حرب الطوائف والعلمانيين في إسرائيل

..

موقع المثقف الجديد - أحمد الفقي

اعتقلت الشرطة الصهيونية في القدس المحتلة عائلة يهودية لإحيائها حفل زفاف يعود لفتاة تبلغ 13عاماً وفتى يبلغ 16 عاماً، وتنتمي تلك العائلة إلى طائفة “ليف تهور” المثيرة للجدل، التي تحاول الأجهزة الأمنية الصهيونية اختراقها منذ تأسيسها في ثمانينيات القرن الماضي لعدة أسباب، أبرزها: رفضها الاعتراف بإسرائيل، وترويجها مفاهيم توراتية تنص على أن “إسرائيل يعلنها الله وحده بعد عودة المسيح”. كذلك تتهم الطائفة بمعاداة قيم الدولة المدنية وترفض الإلتزام بالقوانين المدنية مثل الزواج والطلاق ومعاملة الأطفال وغيرها من الأمور.

مضى ما يقرب من عام منذ وفاة شلومو هيلبرانس زعيم طائفة “ليف تهور” في المكسيك غرقاً في أحد الأودية، تاركاً خلفه الطائفة اليهودية المثيرة للجدل في رحلة شتات غير معروف وجهتها. إن المجموعة التي تبعت هليبرانس من القدس المحتلة إلى ضواحي بروكلين ثم مونتريال الكندية وختاماً في غواتيمالا تواجه مستقبلاً غامضاً لا سيما أنها في كل مرة تخرج بمجموعة من التهم من بينها لائحة اتهام كندية تضم الإتجار بالبشر. وكذلك قرار من محكمة إسرائيلية بأن “ليف تهور” تمارس عبادات خطيرة تؤذي الأطفال.

هاجر كثير من أعضاء الطائفة من إسرائيل إلى الولايات المتحدة ثم كندا والآن يوجد بعضهم في غواتيمالا؛ وذلك بسبب صعوبة التأقلم مع المجتمعات وتصادمهم مع القوانين المحلية؛ إذ تبدأ النساء في الطائفة بتغطية أجسادهن من عمر ثلاث سنوات، ويتم تعليم الأطفال في المنازل، وكذلك ترتيبات الزواج تتم داخل المجتمع الداخلي.

جرت تحقيقات في كيبيك بكندا والقدس المحتلة بهدف تعرّف أسرار هذه الطائفة لكن نادراً ما يمكن إستخراج شيء؛ بسبب صعوبة التواصل مع المنتمين إليها، ففي عام 1994م اعتقل الحاخام شلومو هيلبرانس مؤسس “ليف تهور” بتهمة خطف أحد الأطفال من أسرته، لكن بعد أن أمضى عامين في أحد سجون نيويورك خرج مرة أخرى لقيادة الطائفة.

يقول شاي فولغمان مراسل صحيفة هأرتس في تقرير حول الطائفة “إن هيلبرانس ولد لأبوين علمانيين في القدس عام 1962م، ويعتقد أنه كان مسخّراً منذ طفولته لخدمة الشريعة اليهودية؛ لذلك عندما بلغ سن الشباب أصبح يدير مدرسة يدينية بإشراف الحاخام إلغازر شلومو شيك. أسس هيلبرنس مدرسة “ليف تهاور” في منتصف ثمانينيات القرن العشرين لمحاربة الحداثة التي تفسد الروح وصمّم قواعد كثيرة لإلزام أبناء الطائفة بها، منها: الصيام، والصلاة المكثفة عدة ساعات في اليوم، وتعليم الأطفال التوراة، ومنع استهلاك الدجاج وبيضه؛ لأنه معدل وراثياً، وكذلك عدم شرب الحليب إلا من أبقار يحلبها أبناء الطائفة”.

نتيجة ضغط الحكومة الإسرائيلية على الطائفة التي لا يزيد عدد المنتمين إليها على 250 شخصاً قرر زعيمها نقل معظم أبناء الطائفة إلى الحي اليهودي في نيويورك عام 1991م، مستنداً إلى نبوءات التوراة بأن الأرض ستصبح “صحراء وخراباً”، لكن ذلك لم يدم طويلاً؛ فقد لاحقته الشرطة الأمريكية بتهمة خطف الأطفال والإساءة إليهم.

“ليف تهور” قد يعدها البعض من حيث مفاهيم التدين جزءاً من الحريدية اليهودية التي تستخدم اللغة “اليديشية” في التخاطب، وهي حسب موسوعة ويكيبيديا “لغة يهود أوروبا، نمت خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين من لغات عدة منها الآرامية والألمانية والإيطالية والفرنسية والعبرية”. واليديشية تستخدم الحروف العبرية في الكتابة ولكنها تختلف عنها في الوقت نفسه؛ فهم يتمسكون بالشريعة اليهودية “الهالاخاه” ويفضلون تعليم أطفالهم في مدارس تدعى “اليشيفات” يتم فيها تعليم الدين التقليدي والشريعة والتلمود. ويتعلمون العلوم الدنيوية فقط عند الحاجة مثل الطب وما يساهم في كسب المال. ويتحفظون على استخدام التكنولوجيا، ويتركز كثير منهم في القدس وفي بني براك المجاورة لمدينة تل أبيب من جانبها الشرقي. وعلى رغم رفضهم الصهيونية التي تأسست عليها الدولة العبرية إلا أنهم اليوم بعد صعود الأحزاب الدينية أصبحوا جزء من هذه الدولة باستثناء جماعة “ناطوري كارتا” و”ليف تهور” أو القلب الطاهر.

في المدة الحالية سيطر اليمين الإسرائيلي على الهوية السياسية للدولة العبرية، وتحولت المعركة الأساسية بين الأحزاب السياسية حول منظومة قيم تتعلق بصنع هوية دستورية مستنبطة من الشريعة اليهودية للدولة، فعلى سبيل المثال: هناك خلاف بين تلك الأحزاب على إقرار قانون يهودية الدولة، وكذلك إعفاء المتدينين من التجنيد، وأزمة الحائط الغربي في المسجد الأقصى. وذلك الخلاف بين الدولة التي أسسها مجموعة من اليساريين الصهاينة المنتمين إلى حزب العمل وبين الدين اليهودي الذي يسيطر عليه مجموعة من الحاخامات الأرثوذكس، انتقل ذلك الخلاف في العقدين الآخرين إلى دائرة الهوية السياسية بعد أن مسّ القوانين والحقوق المدنية للسكان.

لذلك يبقى السؤال المطروح في الدولة العبرية حول ماهية الشخص اليهودي وكيفية تعريفه: هل هو الأرثوذكسي المعترف به من الحاخامية والمولود لأم يهودية؟ أو هو الشخص الذي يعرّف نفسه على أنه يهودي وتعترف به الدولة؟ وذلك الأمر هو التفسير الحالي للصراع على السلطة في الدولة العبرية.

التعليقات

2 تعليقان
  1. نعيم says:

    قلوبهم شتى وكتب الله عليهم الشتات منذ خروجهم من مصر فلا غرابة في ذلك اللهم جعل بأسهم بينهم شديد… فقد عظمت كبائرهم وجرائمهم ضد المسلمين.

  2. فريال العمري says:

    ليف تهور القلوب الطاهرة… يرفضون الاعتراف بإسرائيل ويقفون ضد الصهيونية وفي أحد تقارير مجلة فورين بوليسي قال زعيم الطائفة انهم يتشابهون مع المسلمين في الحفاظ على تقاليدهم لذلك رفضتهم الصهيونية ويتنقلون من مكان لآخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *