الحكمة اليابانية في الحرب والسلام

..

موقع المثقف الجديد - د. محمد حبش

اليابان التي استسلمت دون قيد أو شرط، وخضعت ست سنوات لحكم أمريكي مباشر، وتخلت فيه عن سيادتها، بعد دمار ماحق وقنبلتين ذريتين في هيروشيما وناغازاكي، عادت لتنجز أعظم تقدم علمي وتكنولوجي في كوكب الأرض، لم يعيشوا المظلومية، ولم يتاجروا بعذاباتهم، ولم يتسولوا النصرة من الاستبداد العالمي، لم يدرسوا ثقافة المعاندة والمؤامرة، في لحظة عقل يدرك الجميع أن القنابل الذرية جنون أمريكي، وأن الكوميكاز جنون ياباني، والخلاص هو في السلام وفي الكفر بالحرب.

في اليابان التقيت بجونغو، وهي امرأة يابانية في الثمانين من العمر، وهي واحدة من خمسين شخصاً مثلها، تقوم كل يوم بمرافقة السائحين تطوعاً لتشرح لهم لعبة الحرب والسلم، وتصف المآسي التي عايشها الشعب الياباني في أعقاب القنبلة النووية التي أطلقها الأمريكان على هيروشيما في 6 آب 1945م، وتحت هذا المرج وقبته الخضراء دفن اليابانيون هنا سبعين ألف شهيد حصاد المجزرة النووية في يومها الأول.

اليابانيون شعب عجيب، متاحفهم وكلماتهم وحديثهم عن المأساة تقدم رواية أخرى للأحداث، لا تشبه رواية اللطميات الشيعية التي تعودنا سماعها كلما تحدثنا عن صراع قديم جرى في الشرق العربي.

لا تتحدث جونغو عن مؤامرة كونية على اليابان، ولا تعتقد أن أحداً يرغب بتدمير وطنها اليوم، ولا تتقن أن تصف أحداً بكلمة (العدو)! وغاية ما تقوله إزاء المشهد كله حين يتحدثون أنهم يصرون على عبارة يجب أن لا تتكرر المأساة.

لا يلبس اليابانيون ثياب الملائكة، ولا يلقون على الآخر لباس الشياطين، هم يقولون نحن أيضاً مخطئون! هكذا قالت جونغو وفريقها الياباني الرائع، لقد دفعنا ضريبة الحرب، سياسات اليابان في الحرب كانت خاطئة على مدى 60 عاماً، لقد مارسنا الاحتلال في الصين وكوريا ومنشوريا، واستجلبنا الأسرى الكوريين ليعملوا في السخرة هنا في ظروف ظالمة، واخترنا التحالف مع هتلر ضد مبادئنا الإنسانية، وحولنا هيروشيما إلى مصنع سلاح هائل، وفي مدارس هيروشيما أغلقنا الكتب وأعطينا الأولاد السلاح وقلنا لهم: اقرؤوا من فوهة البندقية، فإنها اللغة التي تفرض مكانكم تحت الشمس! إلى آخر الاسطوانة المشروخة التي كان يعلمها الاستبداد العربي في سوريا والعراق وليبيا وغيرها لكل الأجيال المنكوبة التي وقعت تحت قبضته.

لا يمكن التقليل من جريمة الأمريكي في القصف النووي، وكيف خرج قساة القلوب المتوحشون من بوتسدام وهم يتوعدون اليابانيين بحرب لا يعرفها العالم بعد، ولم تمض إلا أيام حتى كانت الطائرات الأمريكية تدمر هيروشيما عن بكرة أبيها وتتبعها بناغازاكي وتحرق بالنار النووية أكثر من ثلاثمائة ألف روح دون وخزة ضمير!

ولكن اليابانيين يدهشونك في درس السلام، ولا يبدو في غمار مأساتهم أن لهم ثأراً مع أحد، ولا يوجد في متاحفهم ولا عروضهم ولا خطبهم أي لغة كراهية، ولا يوجد في طقوس المأساة لطميات ولا تطبير ولاغضب ولا وعيد، ولا صراخ ولا تهديد، ولا رايات ملعونة ولا دول مدنسة ولا شعوب محتقرة، حتى الأمريكي بات أوثق أصدقائهم، وهم يصرحون بأن عدوهم الحرب والسلاح، وأنهم دفعوا ثمن طيشهم غالياً ولم يعودوا يحتاجون لحروب جديدة!
فريقنا العربي الذي رافقنا إلى اليابان ظل يسال جونغو عن فكرة الثأر والانتقام، وأن الأرض لا تبلع دم الشهيد حتى نثأر لروحه من سبعين روحاً، وسألناهم: ألم تخرج جحافل الثائرين لتصرخ (هيهات منا الذلة)، و(يا لثارات اليابان)، ولماذا لم ينفجر كوميكازكم في مانهاتن، ولماذا توقفتم عن ضرب بيرل هاربر جديد؟ وكررنا لها شرح جرائم الغرب الجديدة وبوارجه وأساطيله، ولكن جونغو ومن معها لم يكونوا يفهمون مغزى أسئلتنا، وظلوا يقولون إن الحرب خطيئة لا يجوز أن تتكرر، وإننا نجحنا تماماً منذ ثلاثة وسبعين عاماً في اجتناب الحرب، ونجحنا في صناعة السلام، وعلّمنا الناس كيف يعيش الجميع في رحاب الوطن وليس أن تموت من أجل الوطن، وحولنا مصانع سويورا وشوكاكو الحربية إلى نيسان وتويوتا، أما المدمرة أكاجي التي كانت ترعب الصين وكوريا ومنشوريا فقد حولناها إلى سوني وميتسوبيشي، وأصبحنا اليوم أقوى اقتصاد تكنولوجي في الأرض، وعلى هذا العالم أن ينتظر كل يوم مزيداً من الدهشة والذهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *