عبادة الحرب وقهر التجنيد في سورية

موقع المثقف الجديد

نشرت وسائل التواصل صوراً لمشاهد من الشباب السوري موثقين بالجنازير يُساقون إلى سيارات الالتحاق بالخدمة العسكرية، وعلى الرغم من قسوة المشهد فهو ليس إلا الصورة الظاهرة الأقل توحشاً لما يجري خلال العمليات الميدانية، التي باتت الشرطة العسكرية وأجهزة المخابرات تشنها على الحواجز والمطارات ونقاط الحدود، وبالتالي مراكز الاعتقال للقبض على السوري الهارب وجنزرته وسوقه لخدمة الوطن!

ويتأكد يوماً بعد يوم أن التجنيد الإجباري يقع على رأس الأسباب الطاردة لهذا الشعب المنكوب الهائم في الأرض، بعد أن أصبح التجنيد الإجباري كابوساً يطارد المنكوبين من أبناء الوطن، ويدفع بهم إلى الأقدار المحتومة قاتلا أو مقتولاً في حرب متوحشة لا ترحم.

وخلال سنوات الحرب أمضى شباب كثير ثمانية أعوام في الخدمة الإلزامية، وهي خدمة لا تعود عليهم بأكثر من الأكل والشرب، ومن المستحيل أن يدخر العسكري قرشاً أو ينفق على أسرة أو يستأنف دراسة، وإزاء ذلك بات الحلم الذي يراود كل طالب سوري هو انتهاز الفرصة المناسبة للخروج من البلد والبحث عن مكان في الأرض يعيش فيه دون تهديد التجنيد.

ودون أي مبالغة فإن أكثر من ثمانين بالمائة من حالات اللجوء والهجرة تستند إلى مشكلة التجنيد والسوق الاحتياطي، فالمجند فرد يرتبط به قرار اسرة وام واب وإخوة يدفعهم اللجوء إلى المجهول خوفا من التجنيد خاصة في ظروف الحرب الصاخبة وتداعياتها.

وعلى الرغم من كل أشكال الانقسام السياسي في سورية فلا تبدو الطروحات مختلفة في عقيدة التجنيد، ولم يحصل أن طرحها النظام أو معارضته كبؤس إنساني وهدر اقتصادي ودمار بشري.

ويكمن الخلاف بين الحكومة والمعارضة في الاعتراض على الأشخاص والمناصب، وليس في رفض عقيدة القتال نفسها التي يراها الجميع ضرورة نهائية لا تناقش في بناء الدولة، وبات من السهل تخوين كل من يفكر بخفض نفقات الجيش أو امتيازاته على أساس أنهم حماة الديار وجيش الوطن، وقد مضى الانفعال في الداخل إلى عبادة الجيش في قداسة صاخبة تجاوزت في السنوات الأخيرة جبين المقاتل ووجهه وشجاعته إلى عبادة بسطاره!

فهل التجنيد الإجباري قدر لازب على هذا الشعب المنكوب؟ وهل هو حقاً شرط للدولة القوية؟

يوماً بعد يوم يتزايد الحس الإنساني والأخلاقي عموماً بأنه ليس من حق أحد في الدنيا أن يرغم أحداً على حمل السلاح في وجه أحد، وتضيق دائرة الدول التي تفرض القتال على أبنائها.

بلغ عدد الدول التي نجحت بالفعل في إلغاء التجنيد الإجباري وفق قوائم الأمم المتحدة 131 دولة حتى عام 2018م، وهناك 34 دولة لديها برامج طويلة للانتهاء من التجنيد الإجباري أو تحويله إلى الخدمة الوطنية التي لا سلاح فيها لمدة أشهر قليلة، فيما بقيت قائمة الدول البائسة التي تفرض التجنيد الإجباري لمدة عامين تشتمل على 32 دولة تتوزع في منطقة الشرق الأوسط والصحراء الأفريقية الكبرى.

لقد طرحتُ هذا الأمر مراراً في مجلس الشعب، كلما ناقشنا موازنة الدفاع المرعبة، وحالما كنا نتأفف من تلك الأرقام المرعبة للإنفاق على الجيش كنا نواجه بالطبع بالعلقات الساخنة والخطابات النارية بأننا بلد مواجهة وأن المؤامرات تحيط بنا من كل وجه وأن الدول كلها تعود إلى التجنيد عندما تواجه الحروب، فكيف في بلد يتآمر عليه الكون؟!

وفي إطار الاستعداد لحرب العدو تم اعتماد موازنة حرب وثقافة حرب وإعلام حرب لمدة ستين عاماً دون انقطاع على الرغم من توقف أي مواجهة مباشرة منذ خمسة وأربعين عاما 1974م، كما تم تهشيم عشرة أجيال متتالية اختار شبانها الرحيل في الأرض هرباً من التجنيد في حروب طواحين خاصة بعد أن باتت تستهدف الداخل الثائر ولا تملك إزاء الخارج المحتل نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

ومع أن مراكز الأبحاث تقدم أرقاماً مرعبة تم إنفاقها على الجيش كان يمكن أن تجعل لسورية وجهاً آخر تماما، ولكن أكثر جوانب هذا الاستنزاف وأخطرها هو النزيف البشري للهاربين من خيرة شباب الوطن وخبراته إلى الآفاق البعيدة خوفا من التجنيد، خاصة بعد أن تأكد أن التجنيد مخصص لقتال الداخل ولا يوجد أي برنامج واقعي لتحرير فلسطين بزنود المجندين.

المفارقة أن الدول القوية اليوم لا تعتمد إطلاقاً على التجنيد الإجباري، بل تعتمد الجيش الاحترافي، فالدول الخمس في مجلس الأمن ألغت التجنيد الإجباري باستثناء روسيا التي خفضت منه إلى الحد الأدنى، والأبلغ من ذلك أن حلف الناتو نفسه بوصفه أكبر قوة عسكرية في الأرض ويتألف من 29 دولة قامت 27 منها بإلغاء التجنيد الإجباري الذي لم يستمر إلا في دولتين هما اليونان والنرويج.

أما الاعتراض التقليدي الذي يطرح أننا في حال غير مستقرة وأننا نواجه مؤامرات وحروباً تفرض علينا حمل البندقية كل وقت وعسكرة المجتمع وتدريس الفنون القتالية في المدارس والتدريب الجامعي، فجوابه المؤلم أن عقيدة الجاهزية العسكرية واستنفار الشعب لمواجهة التآمر الكوني، وخنق الحريات وتهشيم المجتمع المدني وتغول أجهزة الأمن، هي التي تخلق الحرب الجديدة، وهي البيضة والطاحونة، وهي الديالكتيك المتلاطم الذي يعيد خلق الحرب وتشكيلها كل يوم.

التعليقات

3 تعليقات
  1. محمد السيد says:

    نظام استبدادي قتل نصف مليون من شعبه وشرد الملايين فماذا تنتظرون منه غير القهر والاذلال لمن يقبعون تحت حكمه ، نسال الله لهم الخاص منه عاجلا غير اجل

  2. عبد العزيز الصالح says:

    مع الاسف العالم بغربه وشرقه يسير نحو التصالح والتضامن وعالمنا العربي يسير نحو المزيد من التفكك والتشتت والتناحر ، حقثيقة لم يعد في قاموس عالم اليوم شيء اسمه حرب الا في عالمان العربي الذي تتلاعب به ايدي القوى الكبرى يمنة ويسرى امعانا منهم في تقزيمه واضعافه.

  3. فهد اليحيى says:

    الصورة مؤثرة وهي واحدة من عشرات الالاف من الصور التي سربت لعمليات سوق الشباب المسلم السني في سوريه الى المحرقة عبر تجنيده قسريا، والنظام الطائفي الذي يحكم سوريا يعمل بشراسة لزج الشباب المسلم في مواجهة كل من يريد النظام مواجهته على الارض السورية التي تتقاسمها قوى عديدة ، طبعا الهدف معروف هو لخدمة مخططاته الديموغرافية الهادفة لتقليص اعداد اهل السنة ليكون ميزان القوى مستقبلا لصالح الاقليات التي تحالفت ضد هذا الشعب المستضعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *