أمريكا بين الديموقراطية والصبيانية!

..

موقع المثقف الجديد - عزام المشعل

بعد أن كان كثير من الناس يتطلعون إلى التجربة الأمريكية في إدارة الدولة على أنها النموذج المثالي لنشر الاستقرار ونشدان العدالة، وذلك من خلال معادلة السلطات الثلاث التي تتشارك في صناعة القرار وسن الأنظمة والتشريعات، وهي: المجلس التشريعي (الكونغرس)، والمحكمة العليا، والسلطة التنفيذية (رئيس الدولة)، بعد ذلك تبيّن أن السلطات الأمريكية، وعلى وجه الخصوص السلطة التشريعية بشقيها (الشيوخ والنواب)، توظف صلاحياتها ونفوذها لتحقيق انتصارات ذات طابع شخصي، لا تَمُتّ بصلة إلى مصلحة أمريكا العامة! وبما أن المصالح الشخصية أصبحت هي المهيمنة على منظومة العمل فسيكون الصراع سيّدَ الموقف، وتدمير الآخر هدفاً لا حياد عنه؛ فتنتشر الفوضى، وتتعطل التنمية، وتصبح مصالح الناخبين على هامش الصفحة.

هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على ثقة الشعب الأمريكي بأداء الكونغرس، لذلك منذ عام ٢٠١٠م وحتى نهاية شهر نوفمبر عام ٢٠١٨م لم يتخطّ معدل الرضى عنه ٢٥%، وفي بعض المراحل وصل إلى ١٤%. وحتى دول العالم الثالث لم تصل إلى هذه المعدلات المتدنية!

بعد فوز ترمب انكشف ما كان مستوراً، وأصبحت هذه الظاهرة سيدة الموقف، ومعادلة الضبط والتوازن في مهب الريح، بالرغم من كونها السبب الأول والأخير في تفوّق أمريكا على منافسيها.

الشواهد على صبيانية الكونغرس كثيرة، آخرها التصويت الأخير حول حرب اليمن! إذ تذرّع مجلس الشيوخ، في سابقة من نوعها، بقرار ١٩٧٣ الخاص بسلطة الحرب، في محاولة بائسة منه لتوظيفه لكبح صلاحيات الرئيس، وصوّت ٥٦ من أصل ١٠٠ على مشروع قرار يدعو إلى وقف الدعم العسكري الأمريكي للسعودية في اليمن.

هذا المشروع يعد دليلاً قاطعاً على صبيانية أعضاء مجلس الشيوخ، فقد اتُّخذ هذا الإجراء فقط لزعزعة العلاقة المتينة بين السعودية وأمريكا؛ لإحداث الضرر بالرئيس ترمب وتقليل حظوظه في انتخابات عام 2020م، بغض النظر عن المصالح التي حققتها وما زالت تحققها هذه العلاقة، والأهم من ذلك إغفال مصلحة الشعب اليمني التي تحتم تدخّل المملكة لتقويض مشروع ميليشيات الحوثي المعتدية على أمن واستقرار اليمن.

المملكة العربية السعودية كانت وما زالت صمام أمان لاستقرار اليمن من خلال دعم الحكومة الشرعية التي تمثل أغلبية الشعب، وقطع الطريق على اغتصاب الأقلية اليمن ، كما هو الحال في دولة لبنان الشقيقة.

من الشواهد الأخرى على صبيانية هذا المجلس أنه في عام ٢٠١٧م، عرض للتصويت مشروع قرار إلغاء برنامج أوباما الصحي وتغييره، بعدما أثبت دون أي مجال للشك ضرره على الشعب الأمريكي؛ فقد تضاعفت قيمة التأمين أضعافاً مضاعفة منذ أن أُقر، وأصبح عبئاً على الشعب الأمريكي؛ لذلك قرر الرئيس ترمب النظر فيه وتصحيحه بشكل يخدم الشعب، لكن خرج عليه جون مكين وصوّت ضد المشروع! لا لشيء إلا لأن ترمب قبل فوزه بالانتخابات قال واصفاً مكين: (أنا لا أكنّ قدراً كافياً من الاحترام لأسرى الحروب)، وأدى غضب جون مكين من ترمب إلى منع مشروع كان سيحقق المصلحة للملايين من الشعب الأمريكي، فما بالك عندما يتعلق الأمر بمصالح الشعوب الأخرى.

بعد وفاة جون مكين تولى بوب كوركر قيادة مجموعة المعروفين في أمريكا باسم(Never- trumpers) ، وكشّر هذا السيناتور عن أنيابه للحليف الإستراتيجي السعودية، في محاولة بائسة للزجّ بالمملكة في الجدل السياسي الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولة المساس برموزها. لكن ما لا يدركه كوركر أن السعودية لها سيادة فولاذية لا تُمسّ، ومكانة صنعتها القيادة بفضل الله، ثم بحكمتها وحنكتها، جعلَتها من أهم صنّاع القرار في العالم.

يجب أن يدرك بوب كوركر ومن هم على شاكلته أن السعودية وقيادتها لن تكون العصا التي يوبَّخ بها الرئيس ترمب، وأن الصراع بين السلطة التشريعية والتنفيذية في أمريكا يجب ألاّ يخرج عن حدودهما.

 

التعليقات

5 تعليقات
  1. خالد الشمراني says:

    لم تكن امريكا وحكوماتها في اي يوم ناشرة للعدالة والاستقرار بل هي ناشرة للخراب والفتن مشعلة الحروب وناشرة الفوضى الخلاقة في كل مكان

  2. فيصل النويصر says:

    امريكا تسيرها مصالحها ولاقيمة لديها الا للمصالح لذلك على السعودية الا تعول عليها لأن البدائل كثيرة ، المملكة قطب عالمي اسلامي كبير ومن يقف ضدها هو الخاسر اولا واخيرا.فيصل

  3. الرميحي محمود says:

    أعتقد أن الكونغرس الأمريكي يتحرك وفق مصالح لوبيات تدعم المرشحين وليس هناك أجندة شخصية للأعضاء وتوجهات الكونغرس ضد أي بلد لا يتماشى مع سياسات الولايات المتحدة

  4. عبدالعزيز الناصر says:

    قبل سنوات أقر الكونجرس قانون جاستا وتلك كانت بداية لتوجهات تضعها الولايات المتحدة تستهدف تغيير نمطية العلاقة مع المملكة العربية السعودية..

  5. فايز says:

    القرارات الاستراتيجية في العلاقات الخارجية الأمريكية لا أظن أنها تبتعد عن مبنى البنتاغون ومؤسسات الأمن القومي.. النواب مجرد أبواق دعاية والدليل الانسحاب الأمريكي من سوريا رغم تصريحات سابقة باستبعاد هذه الخطوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *