ما مصير عقوبات أمريكا على إيران؟

موقع المثقف الجديد - أحمد أبو دقة

في بداية نوفمبر أعلنت الولايات المتحدة إعادة فرض العقوبات على إيران والانسحاب من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015م.

ونص الاتفاق في حينه على أن يتم تخفيف العقوبات المفروضة على إيران وفرض قيود على برنامجها النووي؛ لكن لعدم التزام إيران بالاتفاق واستمرارها في دعم المليشيات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فرض العقوبات وعدم الالتزام بالاتفاق النووي.

استهدفت العقوبات الأمريكية الصناعات البترولية والمعاملات المالية وصادرات الغاز التي تعد الجزء الأكبر من واردات إيران من العملة الصعبة. وسوّغ ترامب السلوك المتبع ضد إيران بأنه محاولة لإجبارها على وقف دعم المليشيات الإرهابية في الشرق الأوسط.

ووفقاً لرؤية الرئيس الأمريكي فإن العقوبات لن تكون أداة ضغط لإسقاط النظام الإيراني والتخلص منه أو تمهيداً لحملة عسكرية تستهدف التخلص منه، بل هي بهدف إجباره على العودة لطاولة المفاوضات للقبول بصفقة نووية محسنة تشمل فرض قيود على إنتاج الصواريخ البالستية وإنهاء دعمها للجماعات المعادية للولايات المتحدة.

إعادة تفعيل العقوبات لم يكن إجراء فنياً بهدف اختبار مدى خضوع إيران للإرادة الأمريكية، بل بالعكس تماماً، فقد كان اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على التأثير في النظام الدولي وجدّيتها في استهدف النظام الإيراني، ففور بدء التطبيق أعلنت واشنطن منح استثناءات لثمانية بلدان من العقوبات ومنها أكبر مستوردي النفط الإيراني، وتشمل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وتركيا! وفي عام 2017م اشترت هذه البلدان 70 في المائة من صادرات إيران من النفط الخام، وتشكل الصين ربع سوق التصدير الإيراني!

ثم جاءت الضربة الثانية للعقوبات الأمريكية عبر الاتحاد الأوربي وغيره من الموقعين على الاتفاق النووي، الذين تعهدوا بتعويض الشركات الأوربية المتضررة من العقوبات الأمريكية، ومحاولة إيجاد آلية قانونية لتخطي العقوبات الأمريكية. مثل إنشاء نظام مالي بديل عن النظام الأمريكي الأكثر استخداماً عالميا والمعروف باسم (SWIFT)، وبذلك يتم إخفاء المعاملات المالية بين الاتحاد الأوربي وإيران عن الرقابة الأمريكية. لكن المحاولات الأوربية لم توقف الشركات الأوربية من الهرب من السوق الإيرانية تجنباً للعقوبات الأمريكية؛ فالشركات العالمية تقيس تحركاتها بمقياس الربح والخسارة ولا تريد خسارة السوق الأمريكية.

فقد أعلنت شركة (Maersk) الدنماركية أكبر مُشغل لسفن شحن الحاويات في العالم وهي كذلك مستثمر ضخم في قطاعي النفط والغاز انسحابها من السوق الإيرانية، وعلقت على ذلك بالقول: (لا يمكن العمل في إيران طالما لدينا أعمال في الولايات المتحدة). كذلك قامت بالخطوة نفسها عملاق النفط الفرنسي شركة (توتال) وانسحبت من مشروع بقيمة مليارات الدولارات في حقل غاز جنوب إيران. النقطة المهمة التي يجب توضيحها أنه في ظل مواصلة العقوبات الأمريكية على إيران فاعليتها فإن انخفاض مبيعات النفط الإيرانية يقابلها ارتفاع في أسعار النفط العالمية، وهذا الأمر يعني أن الحكومة الإيرانية قد لا تشعر كثيراً بانخفاض إيراداتها النفطية، فقد بلغ سعر برميل نفط برنت 80 دولاراً بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وارتفع إلى 86 بفضل انهيار الإنتاج في فنزويلا. وبما أن ميزانية الحكومة الإيرانية تعتمد سعر 55 دولاراً للبرميل فإن تأثير العقوبات النفطية قد يكون منخفضاً عن التوقعات المأمولة، لكن الأمر الوحيد الذي يمكن التأكد من فاعليته هو ضعف الطاقة الإنتاجية في قطاع الطاقة الإيرانية، فمنذ عام 2007م لم تطور إيران حقولاً جديدة؛ لأنها تحتاج إلى استثمارات أجنبية للقيام بذلك، وفي ظل المواجهة المقبلة مع الولايات المتحدة فإن الأمر بالنسبة للمستثمرين غاية في الخطورة.

إن ما تتميز به العقوبات الأمريكية هذه المرة أنها جاءت بقرار منفرد، وهذا الأمر قد يكون له انعكاسات أبرزها اختلاف المواقف الدولية من العقوبات الأمريكية واستثمارها كفرصة من قِبل بعض الدول، مثل روسيا التي تجمعها علاقات اقتصادية عميقة مع إيران بالإضافة إلى تحالفها العسكري معها في سوريا.

فعلى الصعيد الاقتصادي قد تلجأ بعض الدول بتعويض النفط الإيراني بالنفط الروسي، وبذلك تكون روسيا استغلت الأزمة لمصلحتها، وحسّنَت علاقتها ببعض الشركاء الجدد. كذلك قد تنجح إيران في جعل تجارتها مع روسيا واحدة من أكثر الأدوات فاعلية لتخفيف العقوبات، فقد تحصل على السلع الضرورية والاستثمارات مقابل نفطها الذي سيتم استهلاكه في روسيا؛ وهذا سيحرر كميات إضافية من النفط الروسي للتصدير. إن مثل هذه الخطوة قد تعزز تحالفاً أيديولوجياً يضم أيضاً الصين وتركيا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ويُسهم في إيجاد نظام اقتصادي جديد على الصعيد الدولي، لا سيما بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي وتوقيع اتفاقية “بريكيست” التي يُنظر إليها كبداية لانهيار الكتلة الأوربية المساندة للولايات المتحدة في سياساتها ضد روسيا.

لكن هناك حقيقة ماثلة لا يمكن إنكارها، وهي تتعلق بالنفوذ الأمريكي في العالم، إذ اكتسبت واشنطن ذلك النفوذ بصفتها شرطيّ العالم وبقوتها العسكرية وسلاح ردعها النووي، إضافة إلى صناعاتها الثقيلة التي لا يوجد بديل ينافسها في السوق العالمية، لذلك تظل قدرة روسيا على التصادم الاقتصادي مع الأمريكيين ضعيفة جداً في حال فكرت في إيجاد بديل عن السوق الأمريكية، فخلال استضافة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لوفد من الصحفيين من الشرق الأوسط في لقاء مغلق في نيويورك سأله أحد الصحفيين قائلاً: (إلى أي مدى يمكن للنفوذ الروسي أن يتمدد)؟ فرد قائلاً: (هل لديكم في منزلكم أي منتج روسي؟!) لذلك يستمد القرار الأمريكي فاعليته، ليس من شخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل من قوة الصناعة الأمريكية والقوة العسكرية الأمريكية التي تحمي أوربا من التغوّل الروسي والقواعد العسكرية المنتشرة في كل مكان في العالم بما في ذلك بحر العرب.

وأوضح مثال على ذلك هو أن تهديد دول مثل فرنسا وألمانيا بإيجاد آلية لتخطي القرار الأمريكي لمواصلة التعاون الاقتصادي مع إيران لم يتم تنفيذه على الأرض حتى الآن!

ويمكن الذهاب بعيداً في تحليل القرار الأمريكي بشأن إيران والذهاب للقول: إن إيران التي تم تحجيم قواتها في سوريا عبر تهديدات أمريكية للروس، مجرد ورقة يتم استخدامها أمريكياً لاختبار فاعلية القدرة الصينية على التصادم مع الهيمنة الأمريكية في العالم، واختبار قدرة خصوم الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي مثل تركيا وإيران وروسيا والصين وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، ومدى قدرتهم على التأثير في النظام الدولي.

لذلك لا يجب التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على إسقاط النظام الإيراني أو مدى تأثير العقوبات فيه، بل يجب طرح تساؤلات حول جدية تلك العقوبات. فبعد تفعيل العقوبات مباشرة بدأ النظام الإيراني إعادة إنتاج نفسه من خلال تعيينات وإقالات حكومية واسعة، لكن ذلك لن يجلب مليون وظيفة ستخسرها السوق الإيرانية في العام الأول من العقوبات، وفقاً لتصريح وزير العمل على ربيعي.

فقد ارتفعت نسبة البطالة في إيران، مع عدم قدرة 3 ملايين إيراني على العثور على وظائف. وحذّر تقرير برلماني في سبتمبر من أن ارتفاع معدلات البطالة قد يهدّد استقرار البلاد. ووفقاً لتقرير نشرته (رويترز) فإن نسبة البطالة بين الشبان حالياً 25٪ في بلد يشكل الشبان الذين تقل أعمارهم فيه عن 30 سنة نسبة 60٪ من مجموع 80 مليون من السكان. وذكر التقرير أنه إذا استمر معدل النمو في انخفاض بنسبة تصل إلى 5٪ فإن السنوات المقبلة ستشهد معدل بطالة يصل إلى 26%. وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش اقتصاد إيران بنسبة 1.5٪ هذا العام، ثم بنسبة 3.6٪ في عام 2019م؛ بسبب تضاؤل عائدات النفط.

من جانب آخر حذر نائب الرئيس الإيراني من أنه في ظل العقوبات، تواجه إيران خطرين رئيسين، هما: البطالة، وخفض القوة الشرائية. ويعتقد أصحاب الأعمال والعاملين في القطاع الخاص بأنه في ظل السياسيات النقدية المتقلبة للحكومة والتلاعب بسوق الصرف الأجنبية وزيادة أسعار الخام وارتفاع نسبة الفوائد على القروض، لذلك كله فإن سوق العمل ستنكمش بشكل مخيف في المدة المقبلة.

وقد علّقت شركة (بي اس ايه) الفرنسية لصناعة السيارات مشروعَها المشترك مع شركات إيرانية لتفادي عقوبات الولايات المتحدة، كما ألغت شركة (دايملر) الألمانية لتصنيع السيارات والشاحنات خططها لتوسيع أعمالها في إيران. وقال مازيار بيجلو عضو مجلس إدارة جمعية صنّاع قطع غيار السيارات الإيرانية، في أغسطس الماضي: إن أكثر من 300 من صانعي قطع السيارات اضطُروا إلى وقف الإنتاج؛ وهذا يهدد عشرات الآلاف من الوظائف في هذا القطاع.

ما تحاول إيران فعله حالياً هو إيجاد نظام اقتصادي يصادم العقوبات الأمريكية، من خلال تبني سلوك أقل عدوانية في المنطقة، وهو إن صح التعبير (سلوك احتيالي)؛ بهدف تسهيل عملياتها في السوق السوداء، مثل: تهريب العملة الصعبة عبر حدودها مع أفغانستان، وتصريف المنتجات الرديئة إلى الأسواق العراقية، إضافة إلى كميات كبيرة من النفط والغاز والكهرباء. وكذلك تسعى إيران إلى رفع التبادل التجاري مع تركيا؛ فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2017م بنسبة 16٪ مقارنة بالمدة نفسها من عام 2016م، لتصل إلى 6.3 مليار دولار مقارنة بـ5.4 مليار دولار في العام الماضي. ويسعى البلَدانِ إلى رفع التبادل التجاري سنوياً بينهما إلى 30 مليار دولار.

التعليقات

3 تعليقات
  1. مؤمن الشايب says:

    العقوبات مجرد لعبة أمريكية لصناعة تأثير على الوضع الداخلي الإيراني وإثارة الخلافات الداخلية

  2. فوزي says:

    هل يمكن القول إن العرب يمكن أن يستفيد و من العقوبات المفروضة على إيران؟ طبعا لا لأنه مثلما أفضل الكاتب لايوجد جدية في تطبيق العقوبات ثم إن بعض بلدان العرب تساعد إيران في تجاوز العقوبات

  3. فهد العمري says:

    في النهاية على دول الخليج ان تخلع شوكها بيدها ولا تراهن على سياسات واشنطن لأنها تستثمر إيران لصالح مصالحها فقط وفي أحد الأيام ستخرج وتترك العرب وحدهم يواجهون خطر الفرس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *