الخميني في فرنسا: الحكاية برواية أخرى

..

موقع المثقف الجديد - تقرير

الهالة البطولية الباذخة كما ينعكس وهجها على مرأى الرائي لا تصدنا عن فهم وتفسير وتفكيك المشهد وتحسس خلفياته ودهاليزه وتلمس المصدر الذي امتدت منه الأسلاك التي بثت الضوء الفسفوري الجاهر على المنصة المحتفلة وعلى دهشتنا فقط لنبدد هذه الدهشة الفجائية التي لا تخلو من زيف يتعاظم مع الخبوّ الطبيعي إزاء أي انفعال لا يلبث أن يعود فعلاً أو ردّ فعل يريد أن يعي الحقيقة كما هي.
كتاب (الخميني في فرنسا) للوزير الإيراني الأسبق الدكتور هوشك نهاوندي يقدم للمندهش العربي رواية أخرى عن شخصية قائد الثورة الإيرانية (الخميني) منذ تشكله الأول وتشكل نفوذه وطبيعة شخصيته إلى صدامه مع الشاه ومغادرة إيران منفياً إلى عدّه منافٍ , وانتهاءً إلى عودته إلى إيران مروراً بالمحطة الأهم والتي تمحور عليها الكتاب , وهي الحقبة الفرنسية الحافلة بالإرهاصات وإعداده للقيادة وليست العودة فقط.

هذه الرؤية التاريخية قد لا تكون في روحها وعموم الرأي المعبّر عنها وعن الممكن الآخر عن الثورة الخمينية مقدمةً وحدثاً ومآلات – قد لا تكون مفاجأة على وجه تمامها ؛ فقد سرت توقعات بلغت اليقين بأن ثمة أصابع غربية خبيثة امتدت إلى المصير الإيراني ؛ لإعادة تشكيله والتحكم بنهايته الحاسمة باتجاه سياسي محدد الملامح والأهداف , له مبرراته المتوهمة أو المتآمرة على خريطة المنطقة بالاستفادة من المعطيات واختلافها وتوجيه أفرادها الفاعلين فيها في سبيل إنضاج المشروع التغييري وتحقيق المصالح المتوخاة. وكما أن ذوي البزّة الإفرنجية يتفاهمون بانسيابية ومرونة مع الفاعل الغربي في أوطانهم لتغيير وضعٍ ما , فكذلك المعممون الملتحون يستجيبون للمبادرة ذاتها من الغرب , بل قد يبادرون هم إلى إبرام اتفاق يحقق مصالح مشتركة تزيح نظاماً برمته واستبداله بآخر ذي مواصفات يرضاها العلماني والمتطرف الديني ما وسّع المشتركات ونقاط التقاطع بينهما.

الكتاب يدلي برواية تاريخية أخرى ذات زخم معلوماتي أحسن المؤلف إيراده في تسلسل جذّاب منطقي ومرحلي, استفتحه بنشأة الخميني في الجغرافيا الهندية ما يُعد منقصة يحاول مواراتها أو تهميشها أو التحايل عليها , وكل هذا لا ينفيها , فهي واقعة تنال من الهالة القدسية المحيطة به والطهورية بوصفها شرطاً لتمام نورانيته , درجة أنه رُشّح أن يكون مهدياً منتظراً , كما طرحته الصحافة الفرنسية سؤالاً دعائياً , استجاب له الخميني بردّ موارب ماكر لا ينفي ولا يثبت ؛ ليكرس عنصر السرية والغموض المقدس في شخصه . ويمتد الحديث إلى تفاصيل قد تكون طبيعية في أي شخص مرصود كطالب علم دين , غير أن ثمة سرديات خارج السياق جديرة بالتدوين ليلمّ القارئ بشطر من هذه الشخصية الملغوزة , وكيف تأتّى لها أن ترتقي مدارج الشهرة والصدام المفتعل مع الشاه باديةَ العزم والإقدام على التحدي المطلق وتأويل قرارته على محمل الشر والتآمر والخيانة , ولعل بعضاً من الظروف السياسية الداخلية والخارجية تضافرت باتجاه خدمة الخميني , وأبرزته بطلاً وضميراً للحق ما دفع الشاه إلى نفيه إلى النجف (المدينة الشيعية المقدسة) في العراق , وفيها خبا صيته , واستعاده باستغلال ماكر لحدث مهم , حيث توفي فيها ولده أحمد بالتخمة ومرض السكر وشراهة الأكل , فأحال الإعلام المعارض للشاه هذا الموت البليد إلى بطولي استشهادي بافتعال سبب تراجيدي ضاعف من نورانية الخميني , وأعاده للضوء , حيث ادّعوا أن الشاه قتله.

النجومية المختلقة رافقت الخميني إلى فرنسا, منفاه الأخير والأخطر الذي كان بمثابة غرفة عمليات لإدارة الثورة عبر إصدار تعاليم صوتية ومقروءة , وكانت تُبث صوتياته في إذاعات أوربية ؛ لتجييش الشعب للتظاهر والشغب.

الدهاليز المطموسة في مسيرة الخميني الفرنسية كانت الدعم الظاهر والباطن لهذا الطريد المنبتّ عن قاعدته التي يرويها الكتاب بتوثيقات تستحق النظر من لدن القارئ ؛ ليجري مقارنة بينها وأخرى تناقضها , وسيخلص إلى نتيجة تفسّر هذا النجاح المذهل الذي حَفّ بالخميني وثورته , إذ لم يكن نجاحها إيرانياً بحتاً , ولظروف ومبررات متعددة رأى الغرب أن الإطاحة بالشاه يخدم مصالحه , وبقاؤه يلحق بطموحاتهم أذىً فادحاً , يشير إليه الكتاب بتفاصيل مقنعة , وكيف لهذه الثورة الباردة أن تستحيل طوفاناً طاغياً بمبرات متهافتة لا تستند إلى واقع أو منطق , كما أن الكتاب يتسلل إلى بلاط الشاه ويصف مشاهد أرهصت لسقوطه والقرارات التي اتخذها للإصلاح والتهدئة , وكانت تجافي الصواب بسبب استشارات قدمها مقربون عمدوا إلى تضليله ربما للتعجيل بانهياره.
كما أن اليسار الفرنسي والغربي الخادع أو المخدوع فعل فعله الطائش في دعم فلسفي للخميني ومشروعه وندم بعضهم لاحقاً وآخرون لاذوا بالصمت بعد أن افتضح أمر الثورة واكتسابها المنهج الدموي و الإقصائي.

الكتاب زخم من المعلومات الجديدة في أكثرها على القارئ المهتم غير المتخصص , وما سطره المؤلف حقيق بالقراءة وإعمال الذهن , وتبنّي استنتاجاً مغايراً يتناغم والمعطى المستجد .

التعليقات

7 تعليقات
  1. فريد says:

    هل نحن بتنا أسرى للخوض في تفاصيل الشيطان و تعليل سبب أفعاله ام نحاول التركيز على الهوية الدينية التي صنعته؟! لو تأملنا المراجع والمعممين لوجدناهم يأتون بنفس الهوية

  2. نور الدين عبدالله says:

    للأسف يربي الغرب عملاءه ويرسلهم لتخريب المنطقة وهكذا درجت العادة انظر للبرادعي وغسان سلامة و مبعوث اليمن السابق

  3. سائد الوزير says:

    يوجد رواية اسمها دار المسجد تصف الخميني بعد تسلمه زعامة البلاد وطرد الشاه قد يلتقيان في كل شيء

  4. سراج says:

    قدم الخميني للغرب نصرا جديدا على طبق من ذهب منذ أن جعل مهمته الأولى تصدير الثورة في بلاد العرب فأصبح أداة ابتزاز كبيرة لهم

  5. طارق الحسون says:

    تواجده في فرنسا ومجيئه على طائرة فرنسية الى طهران هي في حقيقتها خطة مدروسة من قبل الغرب ليصنع منه صانع ثورة اسلامية
    شيعية تهدد استقرار المنطقة وتزعزع امنه وكله يصب في النهاية لصالح المصالح الغربية في الشرق الاوسط

  6. خالد الشمراني says:

    تقرير جميل يفضح ما سمي زورا بالثورة الاسلامية الايرانية والتي هي في حقيقتها خدعة كبرى من قوى كبرى يقودها غلام ايراني ادعى انه قائد الثورة المزعومة وهو في حقيقته مجرد مطية لاسياده في المنطقة وبافعل كان كذلك فبمجرد وصوله للحكم في ايران اشعل فتيل حرب الخليج الاولى التي استمرت ثمان سنوات اكلت الاخضر واليابس واستهلكت اماولا طائلة ولاتزال اثارها باقية حتى اليوم في المشرق العربي .واليوم نرى ازمات اخرى يفتعلها اتباع الثورة المزعومة وكلها تساهم في اشعال المنطقة وتأجيج الصراعات الطائفية فيها .

  7. مشعل السرور says:

    اتمنى ان يقرأ ما كتب في موقعكم اليوم شيعة العرب ومعهم اتباع الخميني في ايران ممن خدعتهم الشعارات البراقة لثورة الخميني وما حملته من عداء كاذب لامريكا واسرائيل ومنذ 30 عاما حتى اليوم لم نر منهم الا العداء والكراهية لجيرانهم من العرب السنة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *