العربية في صدام اللغات: الهجوم خير وسيلة للدفاع

..

موقع المثقف الجديد - عبد الرحيم القحطاني

اللغة العربية ذات مقومات عصرية فريدة, ألّمت بها الكوارث المثبطة التي تُلّم بغيرها من اللغات , فضعفت لغات وتوارت , وأخرى تكيفت مع المتغيرات وعدّلت من شخصيتها لتبقى حيّة وناضجة وعلى أهبة الاستخدام وسيلةً للتعبير والإمتاع والنفع والاستهلاك والسيطرة على لغاتٍ أقوى منها تاريخاً وامتداداً كمّا وكيفاً . ونجحت هذه اللغات في غفلة من التاريخ من التمكن في الأرض ومن ضروريات شعوبها وشعوب أخرى , وتغيرت لغات جبّارة كانت ملء السمع والبصر , وانحسر دورها رغم ما تبذله من تكاليف باذخة في سبيل المحافظة على كيانها وكمّها وكيفها كالفرنسية التي انحسرت أمام الإنجليزية لضعف مقوماتها الحضارية والنفسية والإرادية وفشلها في إقناع الحاجة الإنسانية بأهميتها , فلم تعد لغة العلم أو الفن أو الجمال والأناقة أو الأدب, لكنها ما فتئت متماسكة وتغذي تماسكها بالحماية الذكية التي تتوسل الهجوم والزحف كضربة استباقية لأي محاولة عدوانية محتملة للنيل من حضورها في المجال الإنساني , وقدمت فرنسا الجوائز المغرية لمن يبدع بالفرنسية ويتخذها لغة أولى في كتابته من غير الفرنسيين , ونالت بهذا موقعاً مرموقاً , ولا زالت رغم قوة الإنجليزية وطغيانها وزحزحتها الفرنسية عن بعض المواقع لوجود قوتين عظميين (بريطانيا وأمريكا) تقودان العلم والمعلومة والذائقة في العالم الجديد , ما انعكس سلباً على الفرنسية واللغات الأخرى.

المهاجرون المتدفقون على فرنسا أعطوا هذه اللغة انتشاراً , إذ إنها شرط للحياة الفرنسية وعاصمة (النور) و(الأنوار) والحرية والثقافة على عكس دول أخرى كان المهاجرون إليها وبالاً على لغتها , فإما أن يتحدثوا بلغتهم الوطنية أو يستخدموا لغة المهجر مهشمةَ القواعد النحوية والصوتية.
الإنجليزية تزحف على كل اللغات وتهددها وتكبدها خسائر دون أي بذل من لدن بريطانيا أو أمريكا , بل هاتان الدولتان تحققان أرباحاً بنشر الإنجليزية على عكس الفرنسية ولغات أخرى تنفق أموالاً في سبيل نشر لغتها أو تحصينها.

العربية لا زالت تقيم مشاريعها التحصينية وتكتفي بجهاد الدفع لا الطلب , وما يشوبها من خلل شائه ذي صلة بنوعية المشاريع وفحواها ومؤداها ومخرجاتها ومدى استيعابها لطبيعة المعركة بين اللغات على صعيد الذائقة والخامة الصوتية والقاعدة النحوية وخصوصيتها الثقافية وتلقي العربي والأعجمي لمادتها الجمالية والعلمية , وتورطت مشاريعها التحصينية بتصور لا يكاد يعي ماهية التجاور اللغوي , مكتفيةً بمحور الهوية والخنادق والمتربصين , ولم تُعمِل أي وسيلة مستحدثة لبث عناصر تفوقها إلا ما هو ناجز في أرشيف دعاتها الذي لم يُجدِ نفعاً أو يدفع ضرراً , ولا زلنا نتطلع إلى نقلة حديثة تصعد بالتحدي اللغوي إلى مستوى المسؤولية , ولن يتأتى هذا إلا بإدراك حجم لغتنا واللغات الأخرى والإفادة من ذكائها في الزحف الناعم على اختيارات الشعوب جماعاتٍ وفرادى , وعدم الاكتفاء بالجذب الروحي المتمثل بالدين الذي يعتبر رادفاً بالغ القوة , لكنه مقوم واحد , وليس كل عناصر الجذب التي نتوخى تحقيقها لدعوة لغوية عولمية متكاملة الجوانب والمقومات.

ثمة مراكز معنيّة باللغة العربية تسهم بفاعلية ووعيٍ بمعادلة صراع اللغات وتتبنى مقولة (الهجوم أقوى وسيلة للدفاع) والهجوم يبدأ بإدراك (الأنا) و(الآخر) والحدود المشتركة والفاصلة والأدوات الناجعة والمرونة المتاحة والزحف الناعم وإطلاق الشروط العصرية للغة, وكشف الخلل بأداة علمية وتسوية العطب دون الدخول في خطابية جوفاء أو نحيب و عزاء على اللغة وماضيها التليد , بل تتخطى كل ما من شأن التثبط أو المس بالإرادة العربية , والمضي قدماً تلقاء الهجوم المضاد واستنفار كل المقومات الطليعية والتفوق بدءاً بالتجاور الذكي والواعي , ثم العبور إلى المنافسة والتجاوز.

مركز الملك عبد الله لخدمة اللغة العربية يترسم هذه الحداثة في تقديم العربية للمهتمين , يصطفي اسمه (خدمة) , ما يعلي من شأن اللغة بوصفها مخدومة ذات سمّو على خلاف مراكز أخرى أطلقت مسميات استنسختها من شعارات انهزامية كـ (حماية اللغة العربية) أو (الدفاع عن العربية) , وكلها أسماء لا تشي إلا بالتراجع وثقافة التحصين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

هذا المركز الميمون يقدم دراسات متفوقة تضع العربية في إطارها الواقعي والطموح إلى العالمية , ويقوم عليه نخبة واعيةً بالثابت والمتحول واستنفار جمال العربية وعولميتها وصدارتها إلى مصاف لغات قليلةٍ أخرى تتنافس في الطليعة . وشأن المركز إبراز الحقيقة كما هي دون انهزامية ماحقة أو مفاخرة جوفاء , بل دعوة إلى احتفالية علمية بالعربية , وفتح مجالات نشرها وتطويرها لتبلغ شأوها المستحق بين نظيراتها العالميات , ما يعكس انطباعاً مشرقاً عن أهليتها للدخول المرتقب في السيادة وتوجيه الثقافة والعلم بالكم والكيف .

التعليقات

2 تعليقان
  1. رابح says:

    العربية اهملتها النظم الرسمية مع الأسف وتم تهميشها لصالح لغات الاستثمار لذلك يجب استهداف العدو الأساسي للغة.. في تونس والمغرب اللغة الفرنسية لغة رسمية وقس على ذلك

  2. عبدالعزيز الثبيتي says:

    لغتنا العربية رغم ضعفنا على كافة الاصعدة إلا انها كانت ولازالت لغة قوية متماسكة رغم اهمال بني جلدتها لها فهي محفوظة بحفظ الله للقران لكريم،المهم حاليا ان نغرس في نفوس وعقول ابنائنا حب اللغة العربية والاعتزاز بها وعدم التباهي باللغات الاجنبية وتفضيلها على لغتهم الام لغة الاجداد ولغة القران الكريم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *