المحكمة الأوربية تحظر ازدراء الأنبياء

..

موقع المثقف الجديد - د. محمد حبش

سجل القضاء الاتحادي الأوربي يوم 25/10/2018م خطوة جريئة وغير متوقعة بإعلانه أن تحقير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء يعتبر عملاً مسيئاً للأمن المجتمعي ولا يمكن تبريره أبداً بحرية الرأي.

جاء ذلك في سياق تأييد المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان حكماً سابقاً أصدرته المحاكم النمساوية ضد امرأة قامت بما اعتبر تحقيراً للرسول الكريم حين اتهمته بميول مرضية عنيفة ضد الأطفال، واعتبرت المحكمة هذه الادعاءات غير قابلة للبرهنة العلمية وأنها إساءة للآخرين، وليست حرية تعبير ورأي.

إننا نأمل اليوم أن يوقف هذا القرار سيل ثقافة الكراهية التي يتبادلها فريقان متربصان يمارسان باطراد متنام: ثقافة الإسلاموفيوبيا، والغربفوبيا، وهي مشاعر توفر الوقود والحطب لمزيد من الحروب الجديدة.

وأصبح بإمكاننا اليوم أن نقول إن المحكمة الأوربية قادرة على بعض الإنصاف وقد باتت أكثر تحرراً من ربقة الحدود الدموية التي كانت لعهد طويل سمة الفواصل بين الشرق والغرب، التي ظهرت أهوالها في الحروب الصليبية ثم تكرست بتبادل الصراع بين العثمانيين في أوربا والاستعمار الأوربي في البلاد الإسلامية.

ولكن كيف أمكن الوصول إلى هذه الغاية النبيلة؟

لقد مارسنا الصراخ والصياح أكثر من العمل العاقل المسؤول، وحين ظهرت الإساءات للنبي الكريم اشتعل العالم الإسلامي غضباً، وفي يوم واحد سقط في أفغانستان عشرات القتلى في مظاهرة صاخبة تحت عنوان: إلا رسول الله.

ولكن ذلك كله لم يغير شيئاً في العقل الأوربي وظل الأوربيون يقولون ما بال المسلمين لا يفهمون حرية الرأي؟ وازدادت التساؤلات حدة ومباشرة مع قيام أعمال إرهابية عنيفة في شارلي أبيدو وغيرها ثأراً من الرسوم المسيئة.

وقدم التطرف ألف ذريعة جديدة لاعتبار الإساءة للأنبياء عملاً مشروعاً مبرراً، وبدلاً من أن يتعاطف الأوربيون مع مشاعرنا برزت مشاعر عدائية جديدة في الغرب تدعو للتحفز والتربص وانتظار العنف من الشعوب الإسلامية الغاضبة، وأسهم ذلك في ظهور تيار عنصري أوربي يدعو إلى عدم احترام المقدس الإسلامي بل ذهبت تيارات يمنية حاقدة إلى حد التصريح علناً بأن المقدس نفسه الذي يدافع عنه المسلمون عنه ضالع في العمل المتوحش.

محمد حبش

محمد حبش

وفي السياق نفسه ظهرت أصوات أخرى تنفخ في رياح الكراهية وتحض الأوربيين على مزيد من الإساءات، المدعوة وفاء سلطان – نموذجاً- ظهرت على منبر الجزيرة القطرية تطالب الدنماركيين بمزيد من الرسوم المسيئة والمهينة للإسلام، على أساس أن هذه هي الطريقة الضرورية لنشر الوعي في المجتمع العربي ولتحذير أوربا من خطورة الإسلام!

ولكن الغضب والخطاب الانفعالي المتبادل في الشرق والغرب زاد من حدية المواجهة وظهرت أحزاب يمينية متطرفة في أوربا باتت تصرح بعداوة الإسلام والمسلمين، فيما بات بعض الخطابات تستذكر شعارات القطيعة الحتمية بيننا وبين الغرب، وبلغ التحفيز الغاضب غايته ومداه.

ولكن الواقع قال غير ذلك، فالحرية المطلقة دون قيد لا وجود لها إلا في مشفى المجانين، وفي إطار من الثقة والعقلانية وبعد جهود حقوقية قام بها قانونيون منصفون، نجح هؤلاء في إقناع محكمة نمساوية بأن الإساءة المهينة إلى نبيّ الإسلام هي بالضرورة إساءة مباشرة لمعتنقي هذا الدين الذي يعتبر ديناً رسمياً في النمسا منذ عام 1923م، وأن على القضاء أن يدافع عن كرامة هؤلاء المواطنين الذين يواجهون ازدراء مقدساتهم، وأن العدالة وحدها هي التي تحول مشاعر الرغبة بالثأر إلى مشاعر الرغبة بالإنصاف.

ونجحت هذه المساعي في استصدار صك قضائي يصرح بأن إهانة المقدس الديني لا يعتبر حرية رأي، وأن المجتمع مطالب بحماية مشاعر الناس تجاه مقدساتهم، وتمت إدانة السيدة النمساوية وتغريمها العقاب والتعويض.

ومع أن الهيئات الحقوقية التقليدية في النمسا صُدمت بهذا الموقف وسبب في غضب اليمين العنصري، وكُتبت مئات المقالات عن حرية الرأي التي تتناقض مع هذه التوجهات، إلا أن اليمين رفع الأمر إلى القضاء الأوربي، ليقول كلمته بعيداً عن التدافع السياسي في النمسا، ملتزماً أدبيات أوربا وقيمها في حرية التعبير وحقوق الإنسان، وبعد مرافعات استمرت ست سنوات متتالية انتهى القضاء الأوربي إلى تصديق الحكم النمساوي واختار بالفعل تقييد حرية الأفراد بمنع الاعتداء على الآخرين.

لقد تفهم القضاء الأوربي بوضوح الفارق بين حرية التعبير وبين احترام المقدس، ومال إلى احترام المقدس، وحكم بصراحة بأن تحقير المقدس الديني لا يعتبر حرية تعبير، بل يعتبر اعتداء على الآخرين.

لقد كان الأمر في الواقع نجاحاً بامتياز للنضال الحقوقي، صاحبته بالتأكيد ضغوط سياسية مختلفة وتضامن كبير من الهيئات الإسلامية وهيئات حقوق الإنسان واحترام الأديان، وهذا أمر طبيعي في مسائل الشأن العام، ولكنه يحتاج إلى إصرار ومتابعة وموضوعية.

قبل عقود كان اليهود يتعرضون في أوربا لإهانة معاناتهم والتشكيك في محارقهم، وكان ذلك كله يعتبر من حرية التعبير، ولكن الحقوقيين اليهود نجحوا في إقناع الراي العام بمعاناتهم، واستهتار الهازئين بهم، وتوجهوا بصرامة وعزيمة نحو الهيئات الحقوقية والبرلمانية وبعد نضال طويل اشتركت فيه الحقوق بالسياسة بالمصالح نجح اليهود في إقناع عدد من الدول الأوربية أن التشكيك بالمحارقة يعتبر عملاً غير اخلاقي ويشكل إهانة مباشرة لأتباع ديانة معتبرة في أوربا، وقد استمر هذا النضال الحقوقي بلا هوداة حتى نصت عدة قوانين في الغرب منها فرنسا على محاسبة من يشكك في المحارق، وهكذا تحولت المسألة برمتها إلى تابو يمنع التشكيك فيها وحقق اللوبي الأوربي اليهودي إنجازاً حقوقياً فريداً يخولهم مطاردة خصومهم الفكريين تحت عنوان الاستهتار بعذابات الناس ومقدساتهم.

في النهاية تثبت المحكمة الأوربية أننا في عالم مختلف، بات أقدر بعض الشيء على تحمل مسؤولياته وحماية المقدَّس الديني بوصفه مطلباً حقيقياً مشروعاً للمجتمع.

 

التعليقات

2 تعليقان
  1. سعد المزيني says:

    خطوه ممتازة الحمدلله واخيرا تخطو عقدة الحرية الشخصية وحقوق الانسان في التعبير وادركوا ان لاحرية في الاعتداء على معتقدات ومقدسات الاخرين ،وهي بحد ذاتها خطوة ستسهم فس تخفيف العنف والاحتقان الحاصل بين الغرب واصحاب الدياناتالاخرى.

  2. سميح says:

    أزمة أوروبا ضد الاسلام لم تكن أزمة دستورية بل أزمة نخب لذلك هذا القرار مجرد ظاهرة سيتم تغييرها مع صعود قضاة جدد للمحكمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *