قارئ مترهل: اعترافات كاتب

موقع المثقف الجديد - محمد الهويمل

لن تُصنَّف كاتباً جيداً حتى تصنَّف قارئاً جيداً. هكذا تستشرفك الأذواق والعقول, وتدفع بك – دون تحفظ – إلى خانة ثقافية وإبداعية, يقضي بها عليك الرأي العام المثقف والشعبي؛ لأنه يتعاطى مع المقروء بوصفه إعادة إنتاج, أو تكرار ما زخرت به ذاكرته القارئة النهمة. وهم بهذا يفرضون شرطاً حديدياً بين المكتوب ومقدماته المقروءة, وكأن الكاتب امتدادٌ لكونه قارئاً, أو أن القارئَ أبٌ والكاتبَ ابنُه, يشبهه ولا يماثله.

أنا لا أقف في المنتصف بين مقروئي ومكتوبي, ولا أشعر أني أُمثّل حلقة وصل بينهما, مهما تكلفتُ الربط السلالي والجيني بجملة من الأسباب, أوجزها في الإقرار بأنني قارئ نَهِم، يأكل طعاماً غير صحي, ينال متعة اللحظة, ويشعر بامتلاء وشبع, لكنّ مأكوله يرتدّ شحماً, يُثقل أطرافه, لا عضلاً يقويها.

لي مع نشاط القراءة وترهل الانتفاع بها حكاية أكتمها؛ لأنها مرض لا يُرجى برؤه, وليس ثمة جدوى من كشفها إلا لأدلي باعتراف يؤرقني, ويجعلني أمام نفسي نصف قارئ مقارنةً بمن سبقتُهم سناً وتجربة قرائية, وتَخَطّوني معرفةً وانتفاعاً بما قرؤوا, وليس الشأن ضعفاً في الذاكرة, إنما ترهلٌ مَرَضيٌّ في جهاز استقبال المقروء، انعكس تهمةً على ذاكرة بريئة لم (تشكُ إلى وكيع سوء حفظها).

استحال الأمر إلى عقدة أفقدتني أهليتي العلمية, ووسوستْ لي بأنني نصف مثقف, وما برحت أُصنّف نفسي في هذه الدرجة ولا أزال, وإن كنت أخفي الجهل والعيب, وأداريهما عن فراسة المؤمن والمنافق.

تديرُ علاقتي بالكتاب سلطةٌ وسلطةٌ مضادة, وتَدافُعٌ بين محرض استثماري يحملني على التكيّف مع المكتوب بحسبانه شريكاً, أستحضره طرفاً يؤدي خدمة محددة، ثم ينصرف عن شأني.

إنها علاقة غير ودية بالكتاب, فهو يريدني طالباً مريداً, أُصدّقه وأتربى على أُستاذيته التي تحقق لي متعة الانقياد, إلا أني أتعامل معه بندية إعجاب في الآن ذاته.

ما انفكّت علاقتي بالكتاب نفعيةً, أتزود بالمعلومات كأي أرشيف أو مستودع, وينتهي دوره النهائي في تقديم معلومة تدخل في ذاكرتي، وتتجه إلى زاويتها النشطة أو الخاملة, ما جعلني قارئاً يتاجر بالمعلومات لغرض الكسب المصلحي الشخصي, وإعمال الحافظة لغرض الاستحواذ, وإحراز كسبٍ وتفوقٍ وحسب, غير أن ذاكرتي بطبعها متوسطة الحفظ, وإرهاقُها لخدمة الغرض الشخصي يصيبها بالترهّل, ويجعلها أكثر هشاشة من ذاكرة تحفظ بتلقائية, ودونما إملاء من العاطفة, وكأنها طارئة, لا عضوٌ طبيعيٌّ في إنسان طبيعي. التعامل البنكي مع زخم المعلومات في الكتب أسس لعلاقة غير سوية بها.

البحث عن الطموح الشخصي في المقروء مُجدٍ، ومن اجتهد في كسب العلم في سبيل نيل الشهادة ينجح في كسب المعلومة والشهادة, لكنّ الذاكرة الصارمة في تركيزها تحتفظ بأكثر ما يرد إليها, ويكون العالِمُ عالماً, والمتخصصُ متفوقاً؛ شريطة أن يعي قدرة ذاكرته وتمكنها, وإذا أخفق في تشخيصها خسر الوقت والجهد, وانقلب طموحه خيبةً, ورضي بالأقل بعد أن كان يأمل الأكثر؛ لأنه بإزاء ذاكرة نشطة نفعية وأخرى علمية, وأمام ذاكرة مترهلة نفعية, وأخرى علمية, والترهلُ والنشاط مخلوقان في ذاكرة مخلوقة.

لستُ قارئاً مثالياً, وعلاقتي بالكتاب علاقة مصلحة, وحاجتي له حاجتي لأي جماد آخر, يحكمنا تبادل المنافع, أدفع فيه مالاً ليدفع فيَّ علماً, ومتعتي معه حسية محضة, تنعكس عقليةً بطبيعتها, تملأ الذاكرة, وتؤجج القريحة المفكرة, وهذه معادلة آلية أعيها كأي قارئ ناضج.

إذن, من أين يأتي الترهل القرائي؟

يأتي من طبيعتي الشخصية التي أنفرد بها سلباً عن كثيرين, ومن سيكيولوجيا الفعل القرائي ذاته, ليس من شأني تبديله أو تعديله، وهو عيب أُقرُّ به, ولا سبيل إلى الشفاء منه.

علاقتي بالكتاب تنافسٌ للسيطرة، بيني وبين الوافد المعلوماتي, أمارس ضده سيادة متوهمة, أُدرجُه فورَ وفوده في خانة المفعول به والعبد, الذي اشتريته بوقتي الثمين، وعليه أن يكون على أهبة العمل والطاعة لخدمتي، ومجنداً لأُبّهتي وتفردي واستثنائيتي المزيفة.

إنها حالة متوترة وبِدْعٌ من غيرها, لا تكاد تقع على سابقة لها أو لاحقة, أن تجعل من طلب العلم امتلاكاً سيادياً, دورُه تكريسُ سلطة على الكتاب ووارداته, والكتاب عنيدٌ بجبروته التاريخي والثقافي والعقلي (لن يعطيك بعضَه إلا إذا أعطيتَه كلَّك), وتلك مقولة بليغة عن العلم وعلاقة الطالب به, اخترقت الأزمنة لتحضر في كل مجلس علم, أو لحظة ثقافية انتظمت كتاباً وقارئاً, وتلقّاها القراء بالقبول والتسليم, وبات من العسير والحمق التحرش بها إلا لتُتَّهم بأنك متحرش, لا منتقِدٌ، أو ذو تأويل جديد إزاء صورة علم ومتعلم, يستعصي تعديلها إلا بتمزيقها وإعادة تركيبها مشوهةً.

الفهم المباشر للمقولة السالفة ينحصر في بذل الوقت والجهد, لتحصيل العلم القليل, بيد أن تجربتي مع الكتاب وإخفاقي في افتعال الندية معه حدا بي إلى استدراك ما فات غيري في أن التواضع للعلم والكتاب هو تتمة للوقت والجهد, ولا محيد من أن تبذله كصفقة لكسب العلم والإفادة منه, والندية مع الجماد الحيّ أعتى منها مع الجماد الميت.

الشرود الذهني حلم يقظة يحتدم فيه الطموح والرهافة، حتى ليبدو نسخة نهارية من حلم ليلي بخروجه عن السيطرة في صياغة المشهد, وسينمائية العرض, والانتباهُ منه كاليقظة من النوم, ويبقى السيناريو الحالم معلقاً بنسخة عريضة في جدران الذاكرة, إذا تماسّ مع رغبةٍ أو رهبةٍ مصيريتين.

الكتاب نص يستفز الطموحات، ويشحذ الإرادة، مهما كان المكتوب جاداً أو هازلاً، وبعضنا يستجيب لهذا الاستفزاز الإيجابي، ويتماهى مع تحريضه النبيل، ويجعل القارئ مقروءاً على السطور أو بينهما، وكأنه مؤلفها أو مشارك في جمع الكلام والمعنى ورصفه، ثم لا يلبث أن يقحم نفسه متطفلاً في استدراكه على القوة أو الضعف والخلل الخفيّ أو الجليّ، أو يفرض حضوره التاريخي على صفحة سطّرها عباسيٌّ قضى ومضى إلى الغيب، وترك ميراثاً تعبث به أحلام يقظة، وتعدّل فيه ذهنياً بافتعال سلطوي غاشم، يُهدِر العقل والجهد والوقت، ويقود إلى ترهل في العقل والجهد والوقت، ومهما أحرز القارئ من منفعة عقلية، أذكتْ محوراً مستجداً، بسطه لاحقاً في مقال، فإنه ينجح كاتباً ويفشل قارئاً، شأني ومن هم على شاكلتي.

الترهل القرائي ثقبٌ في الذاكرة، تتسرب منه صفحات فريدة من أرشيف ثمين, تذهب مع الريح إلى العدم، وتتفاقم الحسرة الحرّى بوقوعي على هذه الصفحات في كتب أو ذاكرة تخص غيري، وقد كانت في حوزتي وملك يميني.

طغيان الأنا في تضاعيف المقروء جعله مستخدَماً مهمشاً، وهو صاحب الفضل، ومن دونه لا تفيض قريحة، أو تنقدح فكرة أو تخصب مخيلة.

هذا التعامل الاستعلائي ينبذني طرفاً أضعفَ، بعد أن أخفقتُ في الإفادة من الكتاب درساً ومدرساً ومدروساً؛ ذلك أني لم أتعامل معه طالباً مكتفياً، أقحم نفسي كتابَ أفكارٍ حيالَ كتابِ معلومات استهلاكية، حالَ المأكول والمشروب الذي يتوزع في الخلايا, ليختفي فضلُه أمام نمو الجسد.

الشرود الذهني أثناء القراءة يُفسر بأنه بحث عن فضاء معرفي لا إرادي, موازٍ أو منافس أو مصادم، وكأن المكتوب لا يفي بتطلعات أصبو إليها من القراءة، مما يدفعني إلى ممارسة رقابة مؤقتة على ما أقرؤه, كخطأ يحتمل الصواب, لا صواب يحتمل الخطأ.

الكتاب لم يعطني بعضَه، لأني لم أُعطِه كُلّي، واستحال الأمر عقدةً تتملكني وتستحوذ على فضاء أسئلتي, وثقتي في نفسي, وثقافتي التي أزعمها، وتنطلي على من أتظاهر أمامهم بموسوعيتي, ثم سرعان ما أتواضع إذا خلوت بنفسي تواضعاً يؤطرني في حجمي العلمي، لأصنّف نفسي مثقفاً من الدرجة الثانية، وقارئاً دون المستوى، إذا دفعت بثقافتي في مقارنة مع من فتح ذهنه وقلبه، تلميذاً جائعاً للمعرفة.

ما سلف أوقعني في تناقض وانفصام حاد، بين تكامل المقروء والمكتوب؛ فقراءتي مترهلة بليدة, يستغلق عليَّ فهم كثير منها؛ لشرودي أو استرخائي أمام تعقيدات المكتوب، أتجاوزه لكسل في إرادتي، وفي المقابل أنشط ذهنياً وإبداعياً في الكتابة والتحليل والسرد والتنظير، ما يوهم القارئ أنني واسع الاطلاع.

التعليقات

3 تعليقات
  1. نسيم says:

    نصف مثقف لا يمكن أن نضع مقياس لمعرفة عمق العلاقة بين القارئ والكتاب فالأمر مضطرب نوعا ما… هو علاقة عاطفية بامتياز

  2. عمر العلي says:

    المصلحة والمنفعة واستثمارية… قد تكون دلالات شغف وليس علاقة متقلبة كما يصف الكاتب فالقارئ لا يتوقف ابدا عن القراءة

  3. نظمي مهنا says:

    لغة الكاتب تؤكد أنه لا يبتعد كثيرا عن الخط الفلسفي.. قد اختلف معه في وصف القارئ بأنه انتفاعي لأن القارئ عاطفي بامتياز يستميله الجمال في عناوين الكتب

اترك رداً على عمر العلي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *