتناول محاور شتى استغلتها مؤسسة راند للتأثير على هوية المجتمعات المستهدفة , وأخذت طابعاً استعمارياً ناعماً , لكن بصيغة آمرة , تتخذ شكل الوصاية المطلقة على شعوب صنفتها بدائية أو مبتدئة في نموها , وتلمُّسها أسباب الحضارة , ويأتي في طليعة الإملاءات ملف المرأة وحقوقها , وهو أوسع الأبواب وأكثرها تعقيداً ومساومة , لا سيما ما يطال تعزيز المساواة بينها وبين الرجل , وللعلماء والباحثين تفاعل حاضر الوجود والبديهة , حيث لم يجاملوا , وصدعوا بالرأي والموقف الديني السماوي بأن لا مساواة تخلّ بالعدل , وبهذا وجهوا ثنائية (العدل والمساواة) في منحىً إيجابي وجديد ومفاجئ وواقعي خلّف أثراً في القرائح البحثية والتأملية لدى المفكرين الغربيين أدهش بعضهم بهذا التوجيه الذكّي المتناغم حدّ التناسخ مع العلم والمسلّمة العقلية , غير أن راند وأخواتها لا يعترفون بالعلم قدر اعترافهم بمنزعهم وغلوائهم للاستعمار.

المجتمعات العربية والغربية لا تكترث – عفواً – لطبيعة المواجهة وأهدافها المعلنة والمضمرة , وكل ما ينال اهتمامها الحدث والنتيجة , ومن هو الأقرب للإقناع وممكنات العقل , وما دون ذلك فهو شأن المتخاصمين , المستعمرين والمقاومين . والأجدر بنا تكريس ذهننا وقرائحنا ومباحثنا لدحض الشبهات المثارة , وفضح تهافتها , لا إهدار جل الجهد في اتهام الجهات المشبوهة بتنفيذ أجندة هيمنة ووصاية , وهذا ما انتهجه الكتاب في طرحه , لا سيما موضوعات (المرأة والديمقراطية) و(دعم المبادرات والمؤسسات الدولية), (الحجاب), (تحديد النسل) , وكلها أطروحات ثقافية استندت على مفاهيم وقواعد مغلوطة عمداً أو جهلاً , لا سيما جدلية الحجاب التي ملأت دنياهم وشغلت ناسهم , ودفعوا بها في سياقات معاكسة للوظيفة والصورة التي اختارها الله له , فبعد أن تلقاه الحس العام نموذجاً للطهورية انقلب إلى شعار للإرهاب , وربما دسّوا عليه إيحاءات رذيلة أو نفاق أو اعتداء على قيم الجمهورية والمجتمع , ولحظة يعود الحجاب إلى مربعه الطبيعي الروحي ؛ فسيتراجع محاربوه عن هذيانهم العدائي , وما أقبح أن تكون الحجة هذياناً وعداءً , ولا شيء ثالث. ويطرّد الأمر في محور تحديد النسل وربطه سبباً بالتنمية والرفاه والمحافظة على الموارد الطبيعية وفرص العمل , ثم تأتي الردود المفحمة بمجتمع كالصين المتفجر سكانياً , ثم هاهو يستهلك الموارد , على نحو منظم ويعمل بشكل دؤؤب على اكتشاف موارد جديدة وفرص عمل جديدة , ثم يصعد قوةً عظمى تقارع الغرب في قوة اقتصادها وجيشها القائم على كثافة النسل.

الكتاب يكشف مدى قدرة العقل المسلم على دفع صائل الشبهات بأيسر الردود , لكن السياسة الغربية إذا تدخلت منتصرةً لضعيف الحجة ؛ فإنها تقوي موقفها السياسي وتضعف العلمي.

التعليقات

6 تعليقات
  1. نعيم الحسن says:

    راند مركز حكومي أمريكي وليس غريبا منه تلك الأفعال فهويته ليبرالية تستهدف بالدرجة الأولى المجتمعات المسلمة

  2. يوسف says:

    اذكر بعد سنوات على ما يسمى الربيع العربي.نشر نفس المركز تقرير حول الصوفية كبديل متصالح مع الغرب ليكون بديلا عن السلفية… تلك المؤسسات لا تدعمها الحكومات الغربية دون هدف

  3. نورة says:

    جوهر التقرير استهداف قيمي وحضاري للمرأة و هذا الأمر ليس بجديد فكل مؤسسات الأمم المتحدة تسعى خلف نفس الهدف.. مثل اتفاقية سيداو وغيرها

  4. صالح النجم says:

    مؤسسة راند جهة مشبوهة تكيد للاسلام وتتبنى كل فكر معاد للشريعة الاسلامية وللعرب ويجب عد الالتفات لها ولما تقوله لانها لاتمثلنا ولانهتم بها ولما تقوله عنا .

  5. فهد النغيمش says:

    تقرير جيد يسلط الضور على منظمة كبيرة لها تاثيرها الفكري العالمي ، ولفت نظري ما جاء في التقرير في ان المجتمعات الغربية بليدة تتلقى ما يقال لها دون تفكير او تفحص لمدى حقيقته او واقعيته وهذا في تقديري يعود لكونها مجتمعات منغلقه تهتم بشؤونها فقط وبمجريات حياتها اليومية ولايهمهم شأننا وما يحدث بعالمنا العربي ما يهم الفرد الغربي فقط هو ان يعيش حياة كريمة بلاقيود او ضرائب تكبل كاهلة وحياته اليومية.

  6. فهد النويصر says:

    والله ان المراة المسلمة التي يدعون انها مظلومة ويناصرهم في ذلك ثلة من الحداثيين والليبراليين في حقيقتها أكثر سعادة من نسائهم ،والسبب انها تعيش في مجتمع فيه عدة اسس تحفظ لها كرامتها بدأ بالدين وانتهاءاً بالعائلة والمجتمع المحيط بها بينما لديهم تصبح الفتاة بمجرد وصولها لسن الثامنة عشرة تائهة تفكر كيف تعيش وكيف ستعمل ومن سيحيمها وكيف ستكمل بقية حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *